مع ظهور نتيجة الثانوية العامة كل عام يتجدد انتشار المفاهيم الخاطئة عن تلك المرحلة الاستثنائية.. المزيد

الأطفال,مصر,الأطباء,الانتحار,وفاة,القضاة,نتيجة,الامتحانات

الأحد 20 سبتمبر 2020 - 09:12
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

الثانوية العامة.. ليست النهاية

آية أسامة
آية أسامة

  مع ظهور نتيجة الثانوية العامة كل عام، يتجدد انتشار المفاهيم الخاطئة عن تلك المرحلة الاستثنائية في حياة جميع الطلاب، ولأن الوعي لدى المواطنين مقتصر اقتصارًا تامًا على أن النجاح يتمثل فقط في الالتحاق بكليات الطب وما يتبعها، فالعبء يزداد على الطلاب وتتولد لديهم حالة من الضغط النفسي الشديد، والتي قد لا يتحملها البعض؛ فيلجأ لأسوأ قرار يمكن لإنسان أن يتخذه وهو إنهاء حياته عمدًا "الانتحار"، وهذا بالفعل ما يحدث كل عام سواء في خضم ماراثون الامتحانات أو بعد ظهور النتيجة، وهو ما شاهدناه بالأمس حين انتحرت طالبة عقب ظهور النتيجة مباشرة بإلقاء نفسها في نهر النيل.



جميعنا يستطيع توقع تسلسل الأحداث التي توالت لتؤدي بتلك الفتاة إلى إنهاء حياتها، وكأن الحياة اقتصرت على الشهادة التعليمية المدون أعلاها نسبة مئوية مرتفعة، لا أحد يدرك حينها أن كل ما يأتينا هو رزق، والله بعدله كفيل أن يرزق كل منا ما هو خير له.

أمر مغرٍ أن يصفق لك الجميع طربًا في بداية مرحلة جديدة في حياتك، مع العلم أن لا أحد سيكون بجوارك وأنت تفعل شيئًا لا يتناسب مع قدراتك لمجرد أن المسمى أفضل، ولكن النجاح والتصفيق الحقيقي يكون عندما تسعى وتحقق نجاحًا في الطريق الذي رسمته لنفسك بعيدًا عن القيود المفروضة من جانب الأسرة والمجتمع.

ويزرع الآباء والأمهات في مجتمعنا في عقول أطفالهم منذ نعومة أظافرهم رغبة في أن يصبحوا أطباءً، دون أدنى اهتمام بقدراتهم أو برغبات الأطفال أنفسهم، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا "إذا أصبح الجميع أطباء.. من أين يأتي المدرسون الذين يعلمونهم حتى يصلوا إلى المرحلة الجامعية؟، ومن أين يأتي المهندسون الذين يشيدون لهم الطرق التي يسيرون عليها والمباني التي يقطنون بها؟.

والحقيقة أن مهنة الطب ليست الأفضل كما يظل البعض أو الوحيدة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن ينفع أخيه الإنسان، فقد يتسبب أحد هؤلاء الأطباء في وفاة شخص، أو إحداث عاهة لطفل، في الوقت نفسه يقوم قاضٍ أو محامٍ بإنقاذ مظلوم من حبل المشنقة.

وبالنظر إلى الدول الأخرى نجد أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تقدس مهنة الطب؛ ففي ألمانيا على سبيل المثال تظاهر القضاة من أجل مساواتهم بالمعلمين؛ لتخرج المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل برد قاطع عليهم، قائلة: "كيف أساويكم بمن علموكم".

والتنوع في الوظائف هو سر نهوض أي أمة، فإذا علم كل منا أن له دور عظيم لتكتمل الصورة فسينهض من غفلته ويحارب المفاهيم الخاطئة الراسخة في أذهان الجميع.

ومقاييس النجاح الحقيقية تختلف من إنسان لآخر، فمن الناس من يرى نجاحه في تحقيق ثروة، وهناك من يرى أن قمة النجاح هي ترك أثر طيب في نفوس الناس، وآخر يعتمد على خدمة البشرية مع تحقيق إنجاز لنفسه غير مسبوق، والحق أنه لا يوجد تعارض بين تلك المقاييس وبعضها طالما يكون النتاج خيرًا ولا يتأذى منه الآخرون.

والحقيقة أنه لا توجد علاقة بين النجاح في الحياة والتعليم؛ وخير شاهد على ذلك الأديب مصطفى صادق الرافعي، الذي لم يحصل على أكثر من الشهادة الابتدائية مثله مثل العقاد، فضلًا عن مرضه الذي أدى إلى فقدان سمعه نهائيًا، لم يوهنه ذلك وإنما اشتد عزمه وتحلى بالصبر ولُقب بـ "معجزة الأدب العربي" وترك إرثًا من مؤلفاته القيّمة كدليل على ازدهار الأدب على يديه، والعالم أجمع يعرف من هو مصطفي صادق الرافعي، العالم أجمع لم يعبأ بكونه لم يحصل على الشهادة العظيمة التي يراها البعض نهاية الطريق.

وأخيرًا فنجاح الإنسان لا ينحصر في رقم، ولكل منا وجهة يسعى إليها ومتى يصل يكتب له نجاحٌ، فلنستسلم لأقدارنا ونعيش تلك الحياة التي نجني فيها ثمار السعي غير عابئين بما يتردد من تقاليد المجتمع المثبطة.