في مثل هذا اليوم 31 أغسطس عام 1980 رحل عالم كبير وواحد ممن تولوا مشيخة الأزهر الشريف وكان رقم 39 في ترتيب عل

شيخ الأزهر,الأزهر الشريف,السادات,مشيخة الأزهر,الرئيس السادات,شيخ الأزهر الأسبق,الشيخ محمد الفحام,محمد الفحام,عبد الحليم محمود,حسن مأمون

الإثنين 28 سبتمبر 2020 - 15:07
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

الدكتور محمد الفحام.. استجاب لوصية الأم فقادته إلى مشيخة الأزهر

الدكتور محمد الفحام في أحد اللقاءات
الدكتور محمد الفحام في أحد اللقاءات

في مثل هذا اليوم 31 أغسطس عام 1980، رحل عالم كبير وواحد ممن تولوا مشيخة الأزهر الشريف، وكان رقم 39 في ترتيب علمائه، بين حسن مأمون، وعبد الحليم محمود، إلا أنه لم يأخذ حقه من الحديث، أو ربما لا يعرفه الكثيرون؛ نظرًا لقلة تداول اسمه، بالإضافة إلى أنه أعفي من منصبه، وقيل عنه إنه اعتنق المسيحية، إنه الشيخ محمد الفحام.



الصدفة تجمع بين 3 مشايخ للأزهر

ولد في الرمل بمحافظة الإسكندرية، 13 يونيو عام 1903، وحفظ القرآن الكريم وجوده، ثم التحق بالمعهد الديني بالمحافظة، وأثناء امتحان الصف الثاني الابتدائي، حضر الإمام الأكبر سليم البشري، شيخ الأزهر آنذاك، لزيارة المعهد، وبرفقته لفيف من كبار العلماء، على رأسهم محمد أبو الفضل الجيزاوي (شيخ المعهد حينها وشيخ الأزهر فيما بعد).

يدخل "البشري" قاعة الاختبار، ويقف أمام الطالب محمد محمد الفحام، ويسأله في باب نائب الفاعل، فيرد الأول: “إن بعض النحاة يسميه باب المفعول الذي لم يسم فاعله، فقال له شيخ الأزهر أي العنوانين تفضل؟، فقال: أُفضل عنوان (نائب الفاعل) لسببين: أنه أوجز عبارة؛ ولأن نائب الفاعل لا يكون دائمًا هو المفعول به، كأن يكون ظرفًا مثل قولك: سهرت الليلة، أو مصدرًا مثل: كتبت كتابة حسنة، أو جارًا ومجرورًا، مثل: أهذا طالب بالسنة الثانية الابتدائية أم الثانوية؟!، فما كان من الإمام الأكبر إلا أن قرأ له الفاتحة ودعا له بالخير والبركة.

وصية الأم تعدل وجهة الشيخ الفحام

ومنذ صغره كان الشيخ محمد الفحام مُولعًا بجميع المعارف والعلوم، وخصوصًا المنطق والجغرافيا؛ لذلك ألف رسالة في الأول، تحت عنوان "كتاب الموجَّهات"، وهو ما زال طالبًا بالسنة الثانية الثانوية، وتم طبعها بعد عام 1932، وأقبل عليها الطلبة في الإسكندرية وغيرها، وانتفع بها طلاب العالمية المؤقتة.

ولاحت أمام "الفحام" فرصة للالتحاق بدار العلوم، وفي ذلك الحين كان كثير من طلبة الأزهر يؤرونها عليه؛ طمعًا في مستقبل أفضل، واستشار الطالب أبيه في ذلك، فقال له الأخير: إنني واثق بجودة رأيك، وحسن اختيارك، فاتجه إلى ما تراه صوابًا والله معك، أما أمه فكانت تتفاءل بالأزهر فأوصته ألا يتركه، وبالفعل استجاب لها وظل متمسكًا بذلك، وشاء القدر أن يصبح ابنها شيخًا لهذه المؤسسة العريقة.

واصل الشيخ الفحام، الدراسة بالقسم العالم بمشيخة علماء الإسكندرية، ونال شهادة العَالِمية النظامية بتفوق في امتحان أدَّاه بالأزهر عام 1922، ورغم ذلك بعد تخرجه لم يحب التقيد بالمناصب، واشتغل بالتجارة ونجح فيها بشكل لافت، إلا أن مواهبة العلمية ونصائح المخلصين له من أصدقائه، حملته على العودة مرة أخرى.

رحلة الفحام من العلم.. مسابقة تقوده إلى المجد

وفي عام 1926، أعلن الأزهر الشريف عن مسابقة بين العلماء في العلوم الرياضية؛ لتعيينهم مدرسين لها بالمعاهد الدينية، فتقدم الشيخ محمد الفحام، ونجح فيه بتفوق، وعرض عليه الأستاذ محمد حسنين، مفتش تلك العلوم بالمؤسسة الدينية، أن يعينه بمعهد دمياط أو غيره في الوجه البحري فأبى التعيين ذلك بعيدًا عن الإسكندرية.

وبالفعل تم تعيينه بها، في 4 أكتوبر عام 1926، ودرس علوم الحديث والنحو والصرف والبيان والحساب والجبر تسع سنوات، وبينما هو كذلك أخبره الأستاذ عبد السلام هنو، الكاتب الأول بمعهد الإسكندرية، أن موظفًا دبلوماسيًّا بالقنصلية اليابانية تقدَّم إلى المعهد راجيًا اختيار أحد الأساتذة لتعليمه اللغة العربية، وأخبره أن اختيار مشيخة المعهد وقع عليه، فقبل ذلك؛ لأنه كان يحلم بزيارة اليابان.

بعد ذلك، وتحديدًا عام 1935، نُقِل الشيخ الفحام إلى كلية الشريعة لتدريس المنطق وعلم المعاني، وفي العام التالي وقع الاختيار عليه لإرساله في بعثة تعليمية إلى فرنسا؛ فرحل إليها ومعه زوجته وبعض أبنائه، وأنجب في تلك الأثناء بنتين، وعلى الرغم من ظروف الحرب العالمية الثانية آنذاك، استطاع أن ينال دبلوم مدرسة الإليانس فرانسيز في باريس عام 1938.

هل توقفت المسيرة عند ذلك؟.. نال الشيخ محمد الفحام بعدها بـ3 أعوام، دبلوم مدرسة اللغات الشرقية الحية في الأدب العربي سنة 1941، بجانب آخر في اللهجات اللبنانية والسورية، وثالث تأهيلي لتعليم اللغة الفرنسية من كلية الآداب بجامعة بوردو الفرنسية في العام ذاته.

وحصل الشيخ الراحل على درجة الدكتوراه بدرجة الشرف الممتازة من جامعة السوربون، في الأول يوليو عام 1946، ثم عاد بعدها بشهرين إلى مصر، وعمل مدرسًا بكلية الشريعة، ثم نقل منها إلى اللغة العربية؛ مدرسًا للأدب المقارن والنحو والصرف، وظل كذلك حتى رقي إلى درجة أستاذ ثم إلى عميد كلية عام 1959، وأحيل إلى المعاش في 18 سبتمبر من العام التالي.

زيارات الفحام للخارج.. بلدان كثيرة وحفاوة منقطعة النظير

وزار الشيخ محمد الفحام في هذه الأثناء، العديد من الدول، والتي كان منها سوريا ولبنان ونيجيريا وباكستان وموريتانيا وأندونسيا وليبيا والجزائر وأسبانيا، عبر بعثات من الأزهر الشريف، أما المملكة العربية السعودية فذهب إليها كثيرًا، وأدى فريضة الحج 6 مرات، والعمرة 3 مرات.

وفي العام 1970، وبعد ولاية الشيخ محمد الفحام مشيخة الأزهر، زار السودان؛ فقوبل بحفاوة منقطعة النظير، وفي العام ذاته تلقى دعوة من علماء المسلمين في الاتحاد السوفيتي ومفتيها ضياء الدين بابا خانوف لزيارة الاتحاد، فلبى ذلك، وذهب إلى جمهوريتين إسلاميتين تابعين له، وهما أوزبكستان وطاجيكستان.

وفي أوزبكستان زار شيخ الأزهر الأسبق سمرقند، وخرتنك، وفيها ضريح الإمام البخاري رضي الله عنه، بالإضافة إلى كما موسكو وليننجراد، وغيرها من البلاد الروسية، وفي العام التالي ذهب إلى إيران بدعوة من وزير الأوقاف هناك، وكذلك اليابان لحضور المؤتمر الثامن لرجال الدين، 13 يونيو 1976.

متى تولى "الفحام" مشيخة الأزهر؟

في 16 سبتمبر عام 1969، صدر القرار الجمهوري رقم 1729 بتعيين فضيلة الدكتور محمد محمد الفحام شيخًا للأزهر، فنهض بأعباءها، وفي سنة   1972 تم انتخابه عضوًا بمجمع اللغة العربية.

لم تستمر فترة الفحام في منصبه كثيرًا، ففي مارس عام 1973، استجاب المسؤولون لرغبته الملحة في الراحة، بعد أن أثقلته الأعباء وآذته الأمراض، خصوصًا أن سنه أصبح 70 عامًا، فصدر قرار جمهوري في 27 من الشهر المذكور، بتعيين الدكتور عبد الحليم محمود شَيْخًا للأزهر، خلفًا له.

وفي تلك الأثناء ظهرت الكثير من الشائعات حول ترك الدكتور محمد الفحام لمشيخة الأزهر، والتي كان أشهرها اعتناقه للديانة المسيحية، وترك مصر وغادر إلى بلدة مجهولة حتى وفاته، خصوصًا أنه أعفي من منصبه في بداية تولي محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور الراحل محمود جامع، الذي كان بمثابة مستشار السادات فيما يخص الشأن الديني والإسلامي، أن الإعفاء كان استجابة من الرئيس الأسبق، لطلب ألح عليه الشيخ محمد الفحام؛ بسبب تقدم سنه وتدهور صحته، مستدلًا في حديث سابق له مع "العربية نت"، بأن الأخير مات في مصر ودفن بها، وليس كما قيل إنه تركها تنفيذًا لأمر من محمد أنور، وأقام في دولة غربية مجهولة حتى وفاته.

ورحل الدكتور محمد محمد الفحام، شيخ الأزهر الأسبق، في 31 أغسطس عام 1980، الموافق شوال من العام الهجري 1400، في بيته بالإسكندرية، ودفن بمقابر العائلة الموجودة بالمحافظة (مدافن المنارة).