في الجانب الأخر من حياة الفنانين هناك أحداث وحكايات ومأسي لا يعرفها الكثيرون يتخيل البعض أنهم يعيشون في حياة

القاهرة,الفنانين,المنيا,وفاة

الأحد 25 أكتوبر 2020 - 18:14
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

توفيق الدقن: تركت جنازة أختي من أجل "حسبة برما"

توفيق الدقن
توفيق الدقن

في الجانب الأخر من حياة الفنانين، أحداث وحكايات ومأسي لا يعرفها الكثيرون، يتخيل البعض أنهم يعيشون حياة مليئة بالضحك واللعب، وحكايتنا النهاردة عن أحد الفنانين العظماء في تاريخ السينما والمسرح، توفيق الدقن الذي ردد الملايين عبارته الخالدة، "أحلى من الشرف مفيش".



من عام 1923 إلي 1988، شارك توفيق الدقن في 349 عمل فني، بعد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية في عام 1950، التحق بالفرق المسرحية، وظل عضوا بالمسرح القومي حتي مماته، علي مدي سنوات عمره ظل توفيق الدقن عاشق لفنه، أفني حياته فيه، وقدم الكثير حتي أصبح نجم المسرح والسينما والتلفيزيون.

توفيق الدفن وجنازة أخته

ومن بين المواقف التي يرويها توفيق الدقن مأساته مع وفاة أخته التي رباها بعد وفاة والده، ليتركها تدفن لوحدها، ذاهبا إلي المسرح، حيث يقول توفيق الدقن:

في الموسم الثاني لفرقتنا أعددنا مسرحية "حسبة برما" والحق أنني أحسست بتشاؤم لست أدري ما مصدره، ولكنه هذا النوع من الأحساس الذي يسبق الكارثة قبل وقوعها.

وكانت لي شقيقة، مات أبي فتوليت أمرها جاهدت لأوفر لها نفس المستوي الاجتماعي الذي كانت تعيش فيه في ظل أبي، وكافحت حتي أوفر لها مصاريف المدرسة وثمن الثياب، وصارت أكثر من شقيقة، صارت أبنتي.

وتقدم إليها ابن الحلال، وأخذت رأيها فوافقت، فأنني رغم أنني صعيدي، أومن بحرية الرأي في هذه المسألة التي تعد لمستقبل الحياة، واضطررت إلي الاقتراض حتي أشتري لها أثاث بيت الزوجية، فقد أحسست أنني أتممت رسالتي كاملة، وأن أبي استراح في قبره لأن أبنته وجدت حياة ميسرة بعد أن قبضه الله إليه ولكن وللحسرة، ماتت شقيقتي هذه في يوم الافتتاح، في الصباح.

ودارت بي الدينا، وتملك الحزن حواسي فلم أعد أدري شيئا عما يدور حولي، كان أول ما يجب أن أفعله أن أدبر أمر أرسال الفقيدة إلي المنيا حيث تدفن في مدافن العائلة، وبحثت في جيبي عن أجر السفر فلم أجد غير قروش، وكنت أعلم أن صندوق الفرقة خاو علي عرشه، فأننا أنفقنا كل ما فيه علي الأعداد للمسرحية، وفتشت في ذاكرتي عمن يمكن أن ينقذني من هذه الورطة، ذهبت ودموعي علي خدي إلي وداد حمدي، وقلت لها أنني في حاجة إلي عشرين جنيها.

وفي ثوان قدمت لي وداد المبلغ.

وعدت إلي البيت حيث كان أقاربي في القاهرة قد تجمعوا لتأهيل الجنازة، وانتصف النهار وكان كل شيء معد للرحيل إلي المنيا، وكان الذي يتصوره الناس أنني سأسافر مع النعش فهذا أقل واجب نحو الراحلة الكريمة ولكنني ضبطت أعصابي وأنا أقول لأقاربي:

-روحوا أنتم، أنا حاستني هنا علشان عندي افتتاح الليلة.

وعدت إلي البيت أبكي، أبكي حتي أقبل الليل فذهبت إلي المسرح ودموع لا تجف وعرف بعض الزملاء بما حدث فأقبلوا يعزونني ولمحت في أعينهم الأكبار والتقدير لأنني أخترت أن أظل إلي جوارهم وأترك شقيقتي يدفنها أقاربي.

وكنت أكف عن البكاء في اللحظات التي أردد فيها بعض العبارات، بل وكنت أضحك كما يقول الدور، وألقي النكت فيضحك لها الناس، أضحك وقلبي يبكي، ويظل الضحك هستيريا حتي تطل الدموع من عيني، فأفيق إلي نفسي وأتذكر أنني أمام الجمهور، ولست أمام نعش فقيدتي.

وكلما أسدل الستار أعود إلي وراء الكواليس أبكي وأنتحب، كانت ليلة لا تنسي.

وفي الصباح ذهبت إلي المنيا لا تلقي التعزية وفي المساء عدت إلي القاهرة لأقف علي خشبة المسرح، أضحك وأضحك الناس معي، وأبكي وأخفي دموعي عن كل الناس، ولتكن هذه ضريبة  للفن.