وقت أن كانت السينما المصرية لا تعرف الكثير عن فن الموسيقى التصويرية وتقتصر معرفتها بها على مجرد اقتباسات غرب

فاتن حمامة,فؤاد الظاهري,أحمد مظهر,الموسيقى التصويرية,أندريا رايدر,دعاء الكروان,غروب وشروق

الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 - 21:51
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

أندريا رايدر.. قتيل لم يجد من يرثيه بموسيقى الوداع

أندريا رايدر
أندريا رايدر

وقت أن كانت السينما المصرية، لا تعرف الكثير عن فن الموسيقى التصويرية، وتقتصر معرفتها بها على مجرد اقتباسات غربية، توضع على العديد من الأفلام، التي كانت في غالب الأمر صامتة، ثم محاولات طفيفة لوضع مقطوعات مصرية خالصة، على يد محمد حسن الشجاعي، جاء موسيقار يوناني، عاش بمصر، واعتنق الإسلام، ثم أصبح أحد أبنائها الأبرار، فنا ومعنى، وأسس بالتوازي مع موسيقار آخر هو فؤاد الظاهري لفن نفخر به إلى الآن، إنه البديع أندريا رايدر.

في مثل هذا اليوم من عام 1908، ولد أندريا أناجنستوس رادير في اليونان، تعلم الموسيقى، وأبدع فيها، ثم أتى إلى مصر، ولم يمر سوى عام واحد، حتى جلس مع الشيخ إبراهيم محمد أبو خليل، شيخ الطريقة الخليلية، وعلى يده اعتنق الإسلام، لكن ظل اسمه كما هو، كي يبقى علامة في فن مهدور حقه في مصر، اسمه الموسيقى التصويرية.

لمن لا يعرف أهمية الموسيقى التصويرية، فهي في التعريف الخاص بها: المعادل المسموع للمشهد السينمائي، أو المسرحي، أو التليفزيوني، أو الإذاعي، ومن ثم تعبر عن أفراح وأحزان الممثلين، أو تؤسس لفترة زمنية إن لزم الأمر، وقد تكون هي الصوت الوحيد في المشهد، وتغني عن ألف حوار.

لكن ماذا عن أندريا رايدر؟

بدايات رايدر كانت من خلال التوزيع الموسيقي لأغنيات ليلى مراد، تحديدًا عام 1954، وعلى إثرها كان لنا الحظ في الاستماع لمقطوعاته التي لا تُنسى في الأعمال السينمائية الشهيرة، التي تخطت الستين فيلمًا، منها على سبيل المثال: "دعاء الكروان، ونهر الحب، وشروق وغروب، واللص والكلاب، وبين الأطلال، والسراب".

يمتاز أندريا رايدر بالتخصص، والتفرد، فبمجرد استماعك للشكل الموسيقي اليسيمفوني، الذي لا يخلو من حالة شجن، تعرف على الفور أنها لذلك الصوفي ذو الأصل اليوناني، فمن ينسى التيمة الرئيسية لفيلم "دعاء الكروان" التي تكاد تُبكي كل من يشاهد الفيلم، حتى لو خلا الشريط السينمائي من الحوار!

وعن موسيقى "دعاء الكروان"، نجد تحليلًا رائعًا للموسيقار الراحل عمار الشريعي، قال فيه: "ما زلت أرى أنها أحلى موسيقى تصويرية في تاريخنا، رغم أنها مزيكا خواجاتي، مفيهاش آلات شرقي زي العود أو القانون.. الجملة الرئيسية شرقية وعلى مقام الكرد، والجملة تتراوح ما بين الكرد وصبا الزمزمة، وكأنه يرمي طوبة في قلب المستمع ويجري، جملة صغيرة قد الكف، وتقتل ألف".

ذلك الشكل الغربي، أو الخواجاتي، بحسب وصف الموسيقار الراحل في برنامجه "سهرة شريعي"، تبرز بصورة أوضح في فيلم "غروب وشروق"، خاصة في المشهد الذي تزيح فيه سعاد حسني الستار لترى بعينيها المتحسرتين ما آل إليه مصيرها هي ووالدها المستبد السياسي "محمود المليجي" لحظة مغادرة رشدي أباظة وصديقه صلاح ذو الفقار للقصر، وكأن الموسيقى كانت دلالة على انتهاء عصر، وبدء عصر جديد، تعبر عنه ثورة يوليو ورجالها.

ذلك الفنان رفيع المستوى، قُدر له أن تنتهي حياته بطريقة درامية، كانت تنقصها مقطوعة موسيقية حزينة من مقام الصبا، وبآلات شرقية أصيلة، وحس صوفي يليق به، حين قُتل غدرًا في مشاجرة باليونان يوم الخامس من مارس لعام 1971، أي بعد عام واحد فقط من منحه الجنسية المصرية!