190 عام تقريبا مرت على أول إرهاصة لقيام حياة نيابية في مصر..المزيد

مجلس النواب,الملك فاروق,مجلس الشعب,البرلمان المصري,حكاية أول مجلس نواب مصري,محمد علي وتأسيس مجلس النواب,دستور 1923

الأحد 29 نوفمبر 2020 - 13:18
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

مر عليه 190 عاما..

حكاية أول برلمان في مصر

أول برلمان في مصر
أول برلمان في مصر

190 عامًا تقريبا مرت على أول إرهاصة لقيام حياة نيابية في مصر، والتي حدثت في عهد محمد علي باشا، بينما أصبح البرلمان المصري يحمل اسم مجلس الشعب، في إطار دستور 1971، وأصبح يتولى سلطة التشريع ويقر السياسة العامة للدولة ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وغير ذلك من السلطات، وما بين هذا وذاك  هناك رحلة طويلة مر بها البرلمان المصري إلى أن وصل للحالة التي عليها الآن.



ونستعرض في التقرير التالي الرحلة التي مر بها البرلمان المصري:

محمد علي وبداية مجلس النواب

لم يكن في مصر طوال تاريخها مجالس تنوب عن الشعب وتشارك الحاكم في حكم البلاد، حتى قدوم الحملة الفرنسية والصدمة الحضارية التي أصابت المصريين وجعلتهم ينظرون إلي الغرب ويحاكونه.

وكانت 1829م هي السنة التي حدثت فيها أول بداية لقيام حياة نيابية في مصر خلال عهد محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة؛ حيث أنشأ محمد علي مجلسًا للمشورة، وكان يتكون من كبار التجار والأعيان والعمد والمشايخ والعلماء، وكانت وظيفته الأساسية استشارية فقط، متمثلة في إبداء الرأي في المسائل الإدارية العامة دون أن يلتزم محمد علي باشا بتنفيذها.

وعلى الرغم من وظيفة المجلس الاستشارية، إلا أن الفضل في ابتداع هذا المجلس يرجع إلى محمد علي؛ حيث بدأ المجلس بعد ذلك يتطور في وظائفه وصلاحياته إلى أن أصبح يضاهي المجالس النيابية في أوروبا.

تعطيل المجلس ثم إعادته في عهد الخديو إسماعيل

تعطل المجلس بعد وفاة محمد علي، لأن عباس وسعيد لم يكونا متحمسين له كما كان محمد علي.

وفي ديسمبر عام 1866م، خلال عهد الخديو إسماعيل، حقق البرلمان المصري طفرة كبيرة؛ حيث أسس مجلس شورى النواب، والذي كان يتكون من 75 نائبًا ينتخبهم الشعب من طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية كل 3 سنوات، وكان رأي المجلس استشاريًا وليس إلزاميًا.

وورد في الكثير من الدراسات التاريخية أن إسماعيل كانت لدية رغبة حقيقية في إشراك الشعب متمثلا في طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية في إبداء الأراء في المسائل التي تتعلق بتسيير شؤون الحكومة المصرية .

واكب هذا المجلس ظهور الرأي العام المصري، والذي تشكل مع ظهور الصحافة المصرية والحركة التحررية ضد التدخل الأجنبي الذي كان في ازدياد في نهاية حكم الخديو إسماعيل، ولعب مجلس شوري النواب دورًا مناهضًا للتدخل الأجنبي في شؤون البلاد خلال أزمة الديون الخارجية، وأصر المجلس على أحقيته في مناقشة ميزانية الحكومة التي كان يتولاها في ذلك الوقت وزير مالية إنجليزي، وهو الذي جاء ليتولى وزارة مالية مصر نتيجة الضغط على الخديوي من قبل الباب العالي والدائنين الأجانب.

حقوق جديدة للمجلس في عهد الخديو توفيق

عام 1879م، بعد خلع الخديوي إسماعيل ونفيه من مصر، تولى ابنه توفيق الخديوية، واستمر مجلس النواب في عهده يحاول أن ينتزع لنفسه حقوق تشريعية تجعله طرفًا في الموافقة على أي قوانين أو تشريعات جديدة، وبالفعل حصل المجلس على هذه الحقوق مناصفة مع الخديوي، بالإضافة إلى حق إقرار الضرائب والمسائل المالية بعد مناقشتها والتصويت عليها، وكان ذلك يبشر بقيام حياة نيابية نشطة في مصر، ومن ثم قيام نظام ديموقراطي يكون الأول من نوعه في المنطقة.

مواجهة المجلس للتدخل الأجنبي

ودخل مجلس النواب في مواجهة مع رموز التدخل الأجنبي في مصر، والقوى الأوروبية التي كانت تسيطر على مصر وقناة السويس، حيث أدركت هذه القوى أن الوقت ليس في صالحها وإنما في صالح القوى الشعبية متمثلة في مجلس النواب.

وفي عام 1882م، جاء معه الاحتلال البريطاني، قاضيًا على هذا الحلم الوليد وعلى أمل مصر في أن تصبح من طليعة الدول التي تقيم نظام ديموقراطي راسخ، وإذا قدر لمجلس النواب أن يستمر لتغير التاريخ السياسي لمصر حتى وقتنا هذا.

انتكاسة في تطور الحياة النيابية

وفي عام 1883م، وضع لورد دفرين القانون الأساسي لتنظيم الشئون الداخلية لمصر تحت سلطة الاحتلال البريطانية، ونص القانون على إقامة مجلسين استشاريين لا تشريعيين، هما مجلس شوري القوانين و الجمعية العمومية للتداول في الشؤون الداخلية لمصر، فعاد هذا المجلس بمصر 20 سنة إلى الخلف، وكان بمثابة  انتكاسة لتطور الحياة النيابية في مصر. 

وكان مجلس شورى القوانين يتكون معظمه من كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين تلاقت مصالحهم بشكل ما مع مصالح السلطة البريطانية، والتي كانت تكافئهم بالقيام بمشروعات زراعية مستمرة، وكان رأي هذا المجلس استشاريا.

المجلس يفرض إرادته على إرادة الحكومة

لكن عام 1909م، ومع مرور الوقت، وضغط الرأي العام المضاد للاحتلال البريطاني، دخلت الروح الوطنية للمجلس وبلغت معارضة المجلس للحكومة ذروتها، وتصدى المجلس لمشروع الحكومة برئاسة بطرس غالي باشا لمد امتياز قناة السويس 40 سنة أخرى مقابل الحصول على 4 ملايين جنيه، ونسبة من أرباح شركة قناة السويس، وكان الحزب الوطني بزعامة محمد فريد يتزعم جبهة الرفض للمشروع، و نشر في جريدة اللواء الحزبية خبر اعتزام الحكومة القيام بمد الامتياز، ما أهاج الرأي العام المصري ضد الحكومة، وكان هذا هو أحد أسباب اغتيال بطرس غالي باشا على يد شاب وطني.

وانتهى أمر المشروع بالتصويت عليه في مجلس شوري القوانين ورفضه من غالبية نواب المجلس ما عدا أعضاء الحكومة والنائب مرقص سميكة، فكان هذا يعد نصرا للمجلس الذي فرض إرادته علي إرادة الحكومة.

أول مجلس نيابي له حق مساءلة الحكومة

وفي عام 1923م، نتج عن الدستور، أول مجلس نيابي حقيقي له سلطة مساءلة الحكومة و سحب الثقة منها، ولا تستطيع الحكومة أو الملك سن أي قوانين أو تشريعات جديدة قبل عرضها على المجلس والتصويت عليها إما بالرفض أو القبول.

لكن هذا المجلس لم يكن مثاليا أيضا، وكان من حق الملك إقالة الحكومة وحل المجلس في أي وقت، وهو ما حدث في معظم الأحيان.

مصالح الأحزاب فوق مصلحة الوطن

وفي عصر  الملك فاروق أصبحت الحكومة أداة طيعة في يد الملك لكي تضمن عدم إقالتها، وزاد الصراع الحزبي بين حزب الأغلبية وأحزاب الأقلية في المجلس، حتى ضاعت أصوات المنادين بمصلحة الوطن فوق مصالح الأحزاب والأشخاص.

تزوير الانتخابات وإنشاء الملك فؤاد أحزاب موالية للقصر

وبسبب الصلاة الواسعة لمجلس النواب بواقع دستور 1923م، أخدت الانتخابات النيابية تشهد عمليات تزوير لصالح حزب أو ضد حزب بعينه، و أشهرها تزوير انتخابات 1938م، الذي زورها محمد محمود باشا لاسقاط الوفد بناءً على رغبة القصر، كما أن القصر والحكومة استغلا الأحكام العرفية وقاما بفرضها في معظم الأوقات لتكميم الصحافة وإرهاب أحزاب المعارضة في مجلس النواب لمنعها من انتقاد الحكومة.

ولم يتحمل الملك فؤاد دستور 1923م، وما نتج عنه من حكومة أغلبية وفدية ومجلس نيابي قوي يسيطر عليه الوفد، فأنشأ أحزاب موالية للقصر، منها حزب الاتحاد، ليوازن قوة الوفد وحزب الأحرار الدستوريين في الانتخابات وفي المجلس، لكن الوفد هو الذي فاز أيضا.

إلغاء دستور الشعب وإصدار دستور الملك 

قام الملك بتولية إسماعيل صدقي الوزارة، فقام الأخير بإلغاء دستور 1923م، وأصدر دستور 1930م، والذي أعطي صلاحيات واسعة للملك حتى سمي بدستور الملك في مقابل دستور 1923م، والذي سمي بدستور الشعب، وأنشأ إسماعيل صدقي حزب جديد موال للقصر هو حزب الشعب، وخاض به الانتخابات التي قاطعتها الأحزاب الأخري ما عدا الاتحاد والوطني، وفاز حزب صدقي في الاتخابات وشكل الوزارة .

عودة دستور 1923م “دستور الشعب”

وانفجرت مظاهرات عارمة في الشوارع احتجاجاً على إلغاء دستور 1923م، وتصدى لها البوليس السياسي بقسوة شديدة، فخاف الملك فؤاد من قوة ودكتاتورية إسماعيل صدقي، فقبل استقالته في 21 ديسمبر 1933م.

وجاءت بعده وزارة عبد الفتاح يحيي التي لم تستمر طويلاً، ثم قام الإنجليز بتولية توفيق نسيم الوفدي الوزارة لضبط الأمور، فقرر إلغاء دستور صدقي 1930م والعودة إلى دستور 1923م، وجرت الانتخابات وفاز بها الوفد، وفي مايو 1936م تولى مصطفى النحاس الوزارة.

وظل دستور 1923م، وهو الدستور السائد في البلاد حتى قامت الثورة في يوليو 1952م، وقيام الثورة، فبدأت فترة جديدة ودخل البرلمان المصري في فترة كمون طوال عهد عبد الناصر.