من سفح جبل المقطم وقلب حي القلعة حيث المساجد والأضرحة العتيقة الممتدة في متصل تراثي إسلامي بديع تبتعد قليلا ل

قلعة صلاح الدين,جبانة المماليك,قرافة القاهرة,صحراء المماليك,مجموعة قايتباي,مجموعة ابن برقوق,جدل الأضرحة في شارع قنصوة,مشروع حماية وترميم جبانات القاهرة,المقريزي,المصريون والمقابر

الإثنين 28 سبتمبر 2020 - 02:29
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

آثاريون قلقون حول مصيرها..

متى تعود "قرافة القاهرة" تحفة للأنظار وملاذًا للعبرة والسكينة؟!

من سفح جبل المقطم وقلب حي القلعة حيث المساجد والأضرحة العتيقة الممتدة على مدد النظر، تبتعد قليلا لتعتلي إحدى المآذن الشامخة مشرعًا صدرك ليعبّ من الهواء العليل وما يحمله إليك من أنفاس الصالحين الذين عمّروا الديار.. وتحت سماء صافية تستدعي أحداثا كانت صحراء المماليك مسرحها.. تبدو القاهرة أمامك نسيجًا مترابطا بين البيوت والمآذن والقباب بكامل أبهتها وجلالها، ستدرك حينها لماذا أسماها الرحالة العرب بإحدى عجائب الدنيا السبع.

ظلت صحراء المماليك الممتدة لحدود العباسية والتي احتضنت قرافة القاهرةبأضرحتها ومساجدها وخلواتها ومدارسها وقصورها؛ متنفسًا للمصريين والرحالة العرب على حد سواء؛ فلم تكن القرافة التي ظهرت منذ تأسيس مدينة الفسطاط بدخول الإسلام لمصر، مجرد مقابر خاوية للأموات بل مدن عامرة روحانية يغدق عليها السلاطين من أموال الوقف ويفر إليها المصريون للتضرع في أوقات الشدائد، ويتنزهون فيها أوقات التبرك والأعياد، ويجد أهل الله فيها مبتغاهم.

 

وعادت قرافة القاهرة لدائرة الأضواء والجدل، بالتزامن مع مشروعات عمرانية كبرى تشهدها البلاد لإزالة العشوائية وتغيير وجه مصر، ولكنها تضمنت محاور تقطع تلك الجبانات ومنطقتها العتيقة. 

في المقابل كان بيان وزارة الآثار منصبًا على عدم المساس بالمباني المسجلة فحسب، دونما إشارة للأضرحة والمساجد غير المسجلة كآثار – بلا سبب واضح- ومنها أضرحة الجبرتي والسيوطي وابن عبدالسلام، كما لم تشر الوزارة للمباني ذات الطابع الخاص والتي لم يمر عليها مائة عام وتخضع لقانون التنسيق الحضاري، ومنها أضرحة تخص أعيان مصر في الحقبة الليبرالية من رواد الحركة الوطنية، وقد تأثر بعضها بالمشروعات الأخيرة للمحاور ومنها: ضريح المفكر المصري أحمد لطفي السيد، أول مدير لجامعة القاهرة، ضريح رئيس الوزراء الأسبق حسن صبري، ضريح أحمد عبود باشا أول مصري التحق بمجلس إدارة قناة السويس، ونازلي حليم حفيدة محمد علي باشا، وهو ما يذكر بما جرى لأضرحة المقريزي وابن خلدون وغيرهما خلال التوسعات عند باب النصر تجاه باب الشعرية قبل عشرين عاما، وما جرى أيضا خلال توسعة شارع صلاح سالم.

 

 

مقابر صحراء المماليك كنز مصري إسلامي

 
 

تحتوي القاهرة على خمس مناطق للدفن وتنقسم لمجموعتين تقع الأولى إلى الجنوب الشرقي من المدينة وتضم جبانات: البساتين والتونسي والإمام الليثي وسيدي أبو الوفا وسيدي الشاطبي والإمام الشافعي وعمر بن الفارض والمماليك والسيدة نفيسة. ويحدها من الشرق تلال المقطم، ومن الجنوب منطقة البساتين الصناعية، ومن الشمال القلعة وجامع ابن طولون.أما المجموعة الثانية فتقع في الشمال الشرقي وتبدأ عند سفح القلعة وتضم من الجنوب إلى الشمال الشرقي جبانات: باب الوزير والمجاورين والقرافة الشرقية للمسلمين وقايتباي والغفير، ويحد هذه المجموعة من الشرق طريق الأوتوستراد ومنشأة ناصر على تلال المقطم، ومن الغرب طريق صلاح سالم، ومن الشمال الشرقي مدينة البعوث.

 

تضم صحراء المماليك روائع العمارة الإسلامية المملوكية كمجموعات قايتباي وبرقوق و إينال و قرقماس، تجاورها قباب منفصلة، كما تضم أضرحة المتصوفة الكبار كالإمام الشافعي والليث بن سعد وسيدي عقبة بن عامر وسيدي الشاطبي إلى جانب أضرحة آل البيت السيدات نفيسة ورقية وعائشة ثم نأتي لأضرحة آل البيت؛ وضريح تاسع السلاطين المماليك الأشرف خليل، وأشهر ملكات مصر شجرة الدر، وعلى مقربة من ضريح الإمام الشافعي يوجد حوش الباشا الذي يحوي مدفن محمد علي وأسرته ومدافن المماليك الذين قتلهم.كما يضم خلوات للمتصوفة ومدافن مستقلة على هيئة قباب لأمراء المماليك تتابع في تناغم جميل في القرافة الشرقية.

فلسفة العمارة في أضرحة القرافة المملوكية

وتراث القاهرة المعماري سلسلة طويلة من الإبداع والتي لا يصل إليها أحد إلا بالخوض في دروب القاهرة وشوارعها وحاراتها وقرافاتها، وقد اهتم المستشرقون برصد الإرث الحضاري للقرافة ومن امثلة ذلك أرشيف متحف بوسطن للفنون الجميلة العامر برسوم المستشرقين عن قرافات القاهرة، بالإضافة لعمارتها الإسلامية وكونها شاهدًا على أيام المصريين.

قبة ابن برقوق
قبة ابن برقوق

يشير محمود مرزوق، باحث الآثار المصرية، إلى فلسفة نقوش القرافات والتي نراها مثلا في ثنائية الذهبي والأزرق بضريح رمزى بك كبير الياوران للخديوى اسماعيل ورمزيتها الإسلامية للخلود والجنة. ويضاف لذلك استخدام الخط العربي وتدوين عبارات وآيات الذكر وأسماء أصحاب كل مقبرة في رنك كتابي وكانت تلك من طقوس المماليك في كتابة اسم السلطان كاملا.

 
 

كانت أضرحة المماليك تشبه مساجدهم مكونة من إيوانات أربعة ملتفة حول صحن مكشوف، وتتخذ المآذن الشكل المربع الذي يرمز إلى الأرض، وشكل اسطواني يرمز إلى السماء، وهنا تكمن عظمة الفن الإسلامي.

لقد ارتبطت صحراء المماليك بما يعرف بعمارة الخلاء – بحسب الآثاري سامح الزهار- وهي المتلائمة مع طبيعة المكان ووظيفة البناء المرتبطة بالأضرحة؛ وبتتبعها نستطيع فهم مجريات الأحداث في كل عصر؛ ولهذا تولي الدول المتحضرة عناية فائقة بالأضرحة والمباني الدينية العتيقة وتخصص لها برامج لجذب السياحة في الداخل والخارج.

هل يستمر مشروع حماية الجبانات وتوثيقها؟

لا مجال لإنكار المشروعات الهامة التي تبنتها الدولة لانتشال تلك المنطقة من عشوائيتها الشديدة وتحول أجزاء منها لبؤر للإجرام، بالإضافة لتهديد المياه الجوفية لآثارها، وتزايد المخلفات، وتزايد أعداد السكان للمقابر ما يصعب مهمة تحويلها لمزار ديني، فكان مشروع حماية الجبانات وتوثيقها وترميمها والذي قاده جهاز التنسيق الحضاري بالتعاون مع الجهات المعنية، ويقوم على ربط المقابر المملوكية بمجمع الأديان والمتحف مع تخليصها من المقابر العشوائية وتحديثها.

مجموعة قايتباي طالها الترميم
مجموعة قايتباي طالها الترميم

وبدأ العمل بالفعل في المنطقة الأولى (الغفير، المجاورين، قايتباى، الشهداء) المعروفة بصحراء المماليك، وهى المنطقة التى تقع فى منطقة الحماية (أ)، و مدرجة ضمناً في القاهرة التاريخية كتراث عالمى. وكان من ميزات المشروع أنه يهتم أيضا بالمقابر ذات القيمة الأثرية – وغير المسجلة- طبقا لقانون رقم 144 لسنة 2006 وقد تم رصد وتوثيق أكثر من 605 مقابر بالفعل، لكن هل تأثر المشروع بالخطط الأحدث للتعمير ونصب الكباري وتوسعة الطرق خاصة وأنه كان يستهدف حي البساتين والسيدة عائشة كمراحل لاحقة، لم تجب الحكومة!

"اللجان" تعوق تسجيل تراث القاهرة الإسلامي 

يرى سامح الزهار، الباحث الآثاري البارز، أن عدم تسجيل عدد كبير من الآثار المصرية، لأسباب بيروقراطية تتعلق باللجان، بالإضافة لغياب التنسيق الكامل بين الأجهزة المعنية، أمرُ قد بات يهدد عشرات المباني ذات القيمة التاريخية، ويحرم الأجيال المقبلة من معاينتها كجزء من الذاكرة الوطنية بحجة عدم مرور 100 عام، وتساءل لماذا لم نطبق المبدأ نفسه على منزل جمال عبد الناصر الزعيم الوطني؟!.

 

ويؤكد "الزهار" أن الإنسان هو حامي المدينة بضلعيها الزمان والمكان، وأن أعمال الهدم الأخيرة في صحراء المماليك وما يتوقع من كثافة في مرور السيارات في حرم الآثار يهدد سلامتها واتصالها القديم، وعادة فإن المدن التراثية تحتاج لحوار مجتمعي قبل الشروع في تطويره يجمع الخبرات لإبداء أفضل الحلول في التنفيذ، بدلا مما نراه حاليا من قبة مبهرة مثل قنصوة بن سعيد التي سمي الشارع باسمها وهي تقف وحيدة في مواجهة المحور الجديد. أما وإن المشروع بدأ بالفعل في تلك المنطقة فيمكن اتخاذ التدابير لعدم المساس بالاضرحة الهامة التراثية، أو تفكيكها ونقلها بحرفية كاملة لمنطقة مجاورة لها نفس الطابع كما تم مع مجموعة قرقماس من قبل، أو نقل معبد أبي سمبل وهي الواقعة الأشهر والأبرز.  

ونسيج القاهرة المترابط هو ما تؤكده أيضا الدكتورة رضوى زكي صاحبة "مصريات عربية" مشيرة لأهمية الحذر في التعامل معها، لأن أي تهديد يلقي بظلاله على بقاء المدينة المسجلة كتراث عالمي في لوائح اليونيسكو، إضافة لكونها عاصمة الثقافة الإسلامية هذا العام وهي فرصة للفت نظر العالم إليها، ولهذا تقترح أن يشارك خبراء الآثار في تطوير منطقة القرافة المملوكية وبعضهم ساهم في التخطيط وترميم تلك المنطقة ويعرف قيمتها وأسس صيانتها.

قرافة عتيقة بلا مطاعم سياحية ولا "قباب" موسيقية!

محمود مرزوق، الباحث في الآثار المصرية، أكد أن هذه المنطقة متصل تراثي لا يمكن التعامل معها بشكل مفاجيء، وقرافة مصر ظلت موجزا لتاريخ الأفكار، وصراع الهويات في مصر، فمثلا نرى في مقبرة محمد عبد الحكيم مرزوق وهي على الطراز الفرعوني كما كان ضريح سعد زغلول أيضا، وكان ذلك في مقابل التيار التابع للخلافة العثمانية ومع بداية علو نزعة مصر للمصريين وظهور الكشوف الأثرية.

مجموعة ابن برقوق
مجموعة ابن برقوق

ويتحفظ الأثري المصري على فكرة تسليع الأثر الرائجة حاليًا، وتحويل مدينة الأضرحة والمزارات الدينية لما يشبه الملاهي السياحية التي تنتشر فيها المطاعم والفنادق وتفقد المدينة طابعها العتيق الأثري، ضمن ربط الآثار بالسياحة، كما يحدث الآن في شارع المعز لدين الله الفاطمي، والذي تحولت الساحات امامه لبازارات ومقاه وكافيتريات بإضاءات حديثة، بما يهدد طبيعة المكان الروحانية والأثرية.

وفي رأي "مرزوق" فإن توسعة الشوارع وشق الطرق وتدشين المحاور قد يخلخل الأثر والحل لا يكمن في التوسع بنقل القباب والأضرحة ذات القيمة التاريخية، حتى لو نجح ذلك من قبل بشكل محدود أسوة بقبة قرقماس التي كانت متاخمة لمسجد الحاكم بأمر الله، وإلا أصبحنا أمام "القباب الموسيقية"، لأن ذلك يهدد سلامة الأثر وينقله من هويته المكانية، والتنسيق بين الحكومة والجهات المعنية بالتنسيق والآثار من شأنه إيجاد حلول مبتكرة دائمًا لعدم تعريض قرافات مصر للخطر. 

أماكن العبر والزيارة وليس الدفن فقط

ومن جانبه يؤكد الدكتور أبو العلا خليل، مؤرخ الآثار الإسلامية، أن التاريخ يحدثنا أن ‘ القرافة ‘ هي أول ما أوقفه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأهل مصر، واشترط بقاءها في صورتها الأصلية، مشيرا إلى أن النظرة للمقابر علي إنها أماكن دفن وتوثيق ماهو أثري وإغفال دونها هو غبن وجرم عظيم فالمقابر عند أهل مصر كانت أماكن عبر وعظة للأحياء يتناوبون زيارتها فرادي وجماعات حتي كان لهم شيخ يسمي ‘ شيخ الزوار ‘ يقف علي كل قبر يسترجع سيرة صاحبه وحياته . 

حوش الباشا
حوش الباشا

وكان عند أهل مصر أماكن تقصد بالزيارة عدها العلماء سبعة وصنفوا فيها المصنفات الكبار وجعل لها السخاوي فصلا سماه ‘ اللمعة في زيارة السبعة ‘ ظهرت كتب المزارات التي تحض علي زيارة القرافة مثل كتاب ‘ مرشد الزوار الي قبور الأبرار ‘ لمؤلفه موفق الدين بن عثمان المتوفي عام  615 هجريا، ولازالت مثل قبور هؤلاء الأعلام قائمة ظاهرة عيانا وأغلبها يشكو الإهمال وعدم الرغبة في المعرفة .

قبة خديجة-تربة بني الجيعان
قبة خديجة-تربة بني الجيعان

 

ويبدي "خليل" تخوفه من تأثير امتدادات الكوبري القادم من عين الصيرة على خانقاه الأمير بكتمر الساقي صهر السلطان الناصر محمد بن قلاوون وجامع السادات الوفائية ويليه قبر سيدي أبوالعباس البصير من العصر الأيوبي ويليه من ذات العصر زاوية سيدي أبوالسعود بن أبي العشائر، وكلها أصبحت مهددة حاليا بفعل التوسعات، ويتفق على أهمية تبني الدولة لمشروعها القومي لحماية الجبانات من الاندثار، والإسراع في وتيرته.

 

قرافة القاهرة .. سيرة السلاطين والصالحين في التربة الطاهرة

 

قبة هندي-تصوير محمود مرزوق
قبة هندي-تصوير محمود مرزوق

القرافة رقعة واسعة بالفسطاط أول عاصمة إسلامية لمصر، حين فتحها عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكانت لبطن من قبيلة المعافر تدعى قرافة، وقد نزل أهلها بمصر، ثم حولها الخليفة لمقبرة للمسلمين. 

يقول المؤرخ المقريزي حسبما ينقل لنا الآثاري د.محمد حمزة في عمله الفريد "قرافة القاهرة": والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحُجَرها، ولا أعجب تربة منها، كأنها الكافور والزعفران، مقدسة في جميع الكتب، وحين تُشرف عليها تراها مدينة بيضاء، والمقطّم عالٍ عليها كأنه حائط من ورائها.

ولقد رغب المسلمون في الدّفن بجبل المقطّم وسَفْحِه بمصر؛ ويرجع ذلك إلى عوامل معنوية ومادّية؛ فالمعنوية ما أشار إليه المؤرخون من أنّ المقوقَس (عظيم القُبط) أراد أن يشتريَ من عمروٍ بن العاص (والي مصر وقتئذٍ) جبل المقطّم بسبعين ألف دينار؛ لأنهم قرأوا في كتبهم أنّ به غِراس (شجر) الجنّة، فأبقاها المسلمون لهم بدلًا من بيعها للمقوقس؛ لكي يدفنوا فيها موتاهم، ثم أقطع عمرو بن العاص للمقوقس جزء تجاه بركة الحبش ليكون مقبرة للنصارى.

 

كان سفح المقطم يبعد عن نهر النيل في الغرب ويرتفع فوق مياه الفيضان وعن تاثير الرطوبة والرشح مما يجعل ارضه جافة صالحة لدفن الموتى، وكان لطبيعة السفح المرتفعة المطلة على القاهرة دور في اتخاذ صلاح الدين منها مكانا لتأسيس قلعته الشهيرة.

 القرافة.. قصور وأربطة وقناطر!

يقول السخاوي: لما جاء خلفاء الفاطميين إلى الديار المصرية، ونزلوا بها واختطوا القاهرة، اتخذوا القرافة الكبرى سكنًا، وبنوا فيها المساجد والقصور، والصهاريج، ونزل غالبهم بها، وضاقت بهم، فأصابها عين الحاسد، بحريق مصر والجامع العتيق وجامع الأولياء، أي: جامع القرافة، ثم حصل في الدولة المستنصرية 1036-1094م الغلاء العظيم، فخرب غالب المعمور بها، ثم جاء الفناء فخرب الباقي.

وشهدت منطقة القرافة إنشاء الأربطة وهي دور يسكنها اهل طريق الله، وأصبحت منشآت للرعاية الاجتماعية لأفرادها تمنحهم الإعاشة الكاملة وتكفيهم مذّلة السؤال وتثقف الرجال والنساء بأمور الدين، وكانت أربطة النساء في العصر الفاطمي على هيئة بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتسكنها الأرامل والعابدات والعجائز.

من داخل قناطر ابن طولون
من داخل قناطر ابن طولون

كما أقيمت في منطقة القرافات القصور لأمراء المماليك والتي تحوي في كل منها حوض ماء لشرب الدواب وفسقية وبساتين ومناظر، وقد بنت السيدة تغريد أم العزيز بالله في عام 976م قصر القرافة فكان الأجمل والأعلى شأنًا في زمانها.ثم في 1126م أم الخليفة الآمر بأحكام الله بتجديد قصر القرافة وعمل تحته مصطبة للصوفية ومد لهم الأسمطة بأشهى الأطعمة.

كما أقيمت القناطر والأحواض والآبار كجزء من عمران القرافة، ومن أشهرها قنطرة أحمد بن طولون المتوفي 872م، حسبما يذكر المقريزي.

ثم شهدت القرافة نشاطا ملحوظا في العصر الأيوبي خاصة زمن السلطان صلاح الدين الأيوبي المتوفى 1193م والملك الكامل محمد المتوفى 1238م في سلطنة أبيه الملك العادل أبي بكر.وقد عني صلاح الدين بعمارة مقبرة الإمام الشافعي بدرجة كبيرة، وأوقف لها حماما وفرنا وحوانيت بظاهرها، وأنشأ مدرسة للعلوم الشرعية وكانت تجذب الطلاب من أنحاء شتى، وقد أراد بذلك تعمير القرافة بعدما أصابها الخراب وهجرها سكانها في نهاية العصر الفاطمي، بحريق الفسطاط وجامع القرافة، وهو ما حدث بالفعل كما يشير المقريزي.ثم أمر الملك الكامل محمد ببناء القبة العظيمة على قبر الشافعي وبلغت النفقة عليها خمسين ألف دينار مصرية وأجرى لها الماء من بركة الحبش.

ماذا قال الرحّالة عن قرافة المماليك؟

قرافة مصر جاء ذكرها في كل كتب الرحالة المصريين والعرب والأجانب، ولقد ذكرها علماء الحملة الفرنسية في "وصف مصر" الجزء الأول بأنها " سهل مزروع بالمقابر وفي كل مكان ستتجلى فنون العمارة". وقد وصف ليون الإفريقي ما شاهده من قباب السلاطين في قرافة صحراء المماليك بقوله: "وفي خارج الحاضرة المسورة أضرحة السلاطين وهي جميلة متقنة الصنع، شامخة البنيان ذات قباب كبيرة.."

من رسوم المستشرقين لقرافة القاهرة
من رسوم المستشرقين لقرافة القاهرة

وكان الرحالة يحلون بالقرافات ويتزودون ببركتها ومنهم الرحالة التجيبي والعبدري، فكان التجيبي يصف روضة الإمام الشافعي بأنها من أعظم الروضات التي رأيناها احتفالت وعظما وزخرفة، وقد احتوت على أركان أربع مزخرفة بالذهب الإبريز، تخلب لب الناظر إليها لحسنها ولا أظن أحدا يأتي بمثلها، وهي القبة التي عمرها السلطان الكامل محمد وجر الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل والسقاية بظاهر الضريح وكانت تتصل بها مدرسة عظيمة عامرة بطلبة العلم.

ويقال مثل ما يقال عن قبر السيدة نفيسة والذي يقصده الناس للتبرك ويصف الرحالة البلوي ابوابه الهائلة البديعة وبينها فضاء واتساع تجري بينها مياه عذبة، ولهذا لم يكن غريبًا أن نجد أشهر الرحالة والمتصوفة يستقرون بقرافة مصر ويدفنون فيها أو تقام لهم شواهد على أرضها ومنهم سلطان العلماء العز بن عبد السلام وابن خلدون والمقريزي وغيرهم. 

ويذكر الرحالة ابن سعيد أنه بات ليال كثيرة في القرافة، وأن بها منازل لأعيان الفسطاط والقاهرة، وأنشد ابن سعيد أبياتًا رائعات يقول فيها: 

إن القرافة قد حوت ضدّين من   دنيا وأخرة فهي نعم المنزل يغشى الخليع بها السماع مواصلًا     ويطوف حول قبورها المتبتل كم ليلة بتنا بها ومدامنا      لحن يكاد يذوب منه الجندل

وكتب ابن بطوطة أن أهل مصر يبنون بالقرافة القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدور، ويبنون بها البيوت، وفيهم من يبني الزاوية والمدرسة إلى جانب التربة.

بل إن القرافات كانت سكنًا  للوزراء ومنهم الوزير شمس الدين محمد بن السلعوس الذي استقر في الوزارة 1291م وتحول من القاهرة وسكن القرافة، وعندما قدمت ابنة صاحب فاس 1434م تريد الحج نزلت هي ومن معها بالقرافة بالقرب من مسجد الفتح ، كما ذكر المقريزي في "السلوك". 

جبّانة المماليك .. مسجد للمصلّين وخانقاه للمتصوفة

كانت القرافات تمثل جانبًا دينيا هاما، وكان جامع القرافة ثاني الجوامع الفاطمية بعد الجامع الأزهر، ورابع الجوامع التي أقيمت فيها صلاة الجمعة في مصر، بعد جامع عمرو بن العاص وجامع ابن طولون والجامع الأزهر وجامع القرافة، كما ذكر المقريزي في خططه.

كانت خانقاه سعيد السعداء وهو أحد خدام القصر من الأساتذة المحنكين زمن الخليفة الفاطمي المستنصر، هي أول خانقاه يلتحق بها المتصوفة في القرافات، ولما جاء صلاح الدين اتخذها للفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشامية وأوقف لها أموالًا كثيرة وبنى مدرسة للفقه الشافعي.

قبة الشافعي
قبة الشافعي

وقد حرص سلاطين المماليك الجراكسة على أن يدفنوا في الصحراء على الرغم من وجود منشآتهم الدينية داخل القاهرة والتي تحوي مدافن لهم، ولكنهم كانوا يتبركون بمشايخ الصوفية في آخرتهم، ومصداق ذلك ما اوصى به السلطان الظاهر برقوق المتوفى 1399م من أن يدفن تحت أقدام المتصوفة في الصحراء.

كانت القرافات تخدم قطاعات من الناس، ومن ذلك حلقات الدروس التي كان يقيمها عبد اللطيف البغدادي  ابن اللباد والمقامة في مسجد الحاجب لؤلؤ بالقرافة، كما أقيمت أربطة لتعليم النساء وتفقيههن في الدين. 

وبرغم بعض الإشارات الهامة من المؤرخ ابن خلدون وغيره من الفساد المستشري في عصر المماليك والذي دفعهم للتوسع في منح أبنائهم أوقاف المدارس والخانقاوات .

وكانت أيضا تلك المساجد يحضرها الصوفية ويقيمون فيها قراءاتهم ودروسهم وابتهالاتهم وقد زاد السلطان قايتباي في وظيفة التصوف تلك، كما أقيمت معابد مصغرة ملحقة بالمساجد في جبل المقطم ينقطع فيها العباد. 

المصريون يتنزهون بين المقابر!!

ليست عادة الأسر المصرية القديمة بزيارة المقابر في العيد طقسًا من فراغ؛ فقد كانت قرافة مصر قبل العصر المملوكي من مواضع النزهة للعائلات وبخاصة في المناسبات والأعياد وليالي الوقود الأربع ومنها مطلع رجب ونصف شعبان، وكان المصريون يتصدقون ويترحمون على موتاهم ثم ينصبون الخيام ويطلبون اللهو المباح، وفي ليالي الجمع كانت اللحوم توزع على الفقراء، فكان بعضهم يجتمع عند الجوسق المادراني ويوقدون وقودا عظيما في ليلة النصف من شعبان ويتحلقون لقراءة القرآن بل وكان الخليفة المعز يزور المشاهد بالقرافة في ركوب أول العام والذي يمتد فيه السماط وتوزع الدنانير.

 

كما ذكر ابن ميسر في "أخبار مصر" تلك الفتن في أيام عاشوراء عند مشاهد الشيعة فتغلق الدكاكين وتعطل الأسواق. 

 
 

ولقد ذكر ابن سعيد أن القرافات كانت أشهر متنزهات المصريين، وقد زار مصر في عهد نجم الدين أيوب، واستمر الحال في العصر المملوكي  وكان المصريون يذهبون للقرافات ومعهم الريحان والزهور ويقيمون الولائم ومعهم اولادهم ونساؤهم ، كما تحدث المؤرخون عن حالات الخروج عن مراعاة حرمة القرافات والتي كانت الدولة تقف لها بكل حزم.

لجوء السلاطين للقرافة وإحسانهم لأهلها

كان السلاطين ومنهم السلطان برقوق يزور القرافة ويتصدق على المساكين وأوقاف أوقافا عظيمة لمكاتب الأيتام بالقرافتين، وكان السلطان برسباي ينزل للقرافات ليتبرك بعد كل وعكة تصيبه  ورمم ضريح زاوية ذي النون وأضاء المصابيح.  وكذا السلطان جقمق وابن اينال  وكان السلطان قايتباي بحسب ابن إياس في "بدائع الزهور" هو أول من أقام مولدا في المشهد النفيسي  ودعا إليه الخليفة والقضاة وأعيان الناس  وجدد مزار اخوة يوسف وهو ما فعله ابنه محمد ثم السلطان الغوري وطومانباي وكان كل منهما يفرق صرر القمح والغلال على فقراء القرافات وخاصة عند الإمام الشافعي والليث. 

ومن المظاهر الاجتماعية التي ارتبط حدوثها بصحراء المماليك، ما ورد كثيرا بشأن خروج السلطان والرعية إلى الصحراء عند قبة النصر أو خلف تربة الظاهر برقوق من أجل الدعاء إلى الله تعالى أو إقامة صلاة الاستسقاء عقب ظهور الاوبئة والطواعين أو توقف زيادة النيل وما يتبعها من حلول الجدب والفناء وكثرة الموتى، وقد جرى ذلك إبان الوباء الأسود الذي اجتاح البلاد 1348م ، أو الموكب العظيم الذي اشترك فيه السلطان المؤيد شيخ 1419م لما اشتد الغلاء والفناء وفشا الطاعون، بحسب"قرافة القاهرة" للدكتور محمد حمزة.

مجموعة المؤيد شيخ
مجموعة المؤيد شيخ

وقد شهدت القباب وبخاصة قبة النصر حوادث مؤلمة كثيرة كقتل المماليك والأمراء لبعضهم ومنهم الأمير أرغون شاه الذي قتل 1376م وعدد من أمراء الأشرف شعبان بن حسين  وتكرر الأمر في عهد أولاد وأحفاد السلطان الناصر بن محمد بن قلاوون، وكان الأمراء يخرجون إليها ويتعاركون مع السلطان الذي يريدون خلعه وتوليه أخيه، ليلبي مطالبهم، وقام الناصر فرج بن برقوق بمحاربة الأمراء الخارجين عليه هناك بالقرافة أيضا 1401م واستمر الأمر حتى عندما دخل السلطان العثماني سليم كان طومان باي ودارت معارك مقاومة مشهودة من قبل المماليك وعموم المصريين قبل أن تنتهي بهزيمة طومان ومقتل خلق كثير من جنده بشكل وحشي ومن ذلك ما كان أمام تربة الأشرف قايتباي، حسبما نقل ابن إياس في "بدائع الزهور" وهكذا انتهت دولة المماليك على أرض هذه القرافة التي اختاروها لتكون مثوى لرفاتهم.