قبل أن نتحدث عن الهوية الوطنية باعتبارها الخصائص والسمات العامة جغرافيا تاريخيا اجتماعيا -اقتصاديا ...ال

ليبيا,مصر,الداخلية,المصريين,أفغانستان,السياحة,الانتخابات,الجيش,الثقافة

الخميس 1 أكتوبر 2020 - 21:40
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
في الهوية الوطنية والثقافة

في الهوية الوطنية والثقافة

قبل أن نتحدث عن الهوية الوطنية باعتبارها الخصائص والسمات العامة (جغرافيًا – تاريخيًا – اجتماعيًا -اقتصاديًا ...الخ)،  والتي تتميز بها أمة من الأمم؛ تلك السمات التي يأتي من ضمنها السمات الثقافية، والثقافة هنا تفرض علينا أن نضعها في مقدمة حديثنا عن الأمة المصرية التي تمثل نموذجًا فرض شخصيته الثقافية دائمًا سواء كانت تحت الاحتلال أو فترات الاستقلال والازدهار، واحتفظت الأمة المصرية بثقافتها بل يمكننا القول بتنوعها الثقافي الذي امتد جغرافيًا إلى ليبيا ومنابع النيل والجزيرة العربية والشام والبحر المتوسط حتى أصبحت السمات الثقافية لمصر تتخطى كونها أحد خصائص الهوية الوطنية لتتماهى معها وتتشكل في مجملها من هذا التراث الممتد.



وحتى يمكننا أن نضع أساسًا نبني عليه رؤيتنا للهوية الوطنية وأزمتها الراهنة نحتاج أن نستعرض الأمر منذ قيام النيل بنحت الوادي وخلق الاستقرار لدى المصري القديم، وزرع فكرة الارتباط بالأرض ليصيغ أحد أهم مكونات الهوية الوطنية والشخصية الثقافية لمصر التي استمدت روافدها من تراكم الاحتكاك الثقافي مع الحضارات المجاورة (الإغريقية – الرومانية – البابلية – الفارسية – الفينيقية ..الخ)، وبالأساس كان الرافد الفرعوني بكل ما يشتمل عليه من علوم ومنجزات. 

كل ما سبق بالإضافة إلى مرور الديانات السماوية بأرض مصر من اليهودية والمسيحية والإسلام وكذلك الكثير من الأنبياء حسب الروايات الدينية كل هذا الخليط هو ما جعل الوطن بالنسبة للمصري القديم هو مرادف للأرض، فالاستقرار والارتباط بالنيل والزرع للدرجة التي جعلت (سنوحي)  ذلك المصري القديم الذي تم الحكم عليه بالنفي خارج مصر عندما نقرأ خطاباته وهو يناشد الفرعون أن يعفو عنه ويسمح له بالعودة إلى وادي النيل وهو يعدد محاسن وآيات الجمال في أرض مصر. 

وعلى مر العصور ورغم كل الأزمات التي حدثت في مصر لم يهجرها أهلها، ربما تحدث هجرة داخلية حيث يستوعب المصريين بعضهم البعض، ورغم كل الوافدين إلى مصر إلا أنهم امتزجوا في هذا الخليط البشري واتبعوا بسمات الشخصية المصرية، ونجد ذلك استمر مع الأيوبيين والمماليك والعثمانيين وحتى مع الهجرات العربية الدائمة إلى مصر.

وفي العصر الحديث مع قيام دولة محمد علي اتضحت أكثر فأكثر سمات الشخصية وهويتها الوطنية؛ حيث نجح في بناء جيش نظامي قوي من أبناء الفلاحين المصريين هذا الجيش الذي ترسخت لديه عقيدة عسكرية تستمد ركائزها من محددات وسمات الهوية الوطنية والشخصية الثقافية لمصر فأصبح يرى أن من أولويات هذه المحددات: حماية النيل ومنابعه، وحماية الإنسان المصري واستقراره على وادي النيل، وحماية البحرين في الشمال والشرق، وتأمين الجبهتين الشرقية والغربية، وتأمين الموقع الجغرافي المميز باعتباره مركزًا للتجارة بين الشرق والغرب وهذه الحماية تستلزم: المركزية النهرية كما ذكر جمال حمدان، وضمان الاستقرار، والقوة اللازمة للحماية والتأمين والجاهزية الدائمة لإنقاذ الداخل والخارج، ووحدة الجيش والشعب.     

هذه السمات التي تشكلت كما قلنا مع بداية الدولة المدنية الحديثة التي تشكلت معها بالتبعية متعلمة ومستفيدة من مكاسب الانفتاح والتحديث الذي أطلقه محمد علي، هذه الشرائح الاجتماعية هي التي قادت معركة الاستقلال عن التبعية الإنجليزية والعثمانية وساهمت في صياغة السمات والخصائص التي تتسع لاستيعاب كل التنوع من النوبة إلى البدو والقبائل والوادي والبيئة الساحلية.

وذكر التاريخ أن آلهة مصر القديمة تم تبادل عبادتها  بين بحري والدلتا و الصعيد والجنوب، وحديثًا وجدنا المصريين يقصدون مقامات القديسين والأولياء وآل البيت بدون تفرقة بين قبطي ومسلم، وربما يذكر التاريخ نموذجًا وطنيًا هو المعلم جرجس الجوهري الجواهرجي شيخ طائفة الجواهرجية في مصر عام 1805، عندما ثار المصريين ضد خورشيد وطالبوه بالرحيل لكنه رفض الرحيل بدون الخراج السنوي لمصر فما كان من المعلم جرجس إلا أن تعهد بجمع المبلغ المطلوب في خلال أيام وحدث بالفعل ورحل خورشيد واختار المصريين محمد علي بعدها.

وهنا أيضًا توجد أسماء كثيرة في الذاكرة الوطنية من رموز المقاومة الشعبية في حرب السويس 1956، وخلال حصار السويس وغير ذلك نماذج كثيرة وشهيرة من الشخصيات الوطنية.

ولكن الآن نسأل ماذا حدث في العقود الماضية؟، هل تم تشويه الهوية الوطنية للشخصية المصرية؟. 

بعد حرب أكتوبر كانت مصر في أفضل حالاتها استعدادًا لقيادة المنطقة، ولكن تباطؤ القيادة القيادة السياسية وقتها في حسم الأمر سواء باستمرار الحرب أو الدخول في مفاوضات السلام انطلاقًا من وضع أفضل على الأرض وقتها.

واتجهت القيادة إلى إجراء تغييرات جوهرية في البنية التشريعية، ما أثر على قطاعات اجتماعية كبيرة، وهذه الإجراءات عرفت فيما بعد بالانفتاح الاقتصادي غير المنضبط، حيث لم  يحافظ  على وحدات القطاع العام وثرواته المتنامية وفي ذات الوقت لم يؤسس لبناء قطاع خاص تنموي أو تصنيعي أو إنتاجي. 

هذه الإجراءات دفعت أجيال من الشباب إلى النزوح للخليج والدول العربية النفطية؛ للبحث عن فرص عمل ومورد للرزق. 

وصادف هذا النزوح ثلاثة أحداث نرى أنها كانت مؤثرة في المنطقة وهي: تراجع الدور المصري وانقطاع مصر عن محيطها العربي والأفريقي، وقيام ما سمي بالثورة الإيرانية وإعلان الجمهورية الإسلامية وبدء الحرب العراقية الإيرانية، وإطلاق ما سمي بالصحوة الإسلامية التي تبناها النظام السعودي في مواجهة المد الإيراني الشيعي حيث كانت هذه الصحوة هي الباب الذي انتشرت منه الوهابية والأفكار المتطرفة والتكفيرية اللي كل دول العالم بداية من أفغانستان إلى الصومال والبوسنة والهرسك والشيشان ثم المنطقة العربية في كل من مصر والجزائر في الثمانينات والتسعينات ثم لاحقا في أوروبا وأمريكا. 

وفي هذا المناخ المتشدد وتحت ضغط الفقر وضعف المنتج التعليمي تأثر الشباب والأسر المصرية التي سافرت في معظمهم بهذا الفكر وبالتبعية، بالثقافة الاستهلاكية وثقافة المجتمع الصحراوي من حيث التشبه بالملبس والمأكل وبعض العادات وللأسف الابتعاد عن الوسطية والتسامح التي يتصف بها مجتمع زراعي مثل مصر.

وهنا بدأت الشخصية المصرية تنطلي بقشرة غريبة على المجتمع المصري وتاريخه، ومع زيادة معدلات السفر والهجرة زادت مظاهر التفكك الأسري بسبب غياب الأب وأحيانا غياب الأب والأم معًا عن أبنائهم في سبيل توفير ملاذ آمن من الأموال،  وبسبب انسحاب الدولة من الخدمات الأساسية مثل الإسكان والصحة والتعليم والتموين مع ازدياد معدلات الفقر والبطالة وقتها، ما نتج عنه ضعف ارتباط المواطن بالدولة ومن ثم ضعف الانتماء للوطن الذي لم يجد أنه يقدم له أي شيء،  وبدأ البحث عن من يوفر له هذه الخدمات الأساسية بأسعار زهيدة تناسب مستواه الاجتماعي حتى لو كان المقابل استغلاله دينيًا وسياسيًا بالتصويت له في الانتخابات (برلمانية – نقابية ..الخ).

إن انتماء المواطن ليس فقط مرتبط بترفير الخدمات لأن هذا ارتباط ظاهري لكنه بالأساس مرتبط بالمحددات التي ذكرناها سالفًا؛ حيث من الضروري أن يشعر المواطن بوجود الحكومة المركزية الراعية والجيش الحامي وشعوره بضمان استقراره على أرض الوادي بما يعنيه من توفير وتأمين الرزق له ولأبنائه. 

لكن ما حدث أنه منذ الثمانينات، بدأ المواطن يلمس افتقاده لضمان هذه المحددات، وبالتالي تضاءلت داخله مفاهيم الانتماء بل أنها قد أصبحت ملتبسة لدى الأجيال الجديدة التي ولدت في التسعينات، والتي افتقدت دراسة التاريخ واللغة العربية والتربية الوطنية  وانتشر الذوق الفاسد في الفن والغناء وأفلام المقاولات مع وجود قنوات فضائية تبث كل أشكال التغييب والوعي المزيف ورفض منهج التفكير العلمي.

وانتشار ظاهرة تأجيل الالتحاق بالخدمة العسكرية مما خلق بيئة مناسبة لانتشار الوعي الزائف في المجتمع وأصبح المراطن قلق بشأن  أولاده. 

كانت هذه بعض الظواهر التي نتجت عن تأثير محاولات تشويه وضرب الهوية الوطنية،  ولكننا نشهد الآن أن هناك إرادة سياسية وتوجه وطني نحو استعادة الهوية الوطنية ونقاء الشخصية المصرية.

ومن هذا المنطلق فإننا نقترح : 

تشكيل (المجموعة الثقافية) داخل الحكومة أسوة بالمجموعة الاقتصادية، وتشكل من وزراء الثقافة والتعليم والتعليم العالي والشباب والرياضة والتنمية المحلية.... الخ،  وهي تعمل على تنفيذ الخطط والرؤي لاستعادة الهوية الوطنية.

الدعوة إلى مشروع ثقافي وطني تحت عنوان الثقافة والهوية؛ يضم كل المثقفين الوطنيبن والمهتمين بهذا الشأن، مع إعادة هيكلة مؤسسات وهيئات وزارة الثقافة لزيادة فاعليتها وتفعيل نشاطها.

مشروع لتشجيع السياحة الداخلية للمصريين بأسعار مخفضة وخصوصًا المواقع الأثرية. 

نشر أكبر توعية بمشروعات الإصلاح حتى لا تترك مساحة للشائعات والأخبار المفبركة. 

تفعيل دور هيئة التنسيق الحضاري لمواجهة العشوائية في المدن والقرى والشارع المصري. 

إعادة النظر في الإعلام الحكومي والوسمي حيث تمتلك الدولة تراثًا هامًا ونادرًا من الأفلام والمسلسلات والبرامج الثقافية والتوعوية الموجودة في التلفزيون ومهددة بالتدمير والضياع رغم قيمتها المادية الأدبية. 

ومراجعة كل المناهج الدراسية وتنقيتها من الأفكار التكفيرية والمتشددة وإعادة الاعتبار لدراسة تاريخ مصر بكل عصوره دون تمييز.