من أجل حياة طويلة ومزهرة ذكرت لكم في المقال السابق عيشها ياباني 1 بعض الأسس التي يحيا بها الشعب الياباني

اليوم الجديد - اخبار مصر - اخبار اليوم - اخبار السعودية - اهم اخبار اليوم

الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 13:14
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
عيشها ياباني (2)

عيشها ياباني (2)

من أجل حياة طويلة ومزهرة  ذكرت لكم  في المقال السابق ( عيشها ياباني 1 ) بعض الأسس التي يحيا بها الشعب الياباني وهو أكثر الشعوب تعميرا  وفي هذا المقال سوف استكمل نقاط اخرى :

1-      استمتع بالفصول

علي الرغم  ايماني بأن التعود يزيل الانبهار ، لكن دوما اجد الشعب الياباني يستمتع بتغيير الفصول كما لو كان يراها الجميع لأول مرة.  ينتظر اليابانين تغير الفصول ليتغيروا معها  ، لا يبغض احد فصل عن فصل ، بل يروا الفصول جميعها جميلة ، ويستمتعوا بكل الاجواء ، يتغيرون مع تغير الفصول سواء في مظهرهم أو احتفالاتهم .  في الربيع يستمتعوا بالتنزه في الحدائق  بالأجواء المعتدلة ، رايت صديقتي ببداية حلول الربيع ترتدي ملابس  خفيفة ، على الرغم أن الأجواء مازالت يخيم عليها برودة الشتاء السابق  ،  فسألتها الا تشعرين بالبرد ؟ اجابتني بابتسامة  نعم قليلا ولكني اريد ان استمتع بالربيع  ، اشتقت له  كثيرا !. وبالخريف  ارى الجميع يحمل كاميرا لالتقاط  صور اوراق الخريف الملونة والمتساقطة أرضا  والعرائس الجديدة  تلتقط صور الزفاف  في الأجواء الملونة  ،  أما بموسم الثلوج  يتجمع الصغار والكبار من أجل رسم رجل الجليد ،  وبالصيف يستمتع الجميع بالرحلات والمشروبات المثلجة ، شيء  بداخل نفوسهم يجعلهم دائما مستمعين متناغمين ، علي الرغم اني اعلم ان قرأ كلامي هذا  بعضكم ربما يسخر مني قائلا :  وهل يستطيع أحد مقاومة جمال  تغير الفصول باليابان؟!. لكن تذكر كما قلت بالسابق ،  ان اعتادت العين شيئا جميلا  مع الوقت فقدت  انبهارها به ، فقدت الشغف به ، على سبيل المثال ، ربما ينبهر الطفل أن رأي هذا الجمال لكن ماذا عن رجل تعدى  الثمانين او التسعين عام ،فهو معتاد على هذه الأجواء ، ما الجديد ؟ ومع هذا يراها بكل امتنان وشكر على نعمة رؤيتها ، يراها بعيون مضيئة متفائلة .  انا أتحدث عن المبدأ بذاته .  في عامي الأول من قدومي إلى اليابان كنت اكره البرد والثلج  ، كما كنت  طوال عمري سواء بمصر أو اليابان انا اكره البرد والشتاء ويصيبني الحزن بداخل هذه الفصول كما لو كنت بداخل إحدى ملاحم الحياة  ، واتعجب لماذا يربط الجميع بين الشتاء واغاني فيروز والقهوة ،  على الرغم ان فيروز نفسها فى احدى الاغنيات  احبت حبيبها بالصيف !، وبإمكاني أيضا أن أشرب قهوتي بالربيع  لن ينتقص من قدرها شيئا . لكن ماان تغيرت رؤيتي  ، بدأت ابحث عن الجمال حولي بداخل الفصول جميعها  ، حتى  مع  برد الشتاء وقسوته  ربما  يجعلني أشتاق الى اشعة الشمس الدافئة،  ويجعلني أرى الأشجار بصورة أكثر صمودا بدون اوراقها، ولكن يرتكز على سيقانها الغربان السوداء  في ظل بياض الثلج  ،  الشتاء ايضا يجعلني أنام  كثيرا  ويزيل عني الارق ، أصبحت ابتهج ان تساقطت  قطرات المطر فجأة ! ، لم أعد أخاف البرد بل اصبحت ابحث  عن الجمال بداخله ، ممتنة لرؤيتي لتعاقب  الفصول وسوف اكررها اخيرا ، التعود يزيل الانبهار ، لكن بالامتنان والحب  تعتاد عينيك على رؤية الجمال كما لو كان لأول مرة .

2-      عطاء لا ينتهي

أتسائل دوما كيف  يعمل اليابانيون يوميا   مايقرب من عشر ساعات او اكثر بكامل التركيز ومع هذا فهم يعيشون طويلا .  كنت أظن أن العمل الكثير  يجعل الانسان يفقد قوته البدنية أو يهلك عقله ، لكن على النقيض تماما  العمل الكثير يقوي البدن  ، واستقبال المعلومات المختلفة بشكل مستمر يحفز العقل ويطيل عمره  . 

من الممكن ان يتشابه الجميع في  عدد سنوات العمل ما قبل سن التقاعد ، لكن ماذا عن العمل بعد التقاعد ؟.  اعرف موظفين  ببلادنا حينما انتهى عملهم من شركاتهم ، فقدت حياتهم المعني وكأنهم فقدوا سبب وجودهم !. وأصبحوا لا يريدون فعل أي شيء وأي نشاط سوى الجلوس والجلوس .

باليابان العمل لا ينقطع طالما النفس مازال مستمر بعد سن المعاش  . حتي وان اختلفت مفاهيم العمل ، البعض يعمل ويكتسب المال والبعض يتطوع بأعمال خيرية ، الفكرة ليست في العمل حد ذاته ، الفكرة في العطاء . أن تعطي طالما امكنك، أن تعطي طالما تستطيع لنفسك وللاخرين  . عضلات الجسد تقوي بالعمل والحركة و خلايا العقل العصبية تقوي باستقبال معلومات وخروجها على شكل استجابات.  ولهذا فالعطاء لا يعود بالنفع على متلقي الخدمة فقط بل يعود أكثر على المعطي . أثناء مروري  بطريقي الى الجامعة اري  رجال ونساء كبار العمر  يعتنوا ببعض الزهور أمام المنزل ، والبعض يقوم بازالة القمامة من الشوارع ، والبعض يزيح الثلج جانبا كي يساعد المارة بالمرور في الشتاء والبعض مازال يعمل بوظائفه وفي احدى الكتب قرأت  حينما  سألوا واحد من المعمرين  وصل عمره 114 ماهو السبب لطول عمرك ونشاطك ؟ قال أن تجعل عقلك وجسدك دوما مشغولين  سوف تحيا طويلا . و هذا الرجل تقاعد في عمر 83 عاما . وكان دوما يساعد الآخرين  ولم يكن يخاف الموت ، قائلا  نحن ولدنا لنموت ، فلماذا نخاف !.

3-      لا تستخدم المصعد

علي الرغم طوال مدة العمل باليابان ، ربما يظن البعض  عدم توافر  أي وقت للرياضة . لكن الحقيقة أن الرياضة أسلوب حياة ، يمارسها اليابانين بالمنزل ، بالشوارع  بالمشي صباحا أو أثناء ركوب الدراجات ، اغلبهم يذهبون إلى العمل باستخدام دراجته ، والبعض لديهم دراجات سباق . يفضلون صعود السلالم عن استخدام المصاعد . ارى  الكثير منهم في أيام الأجازات يمارسون الجري صباحا مهما كان الطقس دافئا  او باردا وممطرا  لا فارق . كنت اتعجب ، اكثر فئة تمارس رياضة الجري أو المشي  هي كبار السن ، أراهم بدهشة من ليونة أجسادهم التي تتحمل  حركات الجري . في الحقيقة ان قلة النشاط الحركي تضعف الجهاز المناعي وتزيد نسبة شيخوخة الخلايا  تدريجيا مما يزيد من شيخوخة الفرد حتى وإن كان عمره الفعلي اقل . المشي حتى وان كان لمدة عشرين دقيقة يوميا ينعش البدن والتنفس  بشكل جيد يزيد مرونة عضلات الجهاز التنفسي .  انا اعلم ان الاجواء بالمدينة في بلادنا  أثناء مواعيد العمل ، تمتلأ بعوادم السيارات ، لكن ماذا عن  الساعة الخامسة صباحا ، اتذكر  كان لدي موعد اختبار بالقاهرة باكرا  ولابد عليا ان التحق بالقطار من محطة الإسكندرية في الخامسة ونصف  فخرجت من منزلي فجرا ، كنت اتمشى في أجواء مختلفة تماما كما لو كنت لم ارها من قبل ، كنت اتسائل في تعجب  هل هذه هي الإسكندرية ؟!،  هدوء ، هواء نقي ، أشد نقاءا من هواء الريف ، فقط الجو يمتلي برائحة النفوس الطيبة ، لا عوادم لا شيء ، ماذا لو فكرت ان تتمشي في هذا الجو  عشرين دقيقة صباحا ؟!. في اعتقادي  ستكون أجمل لحظات يومك . الاستيقاظ باكرا والرياضة وجهان لعملة واحدة وهي الشباب  الدائم .

4-      الهاتف مجرد هاتف  لا أكثر

 علي الرغم أن اليابان من أكثر الدول تقدما في التكنولوجيا  لكن لا يستخدمونها بصورة مبالغ فيها .  لا يتفاخر أغلب اليابانين بالهواتف  كما يفعل بعضنا . الهاتف أثناء العمل لا استخدام لها نهائيا. فقط يستخدمونه أثناء الاستراحة لإجراء بعض المكالمات أو  من خلال تطبيقات   تشبه تطبيق الواتس اب ولكن باليابان الأكثر تداولا هو تطبيق لاين ( Line )  

وماذا عن الفيس بوك ؟

   أغلب الأشخاص العملية باليابان لا يستخدمه !.  ومن هنا تم تحديد استخدام الهاتف وهو لإجراء المكالمات والتواصل مع الأصدقاء فقط .  لكن نحن نتعامل مع الهاتف على انه أساسيات الحياة التي لا غني عنها وهذا مفهوم خاطئ لدي اليابانيين  هو مجرد هاتف . لمحبي التقاط الصور على الأغلب يصطحبون كاميرا لالتقاط الصور. وان فعلنا هذا  ربما نعطي كل شيء قدره ونسعى إلى التوازن بالحياة والحياة الطويلة  هي حياة متوازنة في الأساس .  انا لا انظر الى الشعب الياباني على أنه شعب كامل ، لكني أنظر بعيون مضيئة  واسلط الضوء على  ما يفيدنا ، ما يجعلنا نحيا حياة أكثر جودة وأزهارا وتعميرها .