إن غاب وطنهم في احتضناهم ووهبهم الفرص التي يستحقونها فإن مصر هي وطن الجميع وأرض الفرص..المزيد

اليوم الجديد,مصر,القاهرة,برامج,المصريين,الخارج,انفجار,مسلسل,الإسكندرية,رئيس الوزراء,حادث,الثقافة,الهجرة,دار الأوبرا,الأمن,نتيجة,لبنان

الإثنين 21 سبتمبر 2020 - 08:00
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

مصر وطن اللبنانيين.. قصة قرن ونصف من دعم مصر لجميلة العرب

المساعدات المصرية للبنان
المساعدات المصرية للبنان

"إن غاب وطنهم في احتضناهم ووهبهم الفرص التي يستحقونها، فإن مصر هي وطن الجميع وأرض الفرص لأبناء الوطن العربي". هكذا يتلخص دور مصر مع الشعب اللبناني منذ إقامة دولة لبنان بعد انهزام الدولة العثمانية، ففي ظل الانتداب أو ما يعُرف بالاحتلال الفرنسي لم يجد مبدعو لبنان أي فرصة في وطنهم في ظل سيطرة لأبناء باريس، ما دفعهم للهجرة إلى مصر ليسطرون مجدًا لهم في أرض الكنانة.



لذا فأن المساعدات التي قدمتها مصر إلى لبنان "جميلة العرب"، بعد حادث انفجار مرفأ بيروت، تعد أحدث حلقات مسلسل احتضان مصر للشعب اللبناني، لما لا ومصر هي التي استقبلت هجرة شعوب الشام إلى مصر وعلى رأسهم العقول اللبنانية المبدعة التي هربت من اضطهاد ديني في عهد العثمانيين نهاية القرن التاسع عشر، وهروبا من احتلال فرنسي في النصف الأول من القرن العشرين.

ويرصد "اليوم الجديد" التاريخ الحافل للبنانيين منذ قرن ونصف، عاشوا في مصر وغرسوا نبتتهم الإبداعية في أرض خصبة تنمي الإبداع، فداوت مصر مشقة رحلتهم من ظلال الأرز إلى وادي النيل، والبستهم ورود النجاح والتميز.

 

 

لماذا هجر اللبنانيون بلادهم إلى مصر

شهدت بلاد الشام خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حركة هجرة متزايدة إلى مصر، وذلك بعد أن أدت الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها المنطقة في ذلك الوقت إلى تكريس حالة من انعدام الأمن والاستقرار وتفشي سیاسة

القمع والاستبداد التي مورست بشكل سافر من قبل الولاة العثمانيين، هذا فضلا عن تراجع الأحوال المعيشية للسكان الأمر الذي دفع بأعداد كبيرة من أبناء بلاد الشام إلى اتخاذ قرار الهجرة بحثا عن بيئة أكثر قدرة على تلبية شروط حياة أفضل مما هو عليه الحال في بلادهم.

وبحسب دراسة تحمل عنوان: "هجرة الشوام إلى مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين"، الباحث ماهر درويش، فأن حركة الهجرة إلى الخارج نشطت نتيجة الأسباب التي ذكرناها،  وكانت مصر من أولى الجهات التي هاجر إليها الشوام.

وأرجع الباحث هجرتهم إلى مصر لما وجدوه فيها من استقرار سياسي وازدهار اقتصادي وحرية نسبية أتاحها النهج الإصلاحي للدولة الخديوية التي قطعت شوطا متقدما في خطط التحديث والإصلاح التي ابتدأت منذ عهد محمد علي باشا واستمرت بعد تولي أبناءه من بعده، وخصوصا في عهد الخديوي إسماعيل الذي عمل بدوره على استقطاب المثقفين والمتعلمين من مختلف الجنسيات

إلى مصر للمساهمة في تنفيذ برامج الإصلاح والتحديث التي سعى من خلالها إلى بناء دولة عصرية تحاكي النموذج الأوروبي في مختلف جوانبها الإدارية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

 

 

 

اللبنانيون رواد الصحافة في مصر

يقص الكاتب فارس يواكيم في كتابه "ظلال الأرز في وادي النيل: لبنانيون في مصر"، قصة بروز اللبنانيون في ميدان الصحافة، حيث أصبحوا روادًا لا يشقّ لهم غبار.

واستدل الكاتب بجريدة "الأهرام" التي أنشأها الأخوان اللبنانيان سليم وبشارة تقلا، وصدر العدد الأول منها في 5 أغسطس 1875.

تاريخ كبير قدمه أبناء تقلا، اكمله بعدهما الصحفي الأديب أنطون الجميل الذي تولى رئاسة التحرير وجعل لغة "الأهرام" أقرب إلى الإنشاء الرصين منه إلى اللغة الصحافية الحيوية.

واستكمل الكاتب سرده لقصة اللبنانيون مع الصحافة، مستشهداً بدار الهلال التي وضع حجر أساسها، جرجي زيدان، حين أصدر أولى مطبوعاتها مجلة الهلال 1892، وكان يحررها بمفرده وينشر فيها فصولاً من كتبه التي أصدرها تباعًا.

كما تم ذكر نجاح  روز اليوسف، وصحفيو جريدة المقطم اليومية وهم: شاهين مكاريوس وفارس نمر ويعقوب صروف،  وكانا الثنائي الأخير قد نشرا سابقاً مجلة المقتطف في بيروت، وحملاها معهما حين جاءا إلى مصر.

ورصد "يواكيم" عشرات الاسماء التي تميزت في الصحافة، كما تطرق إلى العنصر النسائي على رأسهم مي زيادة التي هاجرت مع أبيها عام 1911 ولمع اسمها في القاهرة كأديبة. وبعد موت والدها اضطرت إلى تحمُّل مسؤولية جريدته "المحروسة" وإلى جانب شهرتها كأديبة وصحافية، اشتهرت أيضًا بـ "ندوة الثلاثاء' التي كانت تضمّ نخبة بارزة من سياسيين وأدباء، يجتمعون في منزلها فتدير بينهم جلسة حوار.

 

 

فرق مسرحية شامية تغزو الثقافة المصرية

أستمر قطار الثقافة اللبنانية في طريقه الصحيح على القضبان المصرية، فقامت فرقة سليم النقاش بإنشاء أول فرقة مسرحية من بلاد الشام، وقامت بترجمة بعض الأعمال المسرحية لتقوم فرقته التي قام بجلب أعضائها من بلاد الشام بعرضها.

وقدمت العديد من المسرحيات على مسرح زيزينيا في الإسكندرية منها مسرحية " أبو الحسن المغفل، ومسرحية " السليط الحسود " و "مي " و " الكذوب" و "الظلوم"، وقد انسحب سليم النقاش من الفرقة بعد سنة من تواجدها في مصر وأصبح يهتم بالترجمة، ومن ضمنها ترجمة المسرحيات لهذه الفرقة التي أصبحت تعرف باسم "فرقة يوسف الخياط".

وستمرت بتقديم العروض المسرحية في الإسكندرية حتى سنة 1878م ثم انتقلت إلى القاهرة وأقامت فيها لتبدأ بعرض مسرحياتها على دار الأوبرا المصرية بإيعاز من الخديوي إسماعيل الذي حضر عددا من عروضها، وكان لانتقالها إلى القاهرة أن أدت إلى جذب عدد من المصريين لمتابعة أعمالها المسرحية فساهمت في التعريف بهذا الفن بدرجة كبيرة.

أما الفرقة التي كان لها الدور الأهم في إيصال الفن المسرحي لأكبر عدد من شرائح المجتمع المصري، فكانت" فرقة سليمان القرداحي" الذي انفصل عن يوسف الخياط في سنة 1882م وألف فرقة في الإسكندرية عرفت باسمه، وضمت لأول مرة ممثلين من الشوام والمصريين على السواء.

وقد استهل عروضه بمسرحية شهدها الخديوي توفيق وكبار رجالات الدولة منهم رئيس الوزراء أحمد عرابي ورئيس مجلس الأمة سلطان باشا وبعض قناصل الدول الأجنبية.

ولاقت هذه الفرقة نجاحا كبيرا فكان الخديوي والعديد من الوزراء والأعيان يداومون على حضور عروضها من فترة لأخرى ويقدمون لها الدعم لمواصلة نشاطها و عرض مسرحياتها في باقي المدن المصرية.

 

 

الدولة المصرية تقدم إعانة للفنانين اللبنانيين

في سنة 1887م قدمت الحكومة المصرية لفرقة سليمان القرداحي إعانة قدرها 400 جنيه مصري لتقوم بجولة في عدد من المدن المصرية، فقامت بعرض مسرحياتها في دمنهور وحلوان وطنطا والزقازيق و المنصورة والمحلة الكبرى.

 وفي سنة 1894م  أقام سليمان القرداحي مسرحه الخاص في الإسكندرية بعد أن منحته الحكومة قطعة، وهو ما يعكس قيمة الدولة المصرية في الاهتمام بالكنوز الإبداعية اللبنانية واعطائهم الفرصة وتوفير مناخ جيد ودعم مادي ومعنوي لم يكن يجدوه في لبنان بسبب حصول الفرنسيين على تلك الإمتيازات.