أحب القهوة وغازلها كحبيبته وافتتح إحدى كتبه بالحديث عنها بداية من رائحتها واختلاف طعمها إلى تنوع اليد التي

القهوة,محمود درويش,كيف أحب محمود درويش القهوة,ذاكرة للنسيان

الأحد 27 سبتمبر 2020 - 21:40
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

عذراء الصباح الصامت.. كيف تمكنت القهوة من قلب محمود دوريش؟

محمود درويش - أرشيفية
محمود درويش - أرشيفية

أحب القهوة، وغازلها كحبيبته، وافتتح إحدى كتبه بالحديث عنها، بداية من رائحتها واختلاف طعمها، إلى تنوع اليد التي تصنعها، وتأثير البيت الذي تُنتج فيه، حتى كيفية احتسائها، إنه الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي تحل اليوم الأحد، 9 أغسطس، ذكرى وفاته الثانية عشر. ولد محمود درويش في 13 مارس عام 1941، بقرية البروة الفلسطينية، وتوفي في 9 أغسطس عام 2008، بمدينة تكساس التابعة للولايات المتحدة الأمريكية.



إعداد القهوة.. مطلب محمود درويش الشخصي

يتحدث محمود درويش في مطلع كتابه ذاكرة للنسيان عن القهوة، وكأنها ماءه اللازم لدوام حياته، فيقول: أريد رائحة القهوة، لا أريد غير رائحة القهوة، ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة، رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدمي، لأتحول من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه، لنمضي معًا، أنا وهذا النهار، إلى الشارع بحثًا عن مكان آخر.

يصل الأمر بالراحل إلى أن يُقصر مطلبه الشخصي من الحياة على إعداد فنجان من معشوقته، فيقول: أريد رائحة القهوة، أريد خمس دقائق، أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة، لم يعد لي مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة، بهذا الهوس حددت مهمتي وهدفي، وثبت حواسي كلها في نداء واحد، وأشرأبت عطشي نحو غاية واحدة: القهوة.

ويصف الشاعر الفلسطيني القهوة بكلمات رائعة: لمن أدمنها مثلي، هي مفتاح النار، لمن يعرفها مثلي هي أن صنعها بيديك، لا أن أتيك على طبق؛ لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة الأولى يفسدها الكلام الأول لأنها عذراء الصباح الصامت، الفجر، أعني فجري، نقيض الكلام.

وصفتي محمود درويش لصناعة القهوة

لم يكتف محمود درويش بوصف القهوة، ولكنه وضع دليلًا متكاملًا لصناعتها، فيقول: القهوة هي هذا الصمت الصباخي، الباكر، المتأني، والوحيد الذي قف فيه، وحدك، منع ماء ختاره بكسل وعزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء، وتسكبه على مهل وعلى مهل في إناء نحاسي صغير داكن وسري اللمعان، أصفر مائل إلى البني، ثم ضعه على نار خفيفة.. آه لو كانت نار الحطب.

ويكمل شاعرنا المهوس بهذا المشروب البني: ابتعد قليلًا عن النار الخفيفة، لتطل على شارع ينهض للبحث عن خبزه.. ثم عد إلى النار، وراقب بمودة وتؤده علاقة العنصرين: النار التي تلون بالأخضر والأزرق، والماء الذي يتجعد ويتنفس حبيبات صغيرة بيضاء تحول إلى جلد ناعم، ثم كبر.. كبر على مهل لتنتفخ فقاعات تسع وتتسع بوتيرة أسرع وتنكسر، تنتفخ وتنكسر عطشى لالتهاتم معلقتين من السكر الخشن، الذي ما أن يداخلها حتى هدأ بعد فحيح شحيح، لتعود بعد هنيهة إلى صراخ الدوائر المشرئبة إلى مادة أخرى هي البن الصارخ.. ابعد الإناء عن النار الخفيفة.

كانت هذه الطريقة الأولى لصناعة القوة في مطبخ محمود دوريش، أما الثانية: ملعقة واحدة من البن المكهرب رسى، ببطء، على الماس الساخن، حركها حريكًا بطيئًا بالملعقة، بشكل دائري في البداية، ثم من فوق لتحت، ضيف إليها الملعقة الثانية، حركها من فوق إلى تحت، ثم حركها حريكًا دائريًا من الشمال إلى اليمين، ثم اسكب عليها الملعقة الثالثة.

بين الملعقة والأخرى ابعد الإناء عن النار ثم أعده إليها، بعد ذلك "لقم" القهوة أي املأ الملعقة بالبن الذائب وارفعها إلى أعلى ثم أعدها عدة مرات إلى أسفل، إلى أن يعيد الماء غليانة وتبقى كتلة من البن ذي اللون الأشقر على سطح الماء، تموج وتتأهب للغرق. لا تدعها تغرق، أطفئ النار ولا تكترث بالصواريخ.. خذ القهوة إلى الممر الضيق، صبها بحنان وافتنان في فنجان أبيض، فالفناجين داكنة اللون تفسد حرية القهوة، راقب خطوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة.

قهوة "درويش" تكشف أسرار النهار

ويعتبر الشاعر الفلسطيني أن فنجان القهوة الأول هو مرآة اليد.. واليد التي صنع القهوة شيع نوعية النفس التي حركها، وهكذا، فالقهوة هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح.. والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.

سأشرب قهوتي الآن، سأشرب القهوة الآن، سأمتلئ برائحة القهوة الآن، على الأقل؛ لأعيش يومًا آخر، أو أموت محاطًا برائحة القهوة.

هل اكتفى محمود دوريش بذلك؟.. كلا؛ إنه يتعمق بشكل يذهلك ويؤكد أنه لا قهوة تشبه أخرى: أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي، أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها، لا قهوة تشبه قهوة أخرى، ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارق، ليس ‏هناك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليست مفهومًا وليست مادة واحدة، وليست مطلقًا.

لا قهوة تشبه أخرى.. تعرف على أنواعها بقلم محمود دوريش

لكل شخص قهوته‏ الخاصة، الخاصة إلى حد أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته، ثمة قهوة لها مذاق الكزبرة.. ذلك يعنى أن مطبخ السيدة ليس مرتبًا، وثمة قهوة لها مذاق الخروب.. ذلك يعنى أن صاحب البيت بخيل، وثمة قهوة ‏لها رائحة العطر، ذلك يعنى أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء، وثمة قهوة لها ملمس الطحلب في الفم، ذلك ‏يعني أن صاحبها يساري طفولي، وثمة قهوة لها مذاق القدم من فرط ما تألب البن في الماء الساخن، ذلك يعنى أن ‏صاحبها يميني متطرف، وثمة قهوة لها مذاق الهال الطاغي، ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة.‏

ويستطرد الشاعر العربي: لا قهوة تشبه قهوة أخرى.. لكل بيت قهوته، ولكل يد قهوتها؛ لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى.. وأنا أعرف القهوة من ‏بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية، ثم تتعرج وتتلوى وتتأود وتتأوه وتلتف على سفوح ومنحدرات، ‏تتشبث بسنديانة أو بلوطة، وتتفلت لتهبط الوادى وتلتفت إلى وراء، وتتفتت حنينًا إلى صعود الجبل وتصعد حين ‏تتشتت في خيوط الناى الراحل إلى بيتها الأول.

ويكمل محمود دوريش الحديث عن المعشوقة في كتابه ذاكرة للنسيان: رائحة القهوة عودة وإعادة إلى الشىء الأول؛ لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول، هى رحلة بدأت من آلاف السنين ‏وما زالت تعود.. القهوة مكان.. القهوة مسام سرب الداخل إلى الخارج، وانفصال يوحد ما لا يتوحد إلا فيها هى ‏رائحة القهوة.. هى ضد الفطام.. ثدى يُرضع الرجال بعيدًا.. صباح مولود من مذاق مر حليب الرجولة والقهوة ‏جغرافيا.

كيف تشرب القهوة على طريقة محمود دوريش؟

‏يقول الشاعر الفلسطيني، الذي رحل عن عالمنا في 9 أغسطس عام 2008، إن القهوة لا تشرب على عجل، هي أخت الوقت، تُحتسى على مهل.. على مهل.. القهوة صوت المذاق، صوت للرائحة.. القهوة أمل وتغلغل في النفس والذكريات.. والقهوة عادة لازمها بعد السيجارة عادة أخرى هي: الجريدة