كان سعد محاربا لأمته فأصبح محاربا للحرية من حيث هى حرية. وأصبح وكيل الأمة فى كل شىء-حتى فى قراءة الصحف - أي

الأحرار,الدستوريين,السياسة,مصر,المصريين,الزعيم,الأحرار الدستوريين,القضاء,الوفد,الجيش,الثقافة,التعليم,الديمقراطية

الأربعاء 28 أكتوبر 2020 - 22:42
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
23 يوليو

هل عصفت ثورة يوليو بمبادئ عميد الأدب العربى؟

الدكتور طه حسين
الدكتور طه حسين

«كان سعد محارباً لأمته فأصبح محارباً للحرية من حيث هى حرية. وأصبح وكيل الأمة فى كل شىء-حتى فى قراءة الصحف - أيتها الأمة المصرية.. طيبى نفساً وقرى عيناًهل كان عميد الأدب العربى ووزير المعارف الأسبق، الدكتور طه حسين، يعرف وهو يكتب تلك السطور معارضاً هيمنة زعيم ثورة 19 الوفدى سعد زغلول، أنَّ الأيام ستدور ويصبح هو المتهم بالتخلى عن مبادئ الحرية والديمقراطية التى سودت بها أقلامه عشرات الصحف المعارضة، ووصلت لحد اتهام الملك فاروق بأنه «سراب يحسبه الناس ماء»؛ اعتراضاً على هيمنته على الحياة النيابية ومعاناة المصريين، فعلامَ الصمت إذاً بعد ثورة يوليو وقبضة زعيمها الحديدية وإلغاء عُرس الديمقراطية ومظاهره؟!!



كان نموذج طه حسين هو الأكثر حضوراً بعد الثورة، بين المثقفين الليبراليين، وإن حذا حذوه مفكرون كبار ومنهم العقاد، وأباظة، والسنهورى، وحسين هيكل، والشرقاوى، وعبدالقدوس، وكأننا إزاء مرحلة القطيعة مع العهد الملكى وطى مبادئ نخبته.

كانت علاقة الزعيم عبدالناصر والمفكر طه حسين أكثر من وطيدة، ولطالما أشاد ناصر بكتابه «مستقبل الثقافة فى مصر»، واستلهم من أفكاره، لكن تمر السنوات ويكتشف طه حسين أنه ربما أخطأ بالتبرير غير المشروط لسياسات عبدالناصر، ورغم أن نظام ثورة يوليو قد منح عميد الأدب جائزة الدولة التقديرية 1958 وقلادة النيل 1965 فإنَّ ذلك لم يمنع ناصر من التصديق على استبعاد صديقه من رئاسة تحرير صحيفة «الجمهورية» لسان حال الثورة، وتحديدا فى 1964، كما تشير زوجته فى مذكراتها «معك»، فقط حين بدأ طه حسين بمطالبته بإنصاف الأحزاب صاحبة الكفاح الطويل، وإتاحة العلم للجميع عملاً بمبدأه منذ كان سكرتيراً لوزارة المعارف: «العلم كالماء والهواء».

 

 

طه حسين عنوان كبير للتمرد، أو «فتى لا يعرف رفقاً ولا ليناً»، كما تشير مذكراته «الأيام»، سافر الطالب الأزهرى الكفيف الذى صار أول حامل دكتوراه من الجامعة المصرية، مبتعثاً إلى باريس 1914، وهناك اشتعلت جذوة تمرده بعدما عاين ثمار الحضارة والانفتاح، وعاد يدافع عنها فى الصحف المصرية، بالتزامن مع مشاركته فى ثورة 1919.

وفى حقل الفكر كان لـ«طه» صولات وجولات لعل أشهرها كتاب «الشعر الجاهلى» لأزمة كبرى وصلت للبرلمان، واضطرته لاحقاً لحذف بعض الأجزاء، وكثير من أعماله كـ«دعاء الكروان» وما فيها من إشارات للفساد، و«المعذبون فى الأرض»، وكتبه فى الإسلاميات التى دعت لنظرة ناقدة لتاريخنا من عينة «الفتنة الكبرى».

وكانت تحولات طه حسين فى السياسة وتمرده عظيماً أيضاً، ويكفى للتدليل على ذلك أنه وبحسب مذكرات زوجته كان يعتبر سعد زغلول زعيم الوفد «من ألد أعدائه»، وظل طه حسين الأستاذ الجامعى والمفكر لسان حال العدليين ثم الأحرار الدستوريين المنشقين عن الوفد، وظل يكيل للحكومات الوفدية تهم الرجعية والتسلط، وكان مقاله الشهير «ويل للحرية من سعد» مضرب المثل، ووصل الأمر لاستدعائه للتحقيق معه بتهمة العيب، ثم تحول موقف طه للنقيض تماماً، وبات يمتدح زعيم ثورة 19 ويشيد بمنجزه فى الثلاثينيات وبعد رحيل قادة الأحرار الدستوريين وتدهور أحزاب الأقلية واصفاً سعد بأنه «عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين ويصبح إمامهم بشخصه العظيم»!

ويرصد كتاب «طه حسين وثورة يوليو.. صعود المثقف وسقوطه»- للدكتور مصطفى عبدالغنى من خلال الوثائق- التحولات الكبرى فى مواقف عميد الأدب العربى السياسية، من مثقف ليبرالى ذى ميول وفدية إلى نموذج نقيض بعد ثورة يوليو لمثقف «مهادن متهاون» أو على حد وصف المؤلف «من ذئب تتحاشاه الأغنام لحمل تتخطاه الإبل!».

كان الفتى لا يهادن فى العشرينيات وبداية الثلاثينيات، فكنا نرى رفضه المستميت لمحاولات حكومة إسماعيل صدقى سيئة السمعة لاستمالته ورئاسة صحيفة حزب «الشعب» وبعد هجومه عليها واتهامها بجماعات المصالح والحكومات الرجعية، تم استبعاده من عمادة كلية الآداب، وكان عليه أن ينتظر حتى تسقط وزارة صدقى كى يعود مجدداً.

طه والملك فاروق.. هجوم من بعيد

كان طه حسين قد أقيل مع حكومة الوفد المقالة عام 1944، بعد أن كان مستشاراً لوزارة المعارف، ومن هنا تفرغ للكتابة، ووصل حد انتقاده للملك فاروق فى مجلة الهلال لوصفه بـ«قلب مغلق» عام 1947 وقائلاً: إن حصنك يا سيدى ليس إلا قلبك المقفل الذى لا تصل إليه رحمة حين يحتاج الناس»، فقرر الملك أن تتوقف مقالاته، وتم الالتفاف على القرار بمقالات رمزية «من بعيد».

وبالرغم من إقبال طه حسين على مواقف الملك فؤاد ومن بعده فاروق فى البداية، بل ومصانعتهما أحياناً من مثل خطبته بمناسبة العيد الفضى لجامعة فؤاد، وكتبه التى كان يهديها للقصر، لكننا نجد الموقف قد تبدل لاحقاً، وحفل كتاب طه حسين «جنة الشوك» عام 1945 بكثير من الرمز ضد الملك وكتابه «مرآة الضمير الحديث» 1948 وبين بين 1952 وغيرها.

طه حسين المهادن لثورة يوليو

كان طه حسين هو من أطلق لفظ «ثورة» على حركة يوليو، واعتمدها فى مهدها، وأصبح من أهم مؤيديها، والداعين لها، باعتبارها أمل المصريين فى حياة كريمة حرة آمنة.

ويصف كتاب «طه حسين وثورة يوليو» عميد الأدب بحالة «فقدان الوعى» التى وصفها الأديب توفيق الحكيم، وللإنصاف يؤكد د. مصطفى عبدالغنى، أنَّ طه «صاحب الفكر الراديكالى» كان منحازاً لجموع الشعب ووجد ضالته فى ثورة تبنت هذه النزعة الاجتماعية بتأميم الأراضى وقناة السويس وتعميم التعليم.

لهذا توسط طه حسين بين قيادات الثورة والنحاس باشا ورموز الوفد لمزيد من المهادنة وإفساح الطريق للشباب من قيادات الثورة وإقناع النحاس بالتوقيع على التنحى عن رئاسة حزب الأغلبية، بل والمحاولة لإقناعهم بخطة «التطهير» التى أدت فعلياً لتفكيك الأحزاب.

وقد وصف طه حسين زعيم ثورة يوليو بأنه «صديقاً صادقاً، وأخاً حميماً، وكان باراً عطوفاً» وفى المقابل كان ناصر يحتوى المثقفين بكاريزمته، وكان يستثنى طه حسين من بعض قراراته، كقرار العزل السياسى لأى وزير وفدى، والاستماع لبعض آراء طه حسين الاجتماعية طالما لم تنتقد الحكم، ومنها القضاء على ثنائية التعليم، فأصدر ناصر قانون «إصلاح الأزهر».

فى المقابل – وبحسب الكتاب- صمت طه حسين عشر سنوات كاملة على تنكيل ثورة يوليو بخصومها السياسيين، كما يشير الكتاب، واعتدائها على الأحزاب، وكثير من أهل الفكر.

فى الخمسينيات تركزت مقالات طه حسين على المقارنة الدائمة بين «مصر الرائعة» بعد الثورة، والعهد الملكى البائد الظالم (يلاحظ أنه بذلك يناقض مديحه الشديد للملك فى بداية الخمسينيات وبعد أن صار وزيراً للمعارف) ، ورأى أن من حق الدولة أن تحمى نفسها من الأقلام المغرضة حتى تبلغ غايتها.

لقد غاب صوت طه حسين عن أزمة مارس 1954 بين معسكرى عودة الجيش لثكناته واستمراره فى الحكم، والتى سميت معركة الديمقراطية. بل وتمضى السنون وفى مقاله يصف طه حسين جمال عبدالناصر بأنه «مربى الشعب»، وهو الوصف الذى كان قد منحه للملك فاروق من قبل!

فى مقالاته يتجنب طه حسين ما جرى فى عهد ناصر من تقريب أهل الثقة على حساب أهل الخبرة وصعود مراكز القوى، لكن الغريبة أن كتابات طه حسين لتأييد ثورة يوليو لم يجمعها فى كتاب وإنما ركز على جمع مقالاته فى الأدب، ومنها «خصام ونقد» 1955، و«من أدبنا المعاصر» 1958 ووصولا للجزء الثالث من مذكراته «الأيام» 1967.

طه يواجه خصوم ناصر

شارك طه حسين نظام عبدالناصر فى كراهية تنظيم الإخوان المسلمين، وهذا المبدأ لم يغيره فى حياته، وأصدر «هؤلاء هم الإخوان» بمشاركة العديد من الكتاب الليبراليين، بعد حادثة المنشية التى اتهم فيها تنظيم الإخوان بمحاولة اغتيال عبدالناصر 1954 .

ثم يلفت الكاتب إلى تجنب طه حسين نقد السياسة الأمريكية، وإعلان انبهاره بثقافتها، رغم علمه بما تحيكه لمصر من مؤامرات؛ لأنها من ساندت ثورة يوليو، كما نرى مهاجمة طه حسين لحلف بغداد بزعامة نورى السعيد، وهو من اعداء ناصر، وتلك المواقف تبرهن على اتساق مقالات طه حسين مع سياسات ناصر.

بعد مرور سنوات طويلة، يبدو أن موقف الفتى المتمرد يعود للانقلاب على ما انبرى فى تأييده، اتساقاً مع قناعاته الجديدة بأن «ما كافحنا من أجله هو نفسه لا يزال يحتاج إلى كفاحكم وكفاح الأجيال المقبلة بعدكم... أودعكم بكثير من الألم وقليل من الأمل!».