قصر مهيب لا تغيب عنه الشمس ولا يتوقف عن الدوران يشق صحراء القاهرة ويقطع صمتها حجارته مبنية على طراز..المزيد

القاهرة,الداخلية,السياحة,فنادق,كنيسة,الكونغو,قصر البارون,مصر الجديدة,البارون إمبان,قصور مصرية

الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 02:40
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

بعد نفاد تذاكر دخوله..

قصر البارون.. المصريون يسخرون من الأشباح في وهج الشمس

قصر البارون
قصر البارون

قصر مهيب  لا تغيب عنه الشمس ولا يتوقف عن الدوران، يشق صحراء القاهرة ويقطع صمتها؛ حجارته مبنية على طراز معبد هندوسي عتيق؛ تزيده حليات الأفيال والأسود والطواطم المريبة والأشكال السداسية غموضًا، وتمنحه التماثيل الرومانية والتصميم المعماري الفريد فتنة، ما إن تدلف إليه حتى تجد نفسك في عالم آخر خاصة لو قادتك قدماك إلى السراديب التي تخرج منها إلى كنيسة دُفن فيها البارون إمبان أو فندق قديم شيده وتحول لأحد قصور الرئاسة.



مؤخرًا افتتح قصر البارون بالتزامن مع احتفالات ثورة 30 يونيو، وبعد عامين من الترميم وسنوات طويلة من الإهمال وتكلفة بلغت 175  مليون جنيه؛ بالتعاون مع بلجيكا، كما تم استحداث سور  للقصر لإقامة الحفلات والأنشطة داخل الحديقة الممتدة أمامه، والتي لطالما كان البارون امبان يحتسي فيها مشروبه متأملا مدينة الشمس، أو مغشيا عليه في نوبة صرع!

وليس غريبا أن تنفد تذاكر زيارة قصر البارون بعد افتتاحه وتطويره؛ فقد أصبح تحفة جمالية عريقة مزدانة في قلب القاهرة، وبهذا يسخر المصريون كعادتهم من كل حكايات الرعب التي أحاطت بالقصر المهجور.

عبقري الإنشاءات يصل مصر

من رسام هندسي في شركة للتعدين، إلى مهندس إنشاءات عام1878، ومؤسس لمصرف خاص 1881 تحول لاحقا للبنك الصناعي البلجيكي، ومرورا بمشروعات كثيرة غير فيها المهندس وجه المواصلات البلجيكية ونجحت مشروعاته في مد خطوط السكك الحديدة والترام والمترو والإنشاءات، فقررت الملك ليوبولد الثاني منحه لقب البارون تكريمًا لجهوده عام 1907 وكان منها دوره في تمويل مستعمرات المملكة البلجيكية بعد أن صار أحد أهم رجال المال والأعمال في بلاده.

البارون امبان

 

 انطلق البارون لعواصم العالم لإنشاء خطوط الترام وتزويد شركات الكهرباء بالطاقة اللازمة في أوروبا والصين وروسيا ومستعمرة الكونغو البلجيكية والهند، حتى وصل إلى مصر 1904 وقرر إنشاء خط سكة حديدي يربط المنصورة والمطرية، ولكنه لم يفلح في مسعاه بعد أن نفذت بريطانيا المشروع، وكانت مصر تحت سيطرتها بحكم الاحتلال، إلا أن غرام البارون بمصر لم يتوقف عند حد وقرر أن تكون دار المقام والفناء أيضا بدفنه فيها.

مدينة الشمس

أسس البارون شركة عملاقة عام 1906، واشترى مساحات كبيرة من الصحراء شمال غرب القاهرة من الحكومة البريطانية، وبلغت 25 كم مربع وهنا بدأ بناء حي مصر الجديدة، وأسماها مدينة الشمس هليوبوليس، متأثرا بعشقه للتراث الفرعوني والشرقي.

صورة تعبيرية لضاحية مصر الجديدة بعد تأسيس القصر

 

كانت الفكرة التي دفعت لتأسيس حي مصر الجديدة هي أن تكون مدينة للطبقة الأرستقراطية تشمل فنادق وقصور وخطوط ترام تسهل الوصول للقاهرة ومساجد وكنائس وخدمات وبنايات شاهقة على الطراز الأوروبي ومنتجعات وملاعب؛ والأهم أن البارون أنشأ مطارًا للمدينة ليكون عامل جذب عالمي إليها.

ومن يتجول في حي مصر الجديدة سيشعر ورغم مرور أكثر من قرن بأنه في موطن للجمال والتحضر خاصة لو وقعت عيناه على العمارات الباقية من زمن البارون.

صرخات في الغرفة الوردية 

لا تزال الشائعات المرعبة تطارد القصر الذي ظل مهجورًا سنوات طويلة بعد أن تركه ورثة البارون امبان وباعوه لمستثمرين عرب أولا ثم انتقاله إلى الحكومة المصرية؛ وقد تعددت مصدر تلك الشائعات؛ ولكن الثابت أن هيلينا شقيقة البارون كانت قد ماتت في حادثة سقوط مدوية من غرفتها الوردية وهي الغرفة المخصصة لها؛ كان البارون يتأمل الحي فيما تطوف به القاعدة المتحركة حتى هرع لينقذ شقيقته ولكنه فشل.

من داخل القصر وعلى مقربة من الغرفة الوردية قبل الترميم

 

وجاء ببعض الكتب أن شقيقته كانت متأثرة بمعتقدات خرافية تسربت إليها من ابنة مهندس القصر وصديقتها، لكن لا أحد يعلم غير أن البارون ذاته المصاب بالسرطان سيتوفى بعد فترة وجيزة من رحيل شقيقته 1929، وبغض النظر عن تصديقنا لفكرة حضور روح الشقيقة وإضاءتها الأنوار وصرخاتها من عدمه، لكن من يمنع ازدهار الأساطير إذا ما صدقها الناس!

البارون وزوجته

 

ارتبط ذكر القصر بالعديد من روايات الرعب وبعضها حمل اسمه، كما ارتبط أيضا بممارسات مشينة لعبدة الشيطان والذين أقاموا أحد حفلاتهم هناك في القصر المهجور مستغلين ابتعاده عن الأنظار آنذاك والكتابات والنقوش الغامضة والتي فسرها البعض بأنها ماسونية يهودية لاحتوائها على نجمة سداسية لكن ليس هناك تأكيد على ذلك.

البعض لازال يعتقد أن القصر مسكون بالأشباح!

 

معمار فريد يجذب السياحة

يعد قصر البارون أحد أشهر الآثار التي تركها ذلك المهندس الفذ، واستلهم طرازه من معبد أنكور وات في كمبوديا ومعابد أوريسيا الهندوسية، وقد عهد إلى المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل لإخراجه على نحو فريد، وصمم الديكورات الداخلية للقصر الرسام الفرنسى جورج لويس كلود، واكتمل بناؤه عام 1911 .

القصر من الداخل بعد الترميم

 

بني القصر وفق طراز باروكي أوروبي فاخر، وغرفه مزينة بطراز آرت نوفو، ويبرز التأثر بالعمارة الهندية في واجهة القصر فقد كان البارون متيما بالحضارات الشرقية، واللون الطوبي ذاته للقصر كان شائعا في عمارة آسيا الدينية، وقد اختار أيقونات للحيوانات المقدسة في الديانة الهندية وهي الأسود والأفيال.

 

يتكون القصر من بدروم وطابقين وسطح وحديقة واسعة ويوجد إلى الشرق مبنى مقسم للسيارات واسطبل خيول. ويقوده سلم خشبي ملتف طويل لشرفة القصر.

لقد عاش ثلاثة أجيال من عائلة إمبان في هذا القصر حتى 1954، ثم بيع في مزاد علني وأصبح مهجورا ثم اشترته الحكومة المصرية، وأدرجته ضمن الآثار عام 1993 لقيمته النفيسة، واشترته هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في مئوية حي مصر الجديدة وانتقل عام 2007 لإشراف المجلس الأعلى للآثار ثم بدأت رحلة ترميمه ومن ثم افتتاحه الذي واكب احتفالات في 30 يونيو .

السلالم الدائرية الملتفة

 

تحوي جنبات القصر تماثيل نصفية رومانية ولوحات تعبر عن تاريخ حي مصر الجديدة، وقد أضيفت إليها شاشات عرض متطورة لعرض الأفلام الوثائقية، وبالإضافة لذلك يضم القصر منطقة خدمات سياحية في حديقته الشاسعة مبنية على طراز مميز يشعرك بالبهجة والعراقة في أحضان العمارة الفريدة.

 

بلجيكا تساهم في ترميم قصر البارون رمز مجدها المعماري

 
 

يقف خلف عمارة مصر الجديدة بعد فلسفي هام عبر عنه المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري حين قال بأنه قائم على امتزاج ثقافات عديدة للمصريين ما بين الطراز الباروكي الأوروبي والعمارة الدينية وطرازها المستمد من ديانات عديدة والتي تعبر عن حوار الثقافات، كما ظل الحي والقصر المهيب حاضرًا في روايات الأدباء لأنه كما وصفته رضوى عاشور "قطعة من اوروبا".