ورد طلب فتوى لدار الإفتاء المصرية نصه: في ظل ما يعانيه معظم بلاد العالم من فيروس كورونا المستجد تسعى المراكز

دار الإفتاء

الإثنين 28 سبتمبر 2020 - 23:55
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

الإفتاء تحسم الجدل حول إجراء "التجارب السريرية" على البشر

دار الإفتاء المصرية
دار الإفتاء المصرية

ورد طلب فتوى لدار الإفتاء المصرية نصه: "في ظل ما يعانيه معظم بلاد العالم من فيروس كورونا المستجد، تسعى المراكز البحثية بالتعاون مع الشركات العالمية لإيجاد الأدوية المناسبة التي تُنْقِذ الإنسانية من هذا الوباء؛ وفي سياق ذلك تقوم هذه المراكز بإجراء التجارب الدوائية لمنتجاتها على جَسَد الإنسان للتَّأكُّد من صلاحيتها في العلاج، السؤال: ما حكم الشرع في إجراء مثل هذه التجارب الطبية على جَسَد الإنسان؟".



حسمت دار الإفتاء، الجدل الدائر حول مسألة "التجارب السريرية" بإجراء تجارب طبية على جسد الإنسان، وأكدت في فتوى جديدة لها، أن اختبار الدواء على جَسَد الإنسان هو ما يطلق عليه: التجارب السريرية، وأوضحت في فتواها أن هذه الاختبارات الطبية في مجملها تتماشى مع حَثِّ الشرع الشريف على التداوي من الأمراض وإرشادِه إلى البحث عن العلاج؛ فقد روى أبو دواد والبيهقي في "سننيهما"، والطبراني في "المعجم الكبير" حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنَّ الله عز وجل أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام”، وعند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: “إنَّ الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، عَلِمه مَن عَلِمه، وجهله مَن جهله”.   وفصَّلت الدار فتواها مؤكدة، أن إجراء التجارب الطبية على الإنسان لا يعدو ضررها أن يكون مُحَقَّقًا أو لا؛ فإن كان ضررها ثابتًا ويُشَكِّل خَطَرًا على حياة الإنسان أو على وظيفةِ عضوٍ من أعضائه؛ وذلك كالتجارب الدوائية التي تُجرَى لمعرفة آثار الدواء الجانبية السلبية، ومعرفة مدى الضرر المحتمل من استخدام بعض المواد الخطرة أو الفَتَّاكة، أو بعض السموم؛ فكل هذه التجارب مُحرَّمة شرعًا؛ لأنَّ الشريعة الإسلامية حَرَّمت كل ما يُؤدِّي إلى إتلافِ البدن وإزهاقِ الروح، فأَمَرَتْ الإنسان بالمحافظة على نفسه وجسده مِن كل ما يُهْلِكه، ونَهت عن أن يقتل الإنسانُ نفسَه أو يُنزِلَ بها الأذى؛ فلا يجوز لأحدٍ أن يتصرَّف في جسده تصرفًا يُؤدي إلى إهلاكه أو إتلافه -كما يقول الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/376، ط. دار المعرفة)-، وكُلُّ إنسانٍ وإن كان صاحب إرادةٍ -فيما يَتعلق بشخصه- إلا أنها مُقَيَّدةٌ بالحدود التي شرعها الله تبارك وتعالى كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

وفي سياق متصل شددت دار الإفتاء، على أنَّ استخدامَ الإنسان كأداةٍ لإجراء مثل هذه التجارب التي تؤذيه أو تُودِي بحياته قطعًا يتنافى مع التكريم الذي جعله الله سبحانه وتعالى للإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، أما إذا كانت هذه التجارب لا ضرر فيها على الإنسان، أو فيها ضرر يُحْتَمَل بحيث لا يُشَكِّل خَطَرًا على حياة الإنسان أو على عضو من أعضائه؛ وذلك كالتجارب التي يتم اختبارها مُسَبَّقًا على غير الإنسان، وعُلِم أنَّه لا ضرر فيها إذا ما أجريت على الإنسان، مع  أخذ كل التدابير لمنع الخطر في إجرائها عليه، كما في التجارب التي تُجرَى على الإنسان لمعرفة المزيد عن تفاصيل وظائف الأعضاء، أو الجرعات المناسبة وكميتها من دواء معين؛ فهذه التجارب جائزة شرعًا.   ودللت دار الإفتاء على جواز هذا النوع من التجارب على البشر بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ موضحة أن إجراء هذه التجارب على بعض البشر للاستفادة من نتائجها في خدمة الإنسانية فيه إحياء للآخرين، ورعاية لمصالحهم الصحية، كما ساقت الاستدلال على الجواز بعموم الأدلة التي أَمَر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتداوي، حيث يُبَيِّن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّ الله عز وجل خَلَق الأمرين الداء والدواء، وحَثَّ البشر جميعًا على البحث عن هذا العلاج، ولا يتم ذلك إلا بإجراء مثل هذه التجارب غير المضرة بالإنسان.    وفي ختام فتواها أكدت دار الإفتاء المصرية، أن مسألة خضوع الإنسان للتجارب السريرية وتجربة الأبحاث واللقاحات عليه لا تُمْنَع برمتها، ولا تباح أيضًا برمتها، بل منها ما تجيزه الشريعة ومنها ما تمنعه؛ فيَحْرُم منها ما يُؤدِّي إلى موت الإنسان أو ذهاب جزءٍ من منافع أعضائه قطعًا، وكذا كل ما يُؤدِّي إلى تغيير هيئته وصورته البشرية التي ارتضاها الله له مما فيه إهدار لكرامته، ولا يجوز أن يتطوع الشخص بنفسه في ذلك؛ فالإنسان غير مأذونٍ له بقتل نفسه ولا أن يُفَوِّت منفعة عضو من أعضائه قطعًا.