يوم التاسع من يونيو عام 1967 فى أعقاب الهزيمة خرج الملايين من شعب مصر يطالبون زعيمهم جمال عبدالناصر بالتراج

اليوم الجديد - اخبار مصر - اخبار اليوم - اخبار السعودية - اهم اخبار اليوم

الأربعاء 28 أكتوبر 2020 - 13:33
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

لن تُهزم ما دمت تقاوم.. 6 سنوات من التضحية قبل انتصار أكتوبر العظيم

يوم التاسع من يونيو عام 1967، فى أعقاب الهزيمة، خرج الملايين من شعب مصر، يطالبون زعيمهم جمال عبدالناصر بالتراجع عن قرار التنحى، رافضين الهزيمة، مطالبين بضرورة المقاومة، ورافعين شعار «لن تُهزم ما دمت تقاوم».

من هذا الشعور الملح برفض الهزيمة، بدأت حرب من أشرف وأنبل الحروب التى خاضها الجيش المصرى العظيم، حرب الاستنزاف، على مدار ثلاث سنوات ما بين يوليو 1967 وأغسطس 1970، استعادت مصر خلالها التوازن مع إسرائيل، الأمر الذى مهَّد الطريق لإصدار الزعيم جمال عبدالناصر قراراً بضرورة بدء القتال لتحرير سيناء كاملة طبقاً للخطة 200، خطة التحرير الشاملة، وحدد الزعيم جمال عبدالناصر ميعاد حرب التحرير على ألا يتأخر عن ربيع عام 1971، لكن يشاء القدر أن يلقى الزعيم جمال عبدالناصر ربه قبل حرب التحرير.

حرب الاستنزاف، التى أطلق عليها العدو الإسرائيلى «حرب الألف يوم»، وصرخ بسببها وزير الدفاع الإسرائيلى موشيه ديان «إذا لم توقف مصر حرب الاستنزاف ضدنا، فسوف ننقل الحرب إلى كل مرافق مصر ومدنها، لن نسمح لمصر أن تعيد بناء قواتها المسلحة». بل إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية، تقدمت بمشروع رسمى فى الأمم المتحدة تعرض فيه على مصر «انسحاب إسرائيل بالكامل من الأراضى المصرية مقابل إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل».

والحقيقة أنَّ مصر كانت تريد أطول وقت فى المفاوضات، لقد قالها صراحة الزعيم جمال عبدالناصرفى اجتماع لمجلس الوزراء المصرى منتصف عام 1968، إنَّ مصر فى حاجة إلى الوقت لإعداد القوات المسلحة؛ لإيمان القيادة السياسية المصرية أنَّ إسرائيل احتلت الأرض بقوة السلاح، ولن تخرج منها إلا بقوة السلاح. 

 
 

ملف:President Nasser's visit to the Suez front with Egypt's top military  commanders during the War of Attrition.jpg - ويكيبيديا

 

وكان الضاغط الأكبر على أمريكا وإسرائيل للدعوة إلى التفاوض، هو حرب الاستنزاف المصرية، التى كبدت العدو خسائر جساماً شرق قناة السويس، وسجلت تقارير الموساد «أنه فى خلال ستة أشهر من حرب يونيو، وجدت إسرائيل أمامها على الضفة الغربية لقناة السويس جيشاً مصرياً جديداً، يعادل حجم الجيش الذى واجهته إسرائيل فى خمسة يونيو 67».

فى هذا الملف المطول، يلقى «اليوم الجديد» الضوء على بعض النقاط المضيئة فى هذه الملحمة العظيمة، الاستنزاف؛ لأن نصر أكتوبر لم يكن مفاجئاً، ولا وليد اللحظة، فقبل هذا الانتصار العظيم، كانت هناك ملحمة باسلة استمرت سنوات، دفع فيها الجيش والشعب الثمن على حد سواء، الثمن كان من دمائهم، بهذه الدماء الزكية، سُطرت أولى الكلمات فى طريق النصر، وبهذه الملحمة خطت مصر أولى خطوات تحرير الأرض.

مراحل حرب الاستنزاف

تنقسم حرب الاستنزاف إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى، والتى بدأت بعد أيام قليلة من هزيمة 1967، أطلق عليها مرحلة الصمود، واستمرت حتى أغسطس 1968. المرحلة الثانية، هى مرحلة الدفاع النشط والمواجهة مع العدو، وبدأت هذه المرحلة من أغسطس 1968، حتى مارس 1969. المرحلة الثالثة، هى مرحلة الاستنزاف التى بدأت من مارس 1969، حتى أغسطس 1970، والقبول بمبادرة روجرز.

إن القيادة المصرية، عندما اتخذت قراراً بمواصلة المقاومة وعدم الاستسلام، كانت على يقين أن مصر، جيشاً وشعباً وقيادة، ستدفع ثمن هذه المقاومة، وهو ما حدث بالفعل، لكن مصر إما أن تقبل بشروط العدو وتجلس على طاولة مفاوضات تسمع وتقبل ما يمليه عليها، وإما أن تسترد الأرض المسلوبة بقوة السلاح، واختار نظام جمال عبدالناصر الطريق الأصعب، لكنه الأكثر شرفاً، وهو المقاومة والاستمرار فى الحرب، وإعادة بناء الجيش القادر على تحرير الأرض.

 

استطاعت مصر خلال ثلاث سنوات أن تقوم بإعادة جيش أقوى مما الذى كان عليه فى 1967، واستطاعت أن تستنزف قوات العدو، فى حرب قالت عنها جولدا مائير، رئيس وزراء إسرائيل «إنَّ حرب الاستنزاف كانت حرباً حقيقية، تتطلب من الجيش الإسرائيلى المحافظة على خطوط وقف إطلاق النار، وإيقاف تحرك قواعد الصواريخ المصرية، ولكن قدرتنا كانت محدودة على تحمل هذا كله، وكان لا بد من مساعدة الولايات المتحدة لإسرائيل بالسلاح والطائرات».

إسرائيل قامت خلال هذه الحرب، بعمل مئات الغارات فى العمق المصرى، وقتلت مئات العسكريين، وطالت يدها المدنيين أيضاً فى نجع حمادى، ومعامل السويس، وأبوزعبل، وبحر البقر، لكن الشعب المصرى لم يجبر قيادته السياسية على إيقاف الحرب كما أرادت إسرائيل، بل ظل - أى الشعب- يعلنها مدوية «هنحارب.. هنحارب».

رأس العش «أولى معارك الاستنزاف»

كانت معركة رأس العش، هى أولى معارك حرب الاستنزاف، والتى دارت أحداثها فى الأول من يوليو 1967 أى بعد ثلاثة أسابيع تقريباً من الهزيمة، حينما حاول الجيش الإسرائيلى الاستيلاء على «رأس العش»، جنوب مدينة بورفؤاد، شرق قناة السويس، وهى الجزء الوحيد المتبقى من أرض سيناء تحت سيطرة القوات المصرية، ولم يحتله جيش الاحتلال. تكرر الهجوم الإسرائيلى ثلاث مرت، لكن فشلت القوات الإسرائيلية تماماً فى احتلال النقطة المكونة من عدد محدود من قوات الصاعقة والمشاة وبعض قطع المدفعية المضادة للطائرات، وتكبدت إسرائيل خسائر بشرية وخسائر فى المعدات العسكرية.

أول معركة جوية مصرية إسرائيلية بعد وقف إطلاق النار

فى يوم 14 يوليو 1967، أصيبت طائرة استطلاع إسرائيلية، كانت ضمن طائرات استطلاع فى مهمة يومية لاستكشاف التحصينات المصرية الجديدة غرب القناة، فوجئ خلالها الطيران الإسرائيلى بعشر طائرات مصرية من طراز «ميج 17» تتصدى له، وانسحبت الطائرات الإسرائيلية بعدما كانت تحلق عشر طائرات ميج أخرى للانضمام إلى المعركة.  انتصار قوة الصاعقة المصرية على القوات الإسرائيلية فى رأس العش، والمعركة 14 يوليو الجوية، أديا إلى بث الأمل فى نفوس الشعب والجيش والقيادة السياسية على حد سواء، رفعت الأخيرة بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر الشعار الخالد «ما أخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة»، وتصاعدت العمليات العسكرية المصرية ضد العدو الإسرائيلى خلال الأشهر التالية، وبدأت مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، والبدء فى تنفيذ العمليات ضد العدو، استمرت ثلاث سنوات كاملة، تكبدت فيها قوات الاحتلال خسائر بشرية ومادية فادحة، وأثبت المقاتل المصرى خلالها، أنَّ الشرف لا ينتهى أبداً بالهزيمة العسكرية، لكن شرف المقاتل فى رفضه الاستسلام واستمراره فى المقاومة.

تدمير المدمرة «إيلات»

فى أعقاب الهزيمة، كان الإسرائيليون يقومون باستفزاز المصريين بصورة مستمرة، فى محاولة لفرض أمر واقع جديد، ألا وهو أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يحتل سيناء، وأنتم لا تستطيعون فعل شىء، تجلت هذه الغطرسة الإسرائيلية بعد تكرار اقتراب المدمرة الإسرائيلية إيلات من محيط المياه الإقليمية المصرية شمال مدينة بورسعيد. اتخذ الزعيم جمال عبدالناصر، قراراً بضرب المدمرة إيلات، دون التعرض بعد استهدافها لأى من وحدات الإنقاذ، كما أمر الزعيم جمال عبدالناصر بتعزيز وحدات المطافئ بمنطقة السويس، تحسباً للرد الإسرائيلى، بضرب معامل تكرير البترول فى السويس بالمدفعية طويلة المدى. وبالفعل يوم «21» يوليو، انطلق اثنان من زوارق البحرية المصرية، وقاما بإطلاق صاروخين من طراز كومر، على المدمرة إيلات، أكبر قطع الأسطول البحرى الإسرائيلى، أدى لإغراقها على الفور، ومعها 250 من طاقمها.

 

مصر تودع جنرالها الذهبى

بدأت مصر فى مارس 1969، مرحلة جديدة فى حرب الاستنزاف ضد العدو، وفى يوم 8 مارس قامت قوات المدفعية المصرية غرب قناة السويس ولمدة خمس ساعات متواصلة، بقصف التحصينات الإسرائيلية شرق القناة، هذا القصف قالت عنه وكالات الأنباء العالمية، إنَّه يعكس قفزة فى القدرات العسكرية للقوات المسلحة المصرية.. لكن الرد الإسرائيلى جاء سريعاً، ففى اليوم التالى 9 مارس 1969، قامت القوات الإسرائيلية بقصف مواقع الخط الأمامى المصرى، أصيب اثنان من أفراد القوات المسلحة، واستشهد فى هذا القصف الفريق أول عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، وأحد أبرز القادة العسكريين فى تاريخ العسكرية المصرية، هذا الخبر كان بمثابة صدمة كبيرة للقيادة السياسية والعسكرية والشعب المصرى، وحافزاً أيضاً بضرورة مواصلة القتال، وخرج مئات الآلاف فى جنازة عسكرية وشعبية يودعون قائدهم وشهيدهم العظيم.

مسرحية غزو مصر «الزعفرانة»

بعد الضربات الموجعة التى تعرضت لها إسرائيل على مدار عامين أعقاب حرب 67، أرادت إسرائيل استعراض قوتها أمام العالم، رغم أنها لا تتوانى عن طلب أمريكا بضرورة الضغط على الجانب المصرى؛ لإيقاف حرب الاستنزاف، لكن مع إصرار الجيش المصرى على المضى قدماً فى هذه المعركة، أرادت إسرائيل أن تستعرض بعض القوة الزائفة. ففى فجر التاسع من سبتمبر عام 1969، قرب نقطة حدود الزعفرانة، جنوب السويس، قامت ناقلات «بيت شيفع» و«بيت يام» بإنزال مجموعة كوماندوز سرية مختلطة، بتسع دبابات برمائية على شاطئ خليج السويس، واستشهد أفراد النقطة الحدودية، وعددهم خمسة أفراد، وقامت المجموعة الإسرائيلية فى منطقة لا توجد بها قوات مصرية بتصوير فيلم سموه «عملية غزو مصر»، وذلك لمدة 8 ساعات، وقامت إسرائيل بإذاعة هذا الفيلم، أدت هذه الحادثة إلى إصابة الرئيس جمال عبدالناصر بأزمة قلبية، بعد أن قام بإحالة اللواء أحمد إسماعيل، رئيس هيئة أركان الحرب وقتها إلى المعاش؛ حيث قام الرئيس جمال عبدالناصر بتوجيه الأوامر لرئيس هيئة الأركان والمستشار السوفيتى بضرورة التوجه إلى منطقة الزعفرانة؛ للوقوف على أبعاد الموقف، وهو ما امتثل له المستشار السوفيتى، فيما فضل اللواء أحمد إسماعيل البقاء فى القاهرة، الأمر الذى أغضب الزعيم جمال عبدالناصر.

عمليات غير معلنة.. الجانب السرى فى حرب الاستنزاف

بعد حادث الزعفرانة، أرادت القيادة السياسية رد الاعتبار، وكان يجب أن يكون الرد سريعاً، لكن عن طريق عمليات نوعية سرية غير معلنة، فكان القرار تفجير ميناء إيلات، وتدمير سفن بيت شيفع، وناقلة جنود بيت يام، التى تستخدمهما إسرائيل للإغارة على مصر.

تفجير ميناء إيلات

العملية الأولى كانت فى نوفمبر 1969، استطاع أبطال الضفادع البشرية المصرية، تلغيم سفينتى «دهاليا، وهيدروما»، وتفجيرهما، واستشهد فى هذه العملية الرقيب فوزى البرقوقى، وكان لهذه العملية صدى واسع، ورفعت الروح المعنوية للجنود. العملية الثانية كانت فى فبراير 1970؛ حيث استطاع أبطال الضفادع البشرية تلغيم ناقلتى بيت شيفع وبيت يام، من أهم الناقلات فى الأسطول البحرى الإسرائيلى، وانفجرت بعد ساعتين من وضع الألغام، هذه الحادثة تسببت فى تغيير قائد السلاح البحرى الإسرائيلى، بل وحصل تغيير فى الاستراتيجية لدى العدو؛ حيث كانت القطع البحرية تغادر الميناء كل ليلة وتعود فى الصباح؛ كى لا تصلها يد الفدائيين المصريين.

العملية الثالثة كانت خلال شهر مايو 1970، بعد أن وصلت معلومات من المخابرات الحربية، أنَّ إسرائيل قامت بإصلاح الناقلة «بيت شيفع». أعدت المخابرات العامة بالتعاون مع القوات البحرية خطة مختلفة، تقوم على تلغيم رصيف ميناء إيلات نفسه، وضبط ميعاد التفجير فى الوقت الذى ترسو عليه الناقلة بيت شيفع، واستطاع فدائيو البحرية المصرية وضع لغمين يصل وزنهما إلى 150 كيلو، أسفل قاع رصيف إيلات، وكان الوقت المحدد للتفجير الساعة 12 ظهراً، وهو التوقيت الذى ترسو فيه بيت شيفع على رصيف إيلات، لكن اللغم الأول انفجر فى السابعة والنصف صباحاً، والثانى انفجر فى التاسعة والنصف صباحا، قبل وصول بيت شيفع، ورغم أن الهدف المرجو وهو تفجير ناقلة بيت شيفع لم يتحقق، فإنَّ التفجيرات أدت إلى مقتل العشرات من قوات البحرية الإسرائيلية، ورفعت الروح المعنوية لدى القوات المسلحة المصرية.  

 
 
 
 

الحفار «كينيتنج»

فى الثامن من مارس 1970، قامت المخابرات المصرية بالتعاون مع القوات البحرية، فى عملية لم تعلن مصر عنها، بتفجير الحفار الإسرائيلى «كينيتنج»، كانت اشترته إسرائيل من شركة كندية أمريكية بريطانية، يجره جرار هولندى، كان فى ميناء أبيدجان بساحل العاج، فى طريقه إلى البحر الأحمر، كى تستخدمه إسرائيل لزيادة استخراج البترول المصرى فى الساحل الشرقى لخليج السويس، والذى استولت عليه إسرائيل بعد حرب يونيو 67.

ورغم أن مصر لم تعلن المسئولية وقتها عن تفجير الحفار الإسرائيلى، ورغم أن إسرائيل أيضاً لم توجه الاتهام لمصر، فإنَّ الصحف البريطانية ذكرت أن قوات الكوماندوز المصرية هى التى قامت بتفجير «كينيتنج»، بل وصفت ما حدث أنه ضربة قاصمة لمشروعات إسرائيل البترولية فى خليج السويس. أوقفوا حرب الاستنزاف بأى ثمن وأسقطوا جمال عبدالناصر المعارك الضارية والضربات الموجعة التى ألحقتها القوات المسلحة المصرية، بجيش العدو، جعلت هنرى كسينجر، مستشار الرئيس الأمريكى نيكسون، للأمن القومى، يحث إسرائيل بشكل منتظم، غير رسمى، بالإسراع بشن هجوم واسع النطاق لتدمير الجيش المصرى بالكامل، لإجبار نظام جمال عبدالناصر على وقف حرب الاستنزاف، هذه الحرب التى جعلت إسرائيل فى حالة سُعار، ففى أواخر عام 1969.

 وبحسب تقرير للخبراء العسكريين، كانت إسرائيل تستهدف مواقع مصرية عسكرية ومدنية، يكلفها ذلك يومياً مليون جنيه إسترلينى، قالت عنها رئيسة وزراء إسرائيل فى هذا الوقت جولدا مائير، إنَّ ما يتم إلقاؤه على عتبات المصريين بلا جدوى؛ حيث زادت هذه العمليات القوات المسلحة وخلفها الشعب المصرى العظيم، إصراراً عجيباً على مواصلة القتال. فى أكتوبر عام 1969 اقترح إسحاق رابين، رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك، تكثيف الغارات الجوية الإسرائيلية لتخترق عمق مصر، وتضرب الأهداف العسكرية فى قلب مصر؛ لأن هذه هى الطريقة الوحيدة لإجبار جمال عبدالناصر على وقف الحرب، التى كبدت إسرائيل خسائر جساماً.

لقد أمدت أمريكا إسرائيل بطائرات فانتوم وسكاى هوك جديدة، وقامت إسرائيل فى 25 ديسمبر 1969، بشن سلسلة من الغارات الجوية على مصر، استمرت أكثر من 8 ساعات، استخدمت فيها 264 طائرة، فى حين أن الطائرات التى استخدمتها إسرائيل فى حرب يونيو 1967 لم تتجاوز 220 طائرة.

لقد كان المسئولون الإسرائيليون يعلنون صراحة، أنَّ هدفهم الأساسى هو إسقاط نظام جمال عبدالناصر. إما الأسلحة وإما التنحى فى الأسبوع الأول من يناير 1970، شنت الطائرات الإسرائيلية موجة أكبر من الغارات الجوية، الأمر الذى دفع الرئيس جمال عبدالناصر بتهديد السوفييت بالاستقالة، وترك الحكم لآخر يمكنه التفاهم مع الأمريكان، حالة عدم تنفيذ السوفييت طلبات مصر؛ حيث طلب الزعيم جمال عبدالناصر إمداد مصر بوحدات كاملة من الصواريخ سام - 3 بأفرادها السوفييت، وأسراب كاملة من طائرات ميج - 21 المعدلة، بطيارين سوفييت، وأجهزة رادار وتتبع بأطقم سوفيتية.

لقد طلب عبدالناصر خبراء سوفييت مع الأسلحة والطائرات التى طلبها من الاتحاد السوفييتى؛ لأن الوقت لم يكن فى صالح فى مصر؛ حيث سيستغرق تدريب أفراد القوات المسلحة المصرية على الأسلحة الجديدة وقتاً طويلاً، وعبدالناصر يريد تحرير الأرض فى وقت قريب.

وقرر الرئيس بريجنيف بعد سلسلة اجتماعات عاصفة، الموافقة على طلب الزعيم جمال عبدالناصر، قائلاً «إنها المرة الأولى التى يخرج فيها جندى سوفييتى من الاتحاد السوفييتى إلى دولة صديقة منذ الحرب العالمية الثانية». وبناء على هذا أمد الاتحاد السوفييتى مصر بفرقة دفاع جوى كاملة تتكون من 32 كتيبة صواريخ سام -3، و95 طائرة ميج - 21 المعدلة، بأطقم كاملة طيارين وفنيين، وأجهزة الرادار والإنذار الخاصة بها، بالإضافة إلى خمسين طائرة سوخوى- 9 وأسلحة أخرى، واتفق الزعيم جمال عبدالناصر مع قادة الاتحاد السوفييتى أن مهمة الخبراء السوفييت فى مصر هى حماية العمق المصرى لفترة مؤقتة، يقومون خلالها بتدريب الأطقم المصرية، ويعودون بعدها إلى بلادهم. قامت إسرائيل بالترويج لاحقاً، أنها تحارب السوفييت لا المصريين.

 رغم أن مهمة السوفييت كانت محددة وهى حماية العمق المصرى لفترة محدودة، لكن إسرائيل روجت أن طيارين سوفييت قاموا بعمل غارات على مواقع إسرائيلية فى سيناء، وذلك لإضعاف الروح المعنوية للقوات المصرية، ومحاولة التقليل من كفاءتهم.

اليد العليا للصواريخ فى منتصف عام 1969

أصدر الزعيم جمال عبدالناصر قراراً بإنشاء سلاح جديد اسمه (الدفاع الجوى) له قيادة مستقلة فى القوات المسلحة المصرية، وكلف عبدالناصر العميد -وقتها- محمد على فهمى بإنشاء السلاح، إلى جانب أسلحة المشاة والبحرية والطيران، وكان الغرض الأساسى هو قطع يد إسرائيل الطويلة التى وصلت غاراتها إلى العمق المصرى ضد المدنيين. أما المهمة الأكبر فهى حماية القوات المصرية التى ستعبر قناة السويس، لتصل إلى الضفة الشرقية «سيناء»؛ لتحرير الأرض المحتلة، وذلك عن طريق إنشاء حائط الصواريخ، وهو الحائط الصاروخى الأكبر فى العالم، الذى استطاع فعلياً أن يغير مسار حرب الاستنزاف، بل كان له الفضل فى تحييد الجيش الإسرائيلى خلال معركة العبور 1973.

نجحت مصر أن تصل بحائطها الصاروخى إلى أقرب نقطة من قناة السويس، واستطاع حائط الصواريخ فى أسبوع واحد إسقاط 17 طائرة إسرائيلية من طراز سكاى هوك وفانتوم، بل قامت القوات المصرية بأسر تسعة طيارين إسرائيليين أحياء، أطلقت الصحف العالمية على هذا الأسبوع «أسبوع تساقط الطائرات»، خرج بعدها «أبا أيبان»، وزير الخارجية الإسرائيلى يصرخ «الموقف خطير.. لقد بدأ سلاح الطيران يتآكل». وفى أبريل 1970 استغاث إسحاق رابين بالإدارة الأمريكية قائلاً «إذا تم تحريك صواريخ سام 2 وسام 3 أمامنا فى اتجاه القناة، فإننا لا نمتلك حالياً المعدات لتدميرها، ففى الحرب بين الصواريخ والطائرات، ستكون اليد العليا هى الصواريخ، ونحن لا نمتلك حالياً الوسائل العسكرية اللازمة للتعامل معها». ازدادت شراسة الغارات الجوية الإسرائيلية على الجبهة المصرية؛ حيث وصلت إلى «526» طلعة أسبوعية، لقد كان الهدف هو منع مصر من استكمال بناء حائط الصواريخ بأى ثمن. لكن مصر لم تقف مكتوفة الأيدى؛ حيث هاجمت الطائرات المصرية مستعمرة «ناحال يام» الإسرائيلية فى قلب سيناء، بعدها بيومين قامت الطائرات المصرية بمهاجمة مواقع إسرائيلية قرب مدينة العريش، وفى الأسبوع ذاته، تمكن مائتا فرد من فدائيى الصاعقة المصرية، باحتلال موقع للجيش الإسرائيلى فى سيناء ودمرته، وأعاد الطيران المصرى غاراته فى الأسبوع نفسه على المواقع الإسرائيلية شرق القناة.

لقد باتت القوات المصرية بعد حائط الصواريخ، ومنظومة الدفاع الجوى الجديدة، غير هذه القوات التى حاربت فى 1967، وهذا ما أدركته إسرائيل تماماً، وزادت الهيستيريا الإسرائيلية، كلما تقدمت مصر بموقع صاروخى جديد فى اتجاه جبهة القناة، ورغم أن الغارات الإسرائيلية لم تتوقف لإجبار مصر عن التراجع، فإنَّ الصواريخ المصرية استطاعت إسقاط طائرة استطلاع جوى إلكترونى بها 12 خبيراً إسرائيلياً. خلال شهر يونيو 1970، استطاعت القوات المصرية تحريك نظام الصواريخ نحو خط جديد على مسافة 20 كيلومتراً غرب القناة، وتم تركيب عدد من بطاريات الصواريخ، بأطقم مصرية كاملة، فى مسافة أقرب من قناة السويس، فى حين أن الصواريخ ذات الأطقم السوفييتية لم تعبر هذا الخط، وخلال هذا التقدم استطاعت الصواريخ بالأطقم المصرية -لا السوفييتية- إسقاط طائرات فانتوم عديدة.

 

السد العالى وخط بارليف

لقد خططت القيادة السياسية والعسكرية لمعركة التحرير، التى تتلخص فى عبور القوات المصرية للضفة الشرقية لقناة السويس، لكنَّ هناك عائقاً اسمه خط بارليف، رغم أن القوات المصرية خلال حرب الاستنزاف، استطاعت أن تهدم تحصينات كثيرة من خط بارليف بقوات المدفعية، لكن جيش الاحتلال سرعان ما كان يقوم بإعادة بناء الأجزاء المتهدمة، بشكل أقوى. المعضلة التى واجهها الجيش المصرى بعد ذلك أن إسرائيل أقامت ساتراً مرتفعاً من الرمال والأتربة والحصى الناعم، بطول عشرين متراً، يمنع أى قوات مصرية من العبور شرق قناة السويس، ولا تؤثر فيه نيران المدفعية. 

وتحرير الأرض يبدأ من عبور القناة، ولكى تعبر فهى بحاجة إلى إقامة جسور مائية تسمح بعبور الدبابات والقوات شرق القناة، لكن ما يمنع القوات من العبور للشرق هو ذلك الساتر الرملى الذى كان يمثل العقبة الأساسية. خلال عام 1969 بدأت القوات المصرية سراً فى إجراء تجارب عدة على نهر النيل؛ لإقامة الجسور المائية التى تسمح بعبور القوات المصرية شرق القناة، لكن ظل التفكير فى كيفية إحداث ثغرة فى الساتر الترابى، يؤرق قادة الجيش المصرى. خلال هذه الفترة خرج المقدم مهندس باقى زكى يوسف، والذى انتدب للعمل بالسد العالى خلال عام 1964، بفكرة على بساطتها لكنها استثنائية، وهى إحداث ثغرات فى الحاجز الرملى عن طريق مضخات المياه، وعلى الفور قام الزعيم جمال عبدالناصر بإصدار التعليمات للمهندس صدقى سليمان، وزير السد العالى، خلال شهر يوليو 1969، بسرعة التنسيق مع الفريق محمد فوزى، وزير الحربية؛ لعمل تجارب بمضخات المياه على أرض الواقع، واختيرت مناطق بنى يوسف بالجيزة، والخطاطبة بالبحيرة؛ لعمل محاكاة لخط بارليف والساتر الرملى فى سيناء؛ حيث قام سلاح المهندسين فى تلك المناطق بعمل التجارب، فى سرية وتكتم شديدين.

جاءت التعليمات من رئاسة الجمهورية بعد ذلك بتكرار التجربة باستخدام كبارى ومدرعات ودبابات حقيقية على نهر النيل، وكان النجاح أكبر من سابقتها، وبعد تجارب عديدة واستخدام مضخات متنوعة وكثيرة، تم استجلاب طلمبات كهربائية أخف وزناً، من ألمانيا، على أنها طلمبات تستخدم فى عمليات إطفاء الحرائق؛ حيث كانت فكرة استخدام مدافع المياه لتحطيم خط بارليف من أسرار الدولة العليا.

 

قبول مصر مبادرة روجرز

فى 9 سبتمبر 1969، أعلن وزير الخارجية الأمريكى وليام روجرز، عن مشروع أمريكى عُرف بمبادرة روجرز، تم تعديل بنودها لاحقاً فى يونيو 1970؛ بسبب رفض مصر وإسرائيل المبادرة فى نسختها الأولى، واستجاب الطرفان فى أغسطس 1970 لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، وجاءت موافقة مصر على المبادرة، وذلك لاستكمال حائط الصواريخ فى جبهة قناة السويس. واشترطت أمريكا تثبيت الموقف العسكرى طوال الأشهر الثلاثة مسافة خمسين كيلومتراً غرب وشرق القناة، تقوم خلال هذه الفترة، طائرات الاستطلاع الأمريكية بمراقبة الجبهة؛ حتى لا يعدل أحد الطرفين من أوضاعه العسكرية. لذلك اتفق الزعيم جمال عبدالناصر، مع الفريق محمد فوزى وزير الحربية، على وضع خطة عاجلة للقيام بـ«القفزة الأخيرة» لحائط الصواريخ المصرى الجديد فى اتجاه القناة، بحيث تصبح تلك القفزة أمراً واقعاً مع الدقيقة الأولى من بدء سريان وقف إطلاق النار.

وقبل منتصف ليل 7 أغسطس 1970، قبل يوم من بدء سريان وقف إطلاق النار، استطاعت قوات الدفاع الجوى المصرى فى ظل الغارات الإسرائيلية المستمرة، نقل النسق الأول من الصواريخ إلى الشاطئ الغربى لقناة السويس، وكانت إسرائيل أمام مفاجأة مذهلة.

 
 

الحرب مسألة وقت

قبل وفاة الزعيم جمال عبدالناصر بثلاثة أشهر قال: «لقد أقمنا شبكة الصواريخ، غابة كاملة من كل أنواع الصواريخ المضادة للطائرات ضد الطيران الواطى والعالى، ومنذ هذا اليوم لم تجرؤ طائرة إسرائيلية واحدة أن تدخل إلى العمق». وفى وقت قريب جداً ستصل شبكة الصواريخ حتى الحافة الغربية لقناة السويس وستحمى سماء مصر بالكامل، لقد استكمل جيشنا تسليحه وأتممنا تدريبات العبور، وأوشكنا أن نصل للتعادل الجوى مع إسرائيل وعندها لن تمنعنا قوة فى العالم من العبور إلى سيناء، وسيكون النصر لنا بإذن الله. إننا نبنى قواتنا المسلحة دفاعاً عن أرضنا، دفاعاً عن الأرض العربية، دفاعاً عن حقوقنا المشروعة وحقوق شعب فلسطين، نحن نريد السلام».

وفى خطاب الرئيس جمال عبدالناصر فى 23 يوليو 1970، قال «نحن نريد السلام، لكن السلام بعيد، ونحن لا نريد الحرب، لكن الحرب من حولنا وهى قدرنا لتحرير الأرض وسوف نخوض الحرب ونعبر كل المخاطر حتى نطرد قوى العدوان من كل شبر من الأراضى العربية». لقد دفعت مصر ثمناً عظيماً لبناء هذا الحائط الصاروخى الضخم، من دماء العسكريين والمدنيين، ومن أمن وسلامة المصريين جميعاً، هذا الحائط الذى جعل الإسرائيليين فى حالة هيستيريا مستمرة، حتى أمريكا قالت للحكومة الإسرائيلية «يلزمنا وقت نساعدكم فيه لمواجهة حائط صواريخ المصريين هذا». فسلام على من قاوم ولم يستسلم، ومن حارب وهو فى قبره.