فعلها يحيي حقي في القرن الماضي من عام 1968 عندما تحولت روايته قنديل أم هاشم إلي قصة سينمائية سيناريو وحوار ص

الأطفال,بركة,يسرا

السبت 28 نوفمبر 2020 - 01:43
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
صاحب المقام وقنديل أم هاشم

صاحب المقام وقنديل أم هاشم

فعلها يحيي حقي في القرن الماضي من عام 1968،عندما تحولت روايته قنديل أم هاشم إلي قصة سينمائية سيناريو وحوار، صبري موسي، وإخراج كمال عطية، وبعد مرور هذه السنوات يأتي إبراهيم عيسي، ويشتبك مع الماضي كعادته في فيلم صاحب المقام، ويعيدنا إلي المربع صفر.



 في قنديل أم هاشم كان العلم في مواجهة التراث الإنساني والعرف وما تمثله الأضرحة من مخزون ديني وعقائدي لدي المواطن المصري، وفي صاحب المقام سطوة المال أمام نفس الشيء، كلا منهما راح يطرح السؤال الأبدي أيهما سينتصر العلم أم سطوة المال أمام أولياء الله الصالحين، وأضرحتهم الموجودة في كل مكان في مصر، وما تفعله هذه الأماكن من هدوء نفسي وطمأنينة وسكينة في نفس المواطن الغلبان، بالإضافة إلي التبرك والتعلق بها، وجعلها الملجأ من جبروت وسطوة الحياة.

مع المشاهد الأولي من فيلم صاحب المقام نصل إلي يقين أن أسر ياسين الذي يتقمص شخصية يحيي حسين رجل أعمال، لا يهتم بشئ سوي البيزنس، مهمل في علاقته بزوجته وابنه الوحيد، كل وقته يقضيه في شركته وهاتفه المحمول، لا مجال للمشاعر والأحاسيس، المكسب هو طريقة الوحيد، ومع تكرار المشاهد نصل إلي حقيقة مفادها، لا مكان عند يحيي إلا سطوة المال، وشخصية بيومي فؤاد شريكه في العمل، الذي يتقمص شخصيتين، واحدة باسم حليم والأخري حكيم، أحدهم يؤمن بسطوة المال، والأخر قرينه الذي يؤمن بالخزعبلات من وجهة نظر يحيي، وأن ضريح سيدي هلال ما هو إلا جدران متهالكة ولابد من هدمها، وأقامة كمبوند سكني، وحتي لا ينزعج المواطنين بسبب هدم مقام سيدي هلال، يوعدهم ببناء مسجد مكان الضريح، ومع مشهد الهدم تنهال اللعنات والمصائب علي رجل الأعمال يحيي.

التقارب بين فيلم صاحب المقام وقنديل أم هاشم واضح وصريح، رغم الاختلاف في التناول الدرامي، لكن في النهاية يصل إبراهيم عيسي  إلي ما وصل إليه يحيي حقي، نعود للوراء مع فيلم قنديل أم هاشم وماحدث للطبيب إسماعيل الذي تقمص الشخصية شكري سرحان الذي سافر للخارج وعاد حاصلا علي الدكتوراه في طب العيون من ألمانيا، وبعد عودته يكفر بكل ما أمن به خلال تربيته في الحي الشعبي السيدة زينب القريب من أولياء الله الصالحين، ورؤيته الدائمة لعلاج العشرات بزيت القنديل، فيقوم بتحطيم قنديل المسجد، وينفض عنه مرضاه، مهاجما معتقداتهم الدينية، وبعد مرور المشاهد لا يجد إسماعيل مفر سوي عقد مصالحة بين العلم ومعتقدات الناس البسطاء، ويعود لعلاج ابنة خالته فاطمة مستخدما الإيمان والعلم سويا، كما فعل يحيي في فيلم صاحب المقام، من عودته في النهاية إلي بناء الضريح مرة أخري.

طبيب العيون إسماعيل كسر القنديل المليء بالزيت، في قنديل أم هاشم،  وفي المقابل يحيي هدم مقام سيدي هلال، في صاحب المقام، كلا منها راح في طريقه لكنهم عادوا خائبين في النهاية، الروائي الكبير يحيي حقي أبدع في قنديل أم هاشم، والأستاذ إبراهيم عيسي الصحفي والروائي والإعلامي تألق في صاحب المقام المليء بالرمزيات، التي تجلت في شخصية "روح" التي جسدتها يسرا، وهل هي ضمير يحيي رجل الأعمال؟، أم إحدي الرسائل التي يرسلها الله إلي عباده بين الحين والأخر حتي يعودوا إلي رشدهم، وتجلي ذلك في إحدي المشاهد عندما تقول يسرا: "خليه يعود"، وظهورها في كذا شخصية مرة طبيبة ومرة أخري عاملة في المستشفي التي ترقد فيها زوجته، ومرة تلاطف وتلاعب الأطفال في مشهد ثالث، بالإضافة إلي شخصية هالة فاخر الذي ظهرت في مشهد وحيد عندما قامت بضرب يحيي علي وجهة في مقام الأمام الشافعي، وكأنها رسالة لكي يعود مرة ثانية إلي وعيه.

وتتوالي المشاهد في صاحب المقام، ويهمل يحيي عمله، ويقرر أن يذهب بنفسه إلي مقامات أولياء الله الصالحين، ويطلب الرسائل التي يرسلها المواطنين إلي الأمام الشافعي، حتي يحقق أمنيات أصحابها، في محاولة منه لطلب العفو والسماح من أهل آل البيت، وبالفعل ينجح في تحقيق بعضها، وتعود زوجته من الغيبوبة التي دخلت فيها مع بداية المشاهد.

في الفيلمين حالة روحانية تتجلى في بركة أم هاشم، وبركة سيدي هلال، كل منهما يسير في نفس الطريق، صديق إسماعيل طبيب العيون، يقول له: في حاجات كتير لازم تتعلمها غير العلم، وفي المقابل روح الذي تقول: خليه يعود، وأيضا في حاجات كتير لازم تعرفها وأنته بتجمع المال.

مشهد قبل النهاية بين الدكتور إسماعيل والشيخ الدرديري الذي يسأله، تفتكر ياعم درديري أن زيت القنديل بيشفي العينين، ليرد عليه الدريردي قائلا: إنما الأعمال بالنيات، اللي أمن أنه يشفيه ها يشفيه، وهيا واسطة، ليرد عليه الطبيب إسماعيل ربنا يجعل للست في أيدها الشفا، ليعود إلي بيت والده، ويقابل فاطمة ويقول لها: أنا جاي أعلجك بزيت القنديل، وفي صاحب المقام عالج يحيي زوجته من خلال تحقيق أمنيات المواطنين الغلابة.

مشهد النهاية في كلا من الفيلمين واحد، عندما ذهب الطبيب إسماعيل في قنديل أم هاشم، إلي المقام طالبا العفو والسماح من آل البيت، بعد أن كسر القنديل، وفي المقابل يقوم يحيي في صاحب المقام بإعادة بناء مقام سيدي هلال بعد أن تم هدمه في بداية الفيلم، لم ينجح العلم في قنديل أم هاشم في السيطرة علي توغل وسيطرة أولياء الله الصالحين علي عقول وقلوب المصريين، ولم ينجح المال أيضا في صاحب المقام.