دقت عقارب الساعة السادسة بعد غروب الشمس في جو صيفي معتاد يحمل في طياته سعادة غامرة.. المزيد

صوم العذراء

الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 - 17:23
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

نهضة العذراء في كورونا.. زفة مريم بلا زغاريد

الأب الكاهن خلال زفة العذراء
الأب الكاهن خلال زفة العذراء

دقت عقارب الساعة السادسة بعد غروب الشمس، في جو صيفي معتاد، يحمل في طياته سعادة غامرة بمناسبة صوم العذراء مريم، أخذت "تونيتي" ذلك الجلباب الأبيض الذي يرتديه الشماس في الكنيسة، وشعرت بمشاعر مضطربة ما بين سعادتي لحضور نهضة السيدة العذراء والضيق لكونها المرة الأولى التي سوف أشاهد فيها الكنيسة خالية من المصلين في ذلك الوقت من العام الذي يُعد أيام عيد وفرح للأقباط حيث كانوا يتهافتون بالملايين على جميع كنائس الجمهورية.



وبمجرد وصولي إلى باب كنيسة السيدة العذراء والملاك غبريال بشارع سيف شرق الإسكندرية، تأكدت أن مشاعر الضيق قد غلبت مشاعر الفرح، لما لا وأنا أجد دخول الكنيسة بكشف أسماء، وتعلو الكمامات وجهي ووجه من معي، والسكون التام يسود فناء الكنيسة الذي كان يعج بمئات المصلين؛ نظرًا لازدحام صحن الكنيسة بالداخل.

 

غياب عادات القربان.. ومعرض المشغولات اليدوية

وغابت رائحة القربان الساخن، والذي كان أحد علامات نهضة العذراء في الكنائس، حيث كان يزدحم المصلين على تلك "القفة" التي تحوي ذلك القربان قادما من غرفة صناعته، والتي تُسمى "بيت لحم"، فكانت تُباع بمجرد وضعها في مكانها المخصص للبيع من كثرة الراغبين.

وفي ذات الفناء أيضًا، غاب معرض المشغولات اليدوية الذي يحمل صور العذراء، ويحصل عليها المصلون لتقديمها هدايا تذكارية لأقاربهم، بينما تذهب مكاسب ذلك المشروع إلى الفقراء التابعين للكنيسة.

الشكل الخارجي في حد ذاته كان يقبض القلب، لذا فكان من الطبيعي أن أتوقع أن القادم أكثر حزنًا، واستمرت خطواتي بشكل منتظم تعلو درجات السلالم المؤدية إلى الكنيسة العليا وآذني تلتقط أصوات تماجيد وتراتيل العذراء لكن بصوت خافت على غير المعتاد.

 

 

النهضة اقتصرت على الكهنة و15 شماس

بمجرد المرور من باب الكنيسة الخشبي الذي يفصل السلالم عن صحن الكنيسة، وجدت ما كنت أخشاه؛ الكنيسة خالية ولا يوجد بها سوى الآباء الكهنة وما يقرب من 12 شماس توزعوا؛ 8 على مقاعد خورس الشمامسة، و4 على مقاعد الشعب في ظل أن المسموح حضوره 15 شماسًا فقط.

كل هذا تسبب في حالة من الهدوء والسكون والفراغ، وهو الأمر المعاكس لليالي نهضات العذراء التي لم يكن يجد أي أحد مكان فارغ للوقوف فقط لا لمقعد فارغ للجلوس.

 

غاب النهوض الروحي في نهضة الكورونا

مع ارتداء "التونية" ووقوفي عند أحد المقاعد الفارغة بعيدًا عن أقرب شماس، تذكرت كلمة القمص إبرام إميل، وكيل البطريركية بالإسكندرية، حين فسر لي كلمة "نهضة"، والتي تطلق على التجمعات الليلية والصلوات داخل الكنائس خلال فترة الصوم.

ومع كورونا وغياب المصلين أصحاب النهضة الروحية، لم يكن الأمر كالمعتاد، فلا شعور يمكن أن يضاهي تجمعات المئات داخل الكنيسة وهم يصرخون بصلوات التضرعات، أو يجتمعون في حب "أمنا العذراء" ويرتلون لها تمجيد: "السلام لك يا مريم .. يا يمامة جليلة تصيح".  

ويختلف الوضع هذا العام بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، نتيجة قرار اقتصار صلوات نهضة العذراء على الكهنة والشمامسة، دون حضور الشعب الذين يقومون بدورهم بمتابعة الصلوات عبر شاشات المحمول والتليفزيونات الذكية والكمبيوتر.

 

 

زفة العذراء بدون زغاريد وعطور وورود

وتبدأ "زفة العذراء"، والتي تُقام كل ليلة، بحمل الشمامسة صورًا للعذراء مريم، ويقوم الكهنة بحمل "شورية البخور" أمام الصور، ويتقدم ذلك الموكب مجموعة من الشمامسة يحملون الصلبان الفضية التي تعلو عصيان خشبية كبرى.

موكب عظيم يحيطه مهابة وفرح وزغاريد من النساء الذين كانوا يحضرون تلك الصلوات، إلا أن غياب المصلين جعل الأمر أشبه بالفرح دون "معازيم"، فغابت البهجة وأن كان الشمامسة حاولوا أن تُقال التماجيد والتراتيل بذات الأمر، إلا أن ذلك التباعد كان أشبه بالمياه التي تطفئ الجمرات الملتهبة.

واستمرت الزفة بالسير لكن دون وجود أحد يتبارك بصور العذراء، أو سيدة تهرول تجاه الصورة لتضح الورود أو تنثر عليها الروائح العطرية، وفي ذات الوقت تتوالى الزغاريد من كل حدب وصوب، فأصبحت الزفة بشكل فاتر دون حرارة، بينما يرفع المصلون صوتهم من بيوتهم مرددين مع الأب الكاهن طلبته: "ارفع غضبك عنّا وافتقدنا بخلاصك".