ما الذي يفرق الأغنية العاطفية عن الشعبية إجابة هذا السؤال هي التي ستحسم الجدل المثار حول ضعف أو دونية بحسب و

عمرو سعد,مصطفى شوقي,مصطغفى حسن,صابر كمال,أغنية عرقسوسي,أغنية بصرة

السبت 24 أكتوبر 2020 - 17:15
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

بعد بصرة وعرقسوسي

مصطفى حسن وصابر كمال.. شاعران وضعا ألفاظًا مبتكرة للغنوة الشعبية

صابر كمال ــ مصطفى حسن
صابر كمال ــ مصطفى حسن

ما الذي يفرق الأغنية العاطفية عن الشعبية؟ إجابة هذا السؤال هي التي ستحسم الجدل المثار حول ضعف أو دونية "بحسب وصف البعض" كلمات الأغنيات الأخيرة للمطرب مصطفى شوقي "عرقسوسي"، ومن بعده "بصرة" لأحمد سعد، وكلتاهما للشاعر مصطفى حسن.

قد يرى البعض ــ وهم قطاع كبير تصل للأغلبية بين المحللين ــ أن الفارق بين الأغنية العاطفية والشعبية هو الآلات الموسيقية المستخدمة في كليهما، ففي الأولى نجد البداية من عند اللحن والتوزيع الموسيقي، الذي قد يكون مواكبًا لتطورات الموسيقى عالميًا، من يوناني وإسباني، وغيرهما، أما في الثانية، فتدخل الآلات الشرقية، الوتري منها بشكل خاص، مثل العود والقانون، وقد يدمج بعض الموزعين آلات تنتمي لريف مصر، مثل الربابة، لكن ماذا عن الكلمات؟ وهل هناك نمط محدد للشعر يعرف من خلاله المستمع إلى أي فئة تنتمي هذه الغنوة أو تلك؟

لو سلمنا بأن أهم سمات الغنوة الشعبية هي الآلات الشرقية الخالصة، فبالتأكيد الملحن والموزع لم يتخذا قرارهما بأن يتعاملا مع هذه الأغنية بالنمط الشعبي، إلا من خلال أمرين، أولهما المطرب الذي يتعامل معه، وثانيهما الكلمات التي كتبها الشاعر الغنائي، وهو الأصل في الحكاية، حيث جرت العادة أن تبدأ الدائرة من عنده.

قبل عام من الآن، ظهرت أغنية "ملطشة القلوب" لمطرب حديث الظهور هو مصطفى شوقي، ومن إنتاج نصر محروس، الذي اعتمده مطربًا جديدًا يغزو مجال الأغنية الشعبية بشكل عصري، وبمضمون غارق في الشرقية، بداية من اسم الغنوة المُستقى من مفردات العامية المصرية، حتى آخر كلمة في الغنوة، التي كتبها الشاعر صابر كمال، مرورًا بلحن بلال سرور، وتوزيع رامي سمير، انتهاء بالراقصة. إذًا، نحن أمام أغنية شعبية من الألف إلى الياء.

وقتها، حققت الأغنية نجاحًا باهرًا، فور صدورها على موقع "يوتيوب"، ووصلت حتى الآن لـ27 مليون مشاهدة، وهو ما شجع صناعها للسير على النحو ذاته، هذا العام، تحديدًا في شهر أغسطس الماضي، وإصدار أغنية "ضارب عليوي"، بنفس فريق العمل، باستثناء وجود الموزع جلال الحمداوي.

بالنظر لمسيرة صابر كمال كشاعر نجده اسم صاعد وبقوة، ويمتاز بطزاجة الأفكار والمفردات، التي لم توضع عنوة، ولكنها موظفة بشكل جيد، وتتسق مع الإطار العام للشكل الشعبي التي تقدم من خلال، فمثلًا في أغنية "ضارب عليوي"، اتخذ خطًا واضحًا يسير من خلاله، وهو أنه يتحدث عن شخص لا يقبل بالقليل، وفي حاجة للكمال، وعن ذلك يقول: "أنا بهسهس وموسوس/وأبو بطحة يخاف من التهويش/ أنا بعسعس وبطقس/وشورة العقل ما تأذيش".

أما في "ملطشة القلوب"، فهو كاتب قرر أن تكون أغنيته عن شخص يخاف من الوقوع في الغرام، لكن يعاني من قلبه الهائم دائمًا، وهي تيمة متكررة كثيرًا في أغنياتنا المصرية، ولعل أشهر النماذج على ذلك أغنية "فوق الشوك" لعبد الحليم حافظ، لحن محمد عبد الوهاب، وكلمات الشاعر علي مهدي، وكذلك "اوعى تكون بتحب يا قلبي" لمحرم فؤاد، من ألحان محمد الموجي، وكلمات الشاعر إسماعيل الحبروك، التي يقول فيها: "دقاتك مش دي دقاتك/ لأ وحياتك ناقصين دقة/ فين وديتها/ مين اللي خدِتها/ اوعى تكون أم عيون زرقا/ ماحناش قد الشوق والفرقة".

المختلف هنا في كلمات صابر كمال، هو انتماء الغنوة لفئة الشعبي، لذا كان طبيعيًا أن تأتي الكلمات متداولة على ألسنة المستمع، وتحمل شيئًا من الطرافة، فنجده يقول، مخاطبًا قلبه: "هتقولي إيه؟ هس يجيك أوَى/دخلك منين سرسوب الهوا/هتروح يومين وتجيلي جريح/وتقولي دبّر حق الدوا".

أما في حالة الغنوتين الجديدتين حاليًا "عرقسوسي"، و"بصرة" للشاعر مصطفى حسن، فنحن أمام كاتب يحمل الكثير من التنوع، فبين ديني، وعاطفي، وبعض التجارب الشعبية السابقة، نجده يتنقل بسلاسة، تبعده عن التصنيف، وهو أمر لا بد من توافره في الشاعر المحترف.

في أغنية "عرقسوسي" اعتمد مصطفى حسن على تيمة بسيطة كموضوع للأغنية، وهي اعتماد المحب الكامل على حبيبته، وأنها تعني له كل شيء، لكن المميز أنه عبر عن تلك التيمة بكلمات في غاية الطزاجة، بداية من اسم الأغنية، مرورًا بمدخل كل كوبليه، فيقول في مستهل الكوبليه الثاني: "نقطت أنا بطاقيتي/نقطت إكمني غاوي/لفيت ببخور في بيتي/زي الحاوي المخاوي"، استقاءً من المثل الشعبي "الغاوي ينقط بطاقيته"، واعتماده على مرجعية مستمعه، ومعرفته التامة بارتباط البخور بالحواة، ومسخري الجن.

ويُحسب لمصطفى حسن مؤخرًا أنه أعاد بكلماته الفنان أحمد سعد للطرب مُجددًا، فأغنية "بصرة" بطابعها الشعبي ولحنها المميز لسامح كريم، وتوزيع إلهامي وأدهم دهيمة، بها مساحات من الجمل الشعرية الطويلة التي تتيح له فرد عضلاته الصوتية، إضافة للكلمات المبتكرة في غالبية مواضع الغنوة، خاصة الجملة السنيو: "يا ناس الدنيا ساطلة الناس/من غير شرب ولا أنفاس".