أمام قسم الأجبان فى أحد الأسواق الشهيرة وقفت أسأل البائع عن نوع جبن إيطالى اسمه ماسكربونى اعتذر البائع عن

اليوم الجديد,مصر,قضية,أسوان,الخارج,دمياط,وزير التموين,الزعيم,طنطا,القطاع الخاص

الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 - 05:37
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
23 يوليو

مصر للألبان.. قصة ثروة تركها عبدالناصر وبددها مبارك

أمام قسم الأجبان، فى أحد الأسواق الشهيرة، وقفت أسأل البائع عن نوع جبن إيطالى اسمه (ماسكربونى)، اعتذر البائع عن عدم توافر الجبن غالى الثمن، الكيلو منه يصل إلى 800 جنيه تقريباً، ولهذا فهو غير متوفر عادة، إلا بالطلب، وبناء على طلبات الزبائن يبتاع السوبر ماركت منه كمية محدودة.



تذكرت الجبن الذى كان يشتريه والدى وأنا صغيرة، من محل قتيلو الشهير للأجبان فى دمياط، والذى كان يصنع «جبن» يشبه إلى حد كبير جداً فى الطعم، الجبن الماسكربون، مع الفارق أن سعر جبن قتيلو كان رخيصاً مقارنة بالجبن الإيطالى.

حلايب قتيلو، أسسها الحاج على قتيلو فى محافظة دمياط قبل 88 عاماً، أدرك الحاج على كأجداده، أن صناعة الجبن هى الوسيلة المثالية، لحفظ فوائد اللبن؛ نظراً إلى أن الألبان ومنتجاتها تعتبر من الأغذية الحيوية للمصريين؛ حيث اتجه المصرى منذ آلاف السنين إلى زيادة استهلاك منتجات الألبان، عوضاً عن اللحوم لارتفاع أسعارها.

وتعتبر حلايب قتيلو من أقدم مصانع الأجبان فى مصر، مؤخراً وقبل أربع سنوات، استحوذت شركة دانون الفرنسية على أغلبية أسهم حلايب قتيلو فى صفقة شهيرة بلغت 120 مليوناً بالعملة المصرية.

وبعيداً عن أجبان قتيلو الخاصة، كانت هناك منتجات أخرى، تعتبر من أفضل منتجات الأجبان فى دمياط، مصنع ألبان دمياط، أحد مصانع شركة مصر للألبان الحكومية، والتى تأسست فى منتصف الخمسينيات فى عهد الزعيم جمال عبدالناصر.

لم يخل بيت دمياطى من منتجات مصنع ألبان دمياط؛ نظراً إلى جودتها الممتازة وأسعارها الزهيدة، وكان للمصنع خطوط إنتاج عدة بدءاً من اللبن المبستر والزبادى والسمن والجبن الرومى الدمياطى الممتاز، وصولاً إلى الأجبان الصفراء غير المصرية، كالشيدر والفلمنك، والتى كانت تنافس- فى جودتها وأسعارها- الأجبان الصفراء المستوردة.

شركة مصر للألبان والتغذية

لنعود بالتاريخ قليلاً وتحديداً قبل 64 عاماً ؛ حيث أطلق الرئيس جمال عبدالناصر، مشروع «كوب لبن لكل مواطن»، ولتنفيذ هذا المشروع، تأسست شركة مصر للألبان والأغذية، مشاركة بين بنك مصر ووزارة الأوقاف عام 1956، بطاقة إنتاجية 100 طن لبن يومياً؛ حيث كانت إحدى أهم قلاع الصناعات الوطنية فى مصر، وتم تصدير منتجات شركة مصر للألبان إلى الخارج.

مصانع مصر للألبان

بدأت الشركة أول إنتاجها بمصنع «ألبان الأميرية» فى حى الأميرية بالقاهرة، وهو أحد أهم مصانع مصر للألبان، تأسس على مساحة 42 ألف متر مربع، وكان يضم المصنع خمس خطوط إنتاج لبنية، مصنع إنتاج السمن، ومصنعاً لإنتاج الزبادى، ومصنع إنتاج الجبن المطبوخ «المثلثات»، ومصنعاً للبن المبستر وإنتاج الجبن الأبيض الطرى، ومصنع للمثلجات «الأيس كريم».

وفى عام 1956 تم تأسيس مصنع اللبن المجفف (سخا) بكفر الشيخ، بناءً على اتفاقية بين الحكومة المصرية وهيئة إغاثة الطفولة العالمية، وبدأ المصنع فى الإنتاج عام 1960، وأدمج مصنع سخا لاحقاً، فى شركة مصر للألبان والأغذية، كما تمت إضافة خطوط إنتاج جديدة للمصنع، حيث لم يتوقف إنتاجه على اللبن المجفف فقط.

فى عام 1962 أنشئ مصنع ألبان دمياط على مساحة 12 فداناً، بطاقة إنتاجية 100 طن لبن خام يومياً، وهو أحد أهم المصانع التابعة للشركة.

ومع تأميمات الستينيات وتحديداً فى العام 1963 تم تأميم شركة سيكلام لصناعة الألبان فى الإسكندرية، وهو أقدم مصانع شركة مصر للألبان؛ حيث تأسس المصنع عام 1952، وأدمجت المصانع المنقولة من جهات أخرى فى الشركة، وفى عام 1964 تم ضم المؤسسة المصرية لصناعة الجبن المطبوخ «نستو» لمؤسسة مصر للألبان.

فى العام 1960 تأسست شركة النصر للألبان والمنتجات الغذائية، وتضمن المشروع إنشاء ثلاثة مصانع لبسترة الألبان ومنتجاتها، كانت طاقة كل منها 25 طن لبن يومياً، وهذه المصانع هى (طنطا والمنصورة والإسماعيلية)، أدمجت هذه المصانع فى شركة مصر للألبان، وتمت تصفية شركة النصر للألبان لاحقاً فى عام 1968، وفى منتصف الستينيات تم تأسيس مركز لتدريب العاملين فى مجال تصنيع الألبان، كان الأول من نوعه فى الشرق الأوسط، بناءً على اتفاقية بين الحكومة المصرية ومنظمة FAO.

وبحلول عام 1972 أصبحت شركة مصر للألبان والأغذية هى الشركة الوحيدة المسئولة عن نشاط تصنيع الألبان كقطاع عام على مستوى الجمهورية، وذلك بعدما نقلت تبعية مصنع ألبان كوم أمبو فى محافظة أسوان إلى الشركة.

 وبهذا كانت تضم شركة مصر للألبان 8 مصانع رئيسية على مستوى الجمهورية، بخطوط إنتاج عديدة، ومركز للتدريب بالإسكندرية. كما كان يتبع الشركة 72 مركزاً لتجميع وتبريد الألبان، وكانت تمتلك الشركة أيضاً، أسطولاً من السيارات المجهزة لنقل المنتجات اللبنية على مستوى الجمهورية.

بداية التصفية والتبديد

فى أحد المؤتمرات الشهيرة لعلى مصيلحى، وزير التموين والتضامن الاجتماعى فى عهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك، والذى تولى الحقيبة الوزارية عام 2005، صرح بأنه «لا جدوى اقتصادية من عملية إعادة هيكلة شركة مصر للألبان، وأنه تم الاتفاق على إعادة الهيكلة لمزاولة أنشطة أخرى بالتعاون مع مستثمرين»، المعنى الجلى من هذا التصريح، هو تصفية ما تبقى من مصانع شركة مصر للألبان.

لكن عام 2005 لم يكن هو بداية تصفية مصانع الشركة، وبيع أراضى المصانع للبنوك، فقد بدأت التصفية والتبديد فى العام 1996، حيث فوجئ عمال مصنع طنطا للألبان بالغربية، بقرار إحالتهم جميعاً إلى المعاش المبكر، بعد إصدار قرار مفاجئ بإيقاف المصنع، وبيعت الأرض لهيئة الأبنية التعليمية.

وفى عام 1998 تم إيقاف العمل بمصنع ألبان سخا بكفر الشيخ، وبيعت أرض المصنع فضاء للبنك الأهلى، وبيع أيضاً مصنع كوم أمبو فى العام ذاته.

وفى العام نفسه أيضاً، 1998 تم إيقاف العمل بمصنع الإسماعيلية، وتحول لمخزن للمعدات؛ حيث شونت معدات مصانع دمياط ومصنع المنصورة لمصنع الإسماعيلية.

أما مصنع ألبان الأميرية، آخر مصانع مصر للألبان الذى ظل صامداً فى وجه الخصخصة، قبل أن يتم إيقافه فى عهد وزير التموين على مصيلحى قبيل ثورة يناير.

دكتور محمد الحوفى، أستاذ التغذية بجامعة عين شمس، المستشار الفنى السابق بشركة مصر للألبان، قال لـ«اليوم الجديد»: إنَّ مصر للألبان قضية أمن قومى، ولعبت دوراً مهماً فى حل أزمات كثيرة؛ لأنها كانت توفر سلعة استراتيجية غاية فى الأهمية؛ لأن الشعب المصرى مستهلك لمنتجات الألبان بطبيعته منذ آلاف السنين، والشركة كانت توفر الجبن الأبيض الطرى فى منتصف الثمانينيات بـ65 قرشاً فقط للكيلو، والأهم من ذلك أن مصانع مصر للألبان لم تكن تغش فى المنتجات اللبنية؛ لأنها شركة حكومية لا تستهدف الربح، لكنها تستهدف الصالح العام، وعليها رقابة غاية فى الصرامة، عكس شركات الألبان الخاصة، التى تقوم غالبيتها بتقليل جودة المواد الخام المستخدمة، لتحقيق أرباح طائلة؛ لأنها تستهدف الربح فى المقام الأول، كما أن «مصر للألبان» كانت تمتلك مصنع سخا بكفر الشيخ والمسئول عن تصنيع اللبن البودرة للأطفال، وحالياً فإن تكلفة استيراد اللبن البودرة يكلف الدولة المليارات سنوياً، وبعدما كانت تصدر منتجات مصر للألبان للدول العربية وأفريقيا، أصبحت تستورد تلك المنتجات.

الدكتور الحوفى يشير إلى أن الدولة رصدت مليارات الجنيهات لتطوير مصانع الألبان قبل سنوات من خصخصتها؛ حيث تم شراء معدات جديدة وتطوير للمصانع، ومع ذلك، تم تخريب كل هذا عمداً، بل تم إتلاف المعدات بشكل متعمد وواضح، مشيراً إلى دور القطاع الخاص فى تدمير شركة مصر للألبان وتسريح آلاف العمال، لأنها- على حد قوله- كانت المنافس الأقوى له؛ حيث منتجات الألبان تباع بجودة عالية وبسعر التكلفة، فى مقابل منتجات القطاع الخاص، الأقل من حيث الجودة والأعلى تكلفة، لذلك استغل رجال الأعمال أصحاب شركات الألبان الخاصة علاقاتهم بالفاسدين فى حكومة مبارك لتصفية مصانع الشركة على مراحل بدأت من منتصف التسعينيات وانتهت فى الألفينات، وكل هذا من أجل إفساح السوق أمام مصانع القطاع الخاص.

ويضيف «الحوفى»، أن إغلاق شركة مصر للألبان تسبب فى ارتفاع أسعار منتجات الألبان فى مصر دون مبرر؛ نظراً إلى عدم وجود منافس قوى فى السوق.

 وعن إمكانية العودة قال «الحوفى»: تكلفة عودة مصر للألبان بكامل طاقتها كما فى السابق ستكون مرتفعة للغاية، خاصة بعد بيع المصانع على مستوى الجمهورية كأرض فضاء للبنوك، لكن من الممكن أن تعود الشركة بفكر ورؤية جديدين، باستثمارات ضخمة، لتحقيق الاكتفاء الذاتى لمصر، والتى فى وقت من الأوقات كانت تصدر كوادر مصر للألبان إلى الدول العربية وأفريقيا لتعليمهم كيفية هذه الصناعة المهمة والاستراتيجية.