بحلول الرابع من نوفمبر الجارى تحل الذكرى الثامنة على اختيار السماء للبابا تواضروس الثانى.. المزيد

السيسي,البابا تواضروس الثاني,الكنيسة القبطية,البابا شنودة,وجيه صبحي,القرعة الهيكلية

الأربعاء 2 ديسمبر 2020 - 17:39
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

في ذكرى اختياره بطريركًا للكنيسة.. البابا تواضروس "خادم الشعب"

البابا تواضروس
البابا تواضروس

في الرابع من نوفمبر الجارى، تحل الذكرى الثامنة على اختيار السماء للبابا تواضروس الثاني، بأن يكون البطريرك الـ118 فى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والذي يحتفل فيه البابا أيضًا بعيد ميلاده الـ68، قضى منها 32 عامًا بالرداء الأسود، بدأت بالرهبنة، مرورًا بالأسقفية، وصولاً إلى البطريركية، نجح خلالها أن يكون خادمًا حقيقيًا بل وازدادت خدمته واتضاعه كلما ارتفعت مكانته، ليجسد قول السيد المسيح: “من أرادَ أن يكونَ فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا”.



تخصص “اليوم الجديد” تلك السطور للحديث عن الدور الخديى للبابا تواضروس، منذ أن كان راهبًا مرورًا بالأسقفية ووصولًا للبطريركية، عبر قصص من عاصروه في تلك الفترات، وما تبعها من نمو الخدمة في عصره عبر أساليب وتقنيات حديثة، ناهيك عن خدمته للوطن في أحلك الظروف.

 
 
 

“الخدمة عطية خاصة من الله يضعها فى قلب الإنسان الذى يشتاق له دائمًا لأنه يقابل المسيح في الآخرين، فالخدمة ليست رتبة ولكنها روح ومقابلة مع المسيح، وما يدفع الخادم للخدمة هو الاشتهاء الذي بداخله لمقابلة السيد المسيح، وهذا هو قمة نجاح الخدمة”.. هكذا لخص البابا تواضروس الثاني، رؤيته عن الخدمة، والتي غُرست في داخله من الصف الثاني الثانوي، وترعرعت مع بداية خدمته الكنسية فترة الجامعة، وأثمرت مع رهبنته، وتفرعت خلال فترة الأسقفية قبل أن تصبح تلك النبتة الصغيرة هى المسؤولة عن الكنيسة ككل.

انطلق البابا الـ118 في خدمته الكنسية، وقتما كان يحمل اسم “وجيه صبحي باقي”، وبالتحديد مع بداية المرحلة الثانوية، بعد وفاة والده المهندس صبحي باقي، وذلك داخل أروقة كنيسة الملاك الأثرية في دمنهور، حينها بدأت ميوله الرهبانية، وازداد شغفه بالرهبنة في فترتي الجامعة والتخرج؛ حيث كانت تجذبه القراءات الكتابية (الكتاب المقدس) وتفاصيل الرهبنة في كتاب (بستان الرهبان).

 

وكان لدى البابا تواضروس رغبة داخلية في الحركة نحو الأديرة لزيارتها وتأمل ما فيها، وتمنى أن يجد نفسه يومًا بين أسوارها العالية، لكن ظروفه الأسرية حالت دون تحقيق تلك الرغبة في ذلك التوقيت، فاتجه نحو الدراسات العليا والدراسات اللاهوتية، حتى أتته الفرصة ليمر من بوابة دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون في محافظة البحيرة، طالبًا الرهبنة في يوم 20 أغسطس من عام 1986، وبقي خلالها عامين تحت الاختبار، تراوده أسئلة متكررة حول مدى صلاحه للحياة الرهبانية، ومدى اتفاقها مع ميوله، ومدى قدرته على العيش مع هؤلاء الرهبان.

تلك الأسئلة لحقتها إجابات إيجابية تأكيدية على صلاحيته لها، ما نتج عنها رسامته راهبًا عام 1988، ليكمل مسار خدمته التي انطلقت سابقًا في دمنهور كخادم مدارس أحد منذ عام 1968 وتتلمذ على يد الأنبا باخوميوس الذي رُسم أسقفًا على البحيرة عام 1971، وما تبعه من تكليف ليكون أمينًا للخدمة، والتي تعد أولى اللحظات التي يتقلد فيها منصب المسؤولية الكنسية، ولكنها لم تكن الأخيرة.

 

 

من الدير إلى الكهنوت.. خدمة تجاوزت قلاع الصحاري

قد يظن البعض، أنَّ الرهبنة تبعد الراهب عن الخدمة مع أبناء العالم، لكنَّ هذا الأمر غير صحيح بنسبة كبيرة، فالرهبان إن كانوا قد انعزلوا عن العالم داخل أديرتهم، فإن الزيارات الخارجية لا تزال مستمرة، بل ومنهم من رُسم كاهنًا، وتمت دعوته للخدمة في العالم، فكان مجبرًا على الدخول إلى أروقة العالم مجددًا، وهو ما حدث بالضبط مع البابا تواضروس حينما كان راهبًا بِاسم الراهب ثيؤدور الأنبا بيشوي.

وتمثلت أولى الخدمات التي وكلت لـ”ثيؤدور”، في استقبال زوار الدير، يرافقهم في جولة لتقديم معلومات عن الدير وتاريخه، مستمرًا على هذا الوضع لمدة عامين منذ رهبنته، بالإضافة إلى عامي ما قبل الرهبنة، ومن ثم انتقل إلى مرحلة جديدة للخدمة خارج قلاع الصحاري.

ومع رسامته قِسًّا يوم السبت 23 ديسمبر 1989، كان البابا الخادم مع ثاني محطاته الخدمية بعد الرهبنة؛ حيث انتقل للخدمة بمحافظة البحيرة بعد رسامته كاهنًا بشهرين يوم الخميس 15 فبراير 1990، وظل يخدم ككاهن راهب في إيبارشية البحيرة، ومطروح، والخمس مدن الغربية 7 سنوات.

تلمذة الراهب ثيؤدور على يد الأنبا باخوميوس، قد نمت خلال تلك السنوات السبع، حيث كان يقيم في قلاية أعلى قلاية الأسقف الذي كلفه حينها بمسؤولية خدمة الشباب والخدام، دون أن يدخله في دوامة الافتقاد وغيرها من الأعمال الرعوية كالجنازات والأكاليل.

اختيار كان في محله حينها؛ نظرًا إلى شغف الراهب بالخدمة الكنسية؛ حيث خصص كل وقته لإعداد الخدام والتربية الكنسية لمدارس الأحد، قبل أن يُدرس مادة العهد الجديد في الكلية الإكليريكية بدمنهور.

 

 

 
 

الأسقفية تقربه من الشباب لغرس الطموح

بذل الذات في الخدمة كان السبب الرئيسي الذي نقل الراهب ثيؤدور من الكهنوت إلى الأسقفية، وأصبح الأنبا تواضروس، والذي رُسم بيد البابا شنودة الثالث، أسقفًا عامًا للبحيرة عام 1997، ليرتقى ذلك الراهب درجة جديدة على سلالم الرئاسة الكنسية، لكنَّ الارتقاء في الكنيسة هو أمر عكس الارتقاء في العالم.

فالبابا تواضروس يرى أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لا تعترف بمفهوم الترقية، مؤكدًا أن الترقية في الكنيسة لأسفل وليست لأعلى، بمعنى أن الترقية الحقيقية تكمن في حياة الاتضاع وحياة غسل الأرجل.

على هذا المنوال قد سار، واقترب أكثر من الشباب واحتضنهم بشكل كبير، وشجعهم على النجاح والتميز وألا يرضوا بالمركز الثاني، وهو ما قد نجح فيه بالفعل، حين رأى حصاد ما زرعه خلال أكتوبر الماضي، حين شاءت الأقدار أن يعود البابا ويلتقي أحد أبنائه في مرحلة الأسقفية، وهو الدكتور بيتر عاطف، والذي جاء ضمن المكرمين لتميزهم في الدراسات العليا بكلياتهم، خلال اجتماع البابا الماضي في الإسكندرية.

ويقص الدكتور بيتر عاطف، قصة خدمة البابا تواضروس حين كان أسقفًا ويرعاهم في دمنهور، قائلاً: “كان بيحتضننا جداً وحافظ كل شاب في الكنيسة، وبيشرح لنا كتير في خدمة مدارس الأحد ومهرجان الكرازة”.

وعن علاقتهما معًا، كشف بيتر أنها بدأت حين كان طالبًا في الثانوية العامة، حينها جمع الأنبا تواضروس دفعة بيتر، وقام بشرح منهج الدين بالكامل، مستطردًا حديثه عن البابا: “كان بيسأل عليا في المذاكرة لحد ما طلعت الأول على الإيبارشية واتكرمت من قداسة البابا شنودة ربنا ينيح روحه والبابا تواضروس أهداني لاب توب هدية للمذاكرة في كلية الطب ووعدته أتفوق في الكلية”.

المميز في تلك القصة، أنه على الرغم من غياب اللقاءات بين بيتر والأنبا تواضروس كالمعتاد، بسبب الابتعاد عن دمنهور تارة والمشغوليات البابوية تارة أخرى، إلا أنه بمجرد رؤية البابا لذلك الشاب قد تذكره، فلم تعِق مشغوليات البابا من تذكر أبنائه في جميع مراحل خدمته، وهو ما يعكس قيمة الخدمة الحقيقية التي يقدمها.

 

 

خدمة تتجاوز حدود المكان

إن كانت البطريركية قد أعاقت يسر حركة البابا تواضروس، على عكس ما كان عليه الوضع وقت الأسقفية، إلا أن البابا لم يرتض أن يبقى في برج عاجي منعزل عن أبنائه، فكان حريصًا كل الحرص على استكمال خدمته عبر لقاءات مع جميع فئات الشعب، ولعل أبرزها لقاءات الشباب في القاهرة والإسكندرية، ومن ثم إطلاق ملتقى شباب الكنيسة العالمي، والذي يعد الأول من نوعه في تاريخ الكنيسة القبطية، والذي نجح في تنفيذه البابا خلال عامه السادس من الجلوس على كرسي مارمرقس.

ذلك الملتقى كشف وجهًا جديدًا في علاقة البابا مع الشباب، وبين مدى قربه لهم، ليس فقط خلال فترة الملتقى، بل سعيه الدائم للاطمئنان عليهم، حيث شاركهم الحديث الإلكتروني، في بادرة سبقت ما يحدث حاليًا من محادثات إلكترونية؛ بسبب فيروس كورونا، والتقى حينها عددًا من شباب الأقباط المهاجرين في 7 دول، وتحدث معهم عبر الفيديوكونفرانس للاطمئنان عليهم.

ولم تقف خدمة البابا على حد السؤال على من كان معه فقط، بل بمجرد علمه بأن الشاب أليكس ماكبراتنى، صاحب الـ18 عامًا، قد اكتشف أن قلبه يعمل بنسبة 10%، واحتياجه لعملية زرع قلب، قد دفع البابا للاتصال به عبر فيديو كونفرانس لتشجيعه والصلاة له؛ حيث كان أحد المشاركين معه في المؤتمر العالمي الأول لشباب أقباط المهجر بدير وادي النطرون في محافظة البحيرة، قبل شهر واحد من دخوله لإجراء العملية.

وقال بول إسكندر، صديق أليكس، حينها، إنَّ البابا تواضروس يتواصل معهم منذ انتهاء المؤتمر، وإنه علم بحالة أليكس، فقرر الاتصال به لتشجيعه، لافتاً إلى أن البابا استفسر عن حالته الطبية خلال المكالمة وعن حالته النفسية والصحية، فيما داعبه أليكس وطلب منه صليبًا من صلبان البابا الخاصة، فوعده قداسته أن يهديه صليبًا بعدما يمثل للشفاء، ويأتي لزيارته في مصر.

ولم يكتف البابا تواضروس بذلك فقط، بل قام بإرسال كتاب مقدس موقع عليه حتى يكون معه خلال فترة إجرائه العملية، فيما تمنى له الشفاء العاجل ووعده بالصلاة له في جميع الصلوات التي يصليها.

 

 

كوباية مياه مشبرة.. نظرية البابا عن الخدمة

وفي أحد اللقاءات التليفزيونية، خرج البابا تواضروس ليتحدث عن أساليب تطوير الخدمة الكنسية، مشبهًا الخدمة بالمياه التي تحتاج إلى أسلوب مميز لعرضها كما تحتاج المياه لإناء جيد ليحتويه، حين قال إنه يمكن أن تُقدم المياه في كوب من البلاستيك، ويمكن أن تُقدم في كوب زجاجي، وتُقدم في كوب كريستال ساقع مشبر، في جميع الحالات المياه واحدة لكن تقديمها مختلف، وانجذاب الشخص لها يختلف وفقاً لطريقة تقديمها”، هكذا وضع البابا نظريته عن تطوير أساليب الخدمة الكنسية لتناسب هذا العصر.

نظرية لم تقف عند حد الأقوال بل تحولت إلى أفعال، حين أطلق البابا تطبيق حمل اسم “أبناء النور” الإلكتروني، خلال مئوية مدارس الأحد عام 2018، وتميز هذا التطبيق بمناسبته لكل أنواع الهواتف المحمولة البرنامج مساعد للخادم في تحضير الدروس التربية الكنسية وأيضًا النوتة الروحية للخادم.

التطبيق الذي يعد هدية من خدمة مدارس الأحد بالإسكندرية لخدام مدارس الأحد بجميع كنائس الكرازة المرقسية، قد أثبت مدى صحة رؤية البابا بإدخال التكنولوجيا في الخدمة الكنسية، وهو ما لقي صداه خلال أزمة كورونا الجارية؛ حيث تحولت الخدمات عبر التطبيقات الإلكترونية والعمل بذلك التطبيق في الافتقاد ببعض الكنائس التي كانت قد تدربت عليه مسبقًا في الإسكندرية.

كل هذا لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج شغف البابا بخدمة مدارس الأحد؛ حيث اعتاد الظهور عبر القنوات لإلقاء القصص الروحية على الأطفال بذات طريقة أي خادم بسيط يخدم الأطفال وينزل بمستوى الشرح إلى عقولهم البسيطة، لمَ لا وهو البطريرك الذي يؤكد دائمًا أن مدارس الأحد تعد همزة الوصل بين الأسرة والمجتمع، وهي التي تُحدث التوازن في التنشئة بين الكنيسة والمجتمع منذ الطفولة إلى الشباب.

 

 

البابا خادم الوطن

 

ليس خفيًا على أحد الدور الوطني الذي يقوم به البابا تواضروس منذ خلافته لرجل وطني آخر وهو البابا شنودة الثالث، فلم يكن من السهل عليه وهو البطريرك الجديد الذي لم يكمل عامه الأول في ذلك المنصب، أن ينضم إلى وزير الدفاع حينها وجميع أطياف الشعب المصري للوقوف أمام زحف جماعة الإخوان للسيطرة على مقاليد الحكم وتدمير الهوية الوطنية.

شجاعة كبرى دفع ثمنها غاليًا جدًا بحرق 90 كنيسة ومنشأة دينية، وفقًا لما رصدته النيابة العامة في تحقيقاتها بعد فض اعتصام رابعة، إلا أن كل هذا لم يخفض من عزيمة البابا في التصدى للجماعة الإرهابية برفقة الدولة المصرية، فخرج حينها قائلاً: “لو الكنائس أحرقت سنصلي مع المسلمين في المساجد، وإذا أحرقت المساجد سنصلي مسيحيين ومسلمين في الشوارع”، لتكون تلك الكلمات خير تأكيد على وطنية البابا، ودوره في خدمة مصر.

 

 

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل واصل البابا دوره الخدمي الوطني عبر مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في جميع المناسبات الوطنية، والعمل على ترسيخ أسس المواطنة بتوطيد علاقته مع شيخ الأزهر، والعمل على تقديم عظات تحث أبناء الكنيسة على التوحد جميعًا من أجل مصر.

ذلك العمل الوطني، كلله هذا العام باتخاذ قرار هو الأول من نوعه في تاريخ الكنيسة القبطية؛ حيث قرر إغلاق الكنائس؛ للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

القرار الذي قد يراه البعض أمرًا طبيعيًا، لا يعد كذلك، فالبابا باتخاذه هذا القرار قد أزاح الحرج من الدولة المصرية من اتخاذ قرار غلق الكنائس الذي يعد قرارًا صادمًا وصعبًا لدى المؤمنين المسيحيين، إلا أنه قد نجح في فعل ذلك بحكمة دون خلق أي صدام بين أي طرف من الأطراف، وذلك حفاظاً على المجتمع المصري بشكل عام من خطر الوباء وإخماد نيران الفتنة التي يسعى أعداء الوطن لإشعالها.

كل هذا يوضح أن عيد ميلاد البابا تواضروس الـ68، لم يكن عاديًا، بل هو عيد ميلاد استثنائي لشخصية خدومة، سيذكرها التاريخ القبطي كنموذج للخدمة والمحبة، وسوف يسطرها التاريخ المصري كنموذج على خدمة الوطن دون أي مقابل، فقط حبًا في أرض الكنانة التي ذُكرت في الكتاب المقدس وباركها السيد المسيح في كلماته.