منذ فترة كان ابني مريضا ومع كل لحظة مرت بي أثناء مرضه شعرت بفقدان جزءا من روحي وطاقتي حتى النفاذ ولاني

اليوم الجديد - اخبار مصر - اخبار اليوم - اخبار السعودية - اهم اخبار اليوم

الأربعاء 2 ديسمبر 2020 - 21:13
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
شاي بحليب

شاي بحليب

منذ فترة كان ابني مريضا، ومع كل لحظة  مرت  بي أثناء  مرضه شعرت بفقدان جزءا من روحي وطاقتي  حتى  النفاذ، ولأني عنيدة  قاومت لفترة وحاولت قدر المستطاع ان  أرى الجمال مجددا بعد شفاء ابني كمحاولة لاستعادة طاقتي سريعا. 

حاولت أن أجمل وجهي بابتسامة مزيفة وروج أحمر لكن دموعي تنزرف فتزيل  ابتسامتي وتتساقط على شفتاي فاضطر لإزالة بقايا الروج المتهالك. 

كم تمنيت لو بإمكاني وضع هذه الابتسامة  في منتصف قلبي واطمئن بأنه مازال يحتفظ  بلونه الأحمر مثل ذلك الروج، لكن بكل أسف أنا أعلم جيدا بأن  قلبي حاليا  باهت  لونه ، كلون دمائني الشاحبة ، وأنه  يبكي مثلي تماما .لم أعد قادرة على تذوق الأشياء الجميلة كما كنت أتذوقها من قبل ،ففي طريقي بالصباح مررت على الزهور الجميلة ولم تجذبن إليها كما كانت تفعل من قبل  لم أتوقف إليها بدراجتي كي التقط لها صورًا  ومازلت أسير. 

لا توجد بداخلي طاقة حتى كي أرفض  الجمال ، باختصار لأن طاقتي قد نفذت  وكأنها تسربت  مثل الماء الذي يتسرب  دون أي مقاومة من وعاء مثقوب فلم أعد قادرة علي المقاومة، فالآن عليّ أن أعترف بنفاذ طاقتي   .   ألن ياتي اليوم الذي يشعر فيها أبناءنا  بأن  مرضهم ليس مرضهم وحدهم .  في الحقيقة هو ليس مرضهم علي الإطلاق بل هو  مرض الأمهات والآباء ، أكتب هذه الكلمات الآن وأنا أبكي ، ولا أعلم سبب البكاء الواقعي. فقط بكاء من أجل  البكاء ، لا أريد أن أقاوم البكاء ، وأن أمر دموعي بالانتهاء ، أشعر أنه ليس من حقي أن أجبرها  على شيء ، فلتنطلق هي الأخرى كما تشاء،  ربما بالبكاء أغسل عيوني وأزيح الضباب من عليها ،  فأزيح  الهموم ولو قليلا وأتمكن من تذوق الجمال مجددا

بحثت في هاتفي عن شيئا اقرأه، وتذكرت صفحتي علي الفيس بوك التي  عليها أكتب يومياتي، استوقفني منشور قديم كنت  اتحدث به عن ذاتي القديمة وكانت كلماتي كالآتي :  في الماضي البعيد كنت أحب كوب الحليب الدافئ بدون سكر ثم نضجت قليلاً لأضع عليه قليل من الشاي ،ثم أصبح الشاي متساوٍ مع كمية الحليب! ، ثم أصبحت أهوى النسكافيه، ثم تغيرت لأحب القهوة مع قليل من الحليب حتى أکسر مزاقها المر ، ثم أصبحت أشتاق لمرارتها بدون حليب لكني مازالت أقاوم شعوري بالنضج الكافي .

نعم أعلم أني لم أعد اتذوق مرارتها بل أصبحت اشتاق لتلك المرارة لكني مازالت أصر على إضافة الحليب حتى لو أقل قليل مازلت أقاوم شعور النضج حتى في أبسط العادات أنا طفلة ومازلت وسأكون.   بعد ما أنتهيت من قراءة كلماتي السابقة ، ضايف وجهي ابتسامة  لمدة ثواني، في الحقيقة لم يكن سبب زيارة الابتسامة السريعة  لوجهي هي وصفي  لتغير التدريجي   حتي في رغباتنا تجاه أبسط الأشياء.

لم أكن في كامل تركيزي في وقتها، كل ماهنالك أني تذكرت الشاي بحليب ، نعم فقط تذكرته !.   قمت سريعا لعمل كوب الشاي بحليب  ، لم أكن قد تذوقته  منذ فترة كبيرة ،  وضعت قليل من الماء للغليان ،  وأثناء وضعي  لحبيبات الشاي  بالملعقة وارتطامها بجدران الكوب شممت رائحة الشاي المميزة، فتذكرت مصر وتبعتها والدتي على الفور.

شيئا ما بداخل هذه الرائحة جعلني أتذكر رائحة والدتي فابتسمت أكثر . الشاي هو الشيء الوحيد الذي أحضرته من مصر و مازال بمنزلي باليابان لمدة عامين ، في الحقيقة السبب الأول هو  لأني لم أكن أشرب الشاي الأسود  كنت أفضل القهوة والشاي الأخضر الياباني والسبب الآخر أن  مدة صلاحيته طويلة .وضعت بعض الماء المغلي على  حبيبات الشاي  وتأملت  كيف أن الماء  استطاع امتصاص سواد الشاي  بداخل حبيباته  كالسارق الذي اقتحم منزل بابه مفتوح  وقام بسرقة كل الأمتعة دون مقاومة. ثم  تبعها  تأملي  للحظات السقوط  الحر لقطرات الحليب بداخل هذه السائل الأسود ، وكيف ينتشر اللون الأبيض اللزج بين جزيئات الماء وهنا بدأت المقاومة الحقيقة والصراع  الداخلي  ترى من منهم سوف ينتصر؟ ، هل سوف يقاوم جيش الشاي الأسود هذه الحرب  ، أم يستسلم لغزو جيوش الحليب اللزجة ويرفع راية الحليب البيضاء.

في الحقيقة كان الأمر بيدي وحدي ، قررت ان انهي المعركة في سلام ، قررت أن أنهيها بالتعادل لكلا الطرفين  . أوقفت تدفق الحليب  حين وصلت لمرحلة التوازن  بينهم وأصبح اللون مناسب ، كاللون المعتاد وشكرت كلا الطريفين ، كم أسعدني هذا العرض الرائع . فقط كل ما احتاج إليه الآن  هو الوصول إلى  تلك المرحلة التي وصل إليها كل من الشاي والحليب، مرحلة السلام والتعادل ، أصل لمرحلة الطاقة  المتزنة  لا مفقودة ولا مرتفعة  ، هذا كل ما احتاج إليه فقط  مرحلة توازن  الشاي بحليب