متحف الشهداء ضرورة وطنية

2/16/2020 1:09:23 PM
291
كتاب اليوم الجديد

أحمد بلال

متحف على سيناء، أرض الفيروز، الأرض التى لم تجف عليها دماء شهداء مصر بعد، يوثق بطولاتهم وتضحياتهم، ويضم متعلقاتهم وصورهم وما تبقى منهم. متحف يليق بأحمس والرفاعى ومنسى.. حتى لا يصبحوا نسياً منسياً.


بيادة وقايش، وثلاثة أقلام ومبلغ من المال بالكاد يتجاوز المائة جنيه، هذا كل ما تبقى من الشهيد العقيد مصطفى عبيدو. الصورة تم تداولها بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعى. توقفت عندها كثيراً، حاولت كتابة التعليق المناسب أكثر من مرة، خانتنى الكلمات وغابت عنى التعبيرات ولم تسعفنى أفكارى، وهل هناك كلمات على قدر قيمة الشهادة فى سبيل الوطن؟

لم تتسع الصورة لكل ما تبقى من الشهيد مصطفى عبيدو، الدماء ما زالت على رمال سيناء، وما تبقى من جسد فى تراب مصر، طفلان فقدا الأب وحنانه وتيتما فى سن هما أحوج فيها من أى سن أخرى لأبيهما، لم تتسع الصورة لأسرة كاملة اتشحت بالسواد والألم، واليتم والترمل والفقد، وأصدقاء فقدوا صديقهم. لم تتسع الصورة لمصطفى عبيدو الإنسان، الذى ترك كل هذا خلف ظهره فى سبيل وطنه ووحدته الترابية.

كرم الله بنى آدم، والشهداء هم أكرم من كل بنى آدم، الشهداء ليسوا أرقاماً ولا أعداداً نسردها وننساها، ونضيف عليها. الشهداء لا يخضعون لقواعد الجمع والضرب والطرح والقسمة. لكل شهيد حكاية، وأسرة، وأطفال وزوجة وحبيبة وإخوة وأم وأب وأصدقاء، لكل شهيد بدلاً من الحكاية ألف، وفقدانه يعنى آلاف الأوجاع لكل من حوله، من تيتموا ومن ترملوا ومن ثُكلوا. لكل شهيد أيضاً قصة تضحية وبطولة تدعو للفخر والاعتزاز.

وحده وبمحض إرادته، يتخلى الشهيد عن كل هذا، عن أحلامه الشخصية والإنسانية، عن أطفاله وأسرته، وحبيبته وزوجته، وأمه وأبيه.

يترك كل هذا خلف ظهره، وعلى كفيه سلاح وعلم، سلاح يقاتل حتى النفس الأخير، وعلم إما أن يرفعه أو يلف به بدلًا من الكفن، ما يجعل الشهادة واحدة من أنبل القيم الإنسانية فى تاريخ البشرية.

والتاريخ جاء عندما جاءت مصر أولًا، هى الدولة الأولى والحضارة الأولى وكذلك التضحيات الأولى. عرفت مصر حدودها الثابتة منذ فجر التاريخ، وحافظ أبناؤها على هذه الحدود بحياتهم ودمائهم، فرسمت مصر حدودها بدماء أبنائها، قبل أن تحددها خطوط الطول ودوائر العرض، وقبل أن يعرف العالم الخريطة.

هذا التاريخ المصرى الطويل، وراءه تضحيات وشهداء عظام، لولاهم لما بقيت مصر مصرَ، شهداء فى كل مراحل التاريخ المصرى، منذ أحمس ومن قبله، وحتى الشهيد مصطفى عبيدو، ولن يكون الأخير، مروراً بالرفاعى وعبدالمنعم رياض وكل شهداء مصر على مر العصور. والحقيقة أنه لو كان هناك سبب لاستمرار وجود الدولة المصرية والشعب المصرى موحدين طوال هذه الأعوام، فهذا السبب هو الشهداء.

حقاً تحتفى الدولة بالشهداء الآن قد يكون أكثر من أى وقت مضى، وحقاً تولى القيادة السياسية تقديراً كبيراً لأسرهم، إلا أن الشهداء الأحياء عند ربهم يرزقون، يستحقون أيضاً أن يظلوا أحياء فى قلوب وذاكرة شعوبهم مخلدين.

مطلب تأسيس متحف الشهداء، كان التعليق الذى رأيته مناسباً على صورة ما تبقى من الشهيد عبيدو، نشرته وقررت تفعيل مبادرة من أجل تأسيس هذا المتحف، حفاظاً على الذاكرة الوطنية، وتكريماً لمن ضحوا بحياتهم فى سبيل الوطن والشعب، ولتعريف الأجيال المقبلة، أن الأرض المدفوع ثمنها دماً، هى أرض مقدسة، لا يجوز لأحد التفريط فيها، والدفاع عنها فرض على الجميع.

متحف الشهداء، هو متحف التضحيات المصرية العظيمة، متحف يروى التاريخ المصرى بشكل مختلف، تاريخ من دفعوا حياتهم ثمناً لحرية مصر وسيادتها ووحدتها الترابية، تاريخ من تصدوا لكل أشكال الاحتلال، هكسوس وفرس ورومان وصهاينة وعربًا وغيرهم، وكذلك إرهابيين من كل الجنسيات.

متحف على سيناء، أرض الفيروز، الأرض التى لم تجف عليها دماء شهداء مصر بعد، يوثق بطولاتهم وتضحياتهم، ويضم متعلقاتهم وصورهم وما تبقى منهم. متحف يليق بأحمس والرفاعى ومنسى.. حتى لا يصبحوا نسياً منسياً.

كاتب المقال

أحمد بلال

اليوم الجديد