الذين يحيون ذكرى عدوان يونيو ٦٧ بالعويل والنحيب لا ينطقون بكلمة عندما تأتى ذكرى مقتل نصف مليون مصرى من أصل مل

مصر,السعودية,الأمن,الكونغو,المخابرات,عبدالناصر,23يوليو

الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 - 07:49
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
23 يوليو
الجدل حول عبدالناصر

صراع حول الحاضر وليس الماضى

الجدل حول عبدالناصر

الذين يُحيون ذكرى عدوان يونيو ٦٧ بالعويل والنحيب لا ينطقون بكلمة عندما تأتى ذكرى مقتل نصف مليون مصرى من أصل مليون و٢٠٠ ألف شاركوا بأمر من الاحتلال الإنجليزى، والسلطان حسين كامل فى الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٧) لخدمة الإنجليز فى حربهم مع الألمان والأتراك.

إن كنت تُشفق على دم المصريين وكرامتهم، فأى الحربين أولى بإحياء ذكراها؟ علماً بأن خسائر مصر البشرية فى يونيو ٦٧ تتراوح بين ١٠ و١٥ ألف شهيد، بحساب المفقودين..

لماذا يحدث ما سبق؟

لأن التذكير بدم المصريين الذى راح هدراً فى الحرب العالمية الأولى سيجر الرأى العام المصرى لكراهية المحتل الإنجليزى، لكن التهويل مما جرى فى يونيو ٦٧ سيرسخ لدى الأجيال الناشئة الخوف من تحدى الإمبريالية الأمريكية والعدو الصهيونى أو السعى لبناء قطاع عام قوى وصناعة مستقلة مرة ثانية (حتى لا تكون العاقبة «هزيمة فادحة» جديدة.. وهنا يتلخص الأمر كله).

خذ عندك مثال آخر:

ذهبت مصر إلى الكونغو فى عهد جمال عبدالناصر مع قوات أخرى تابعة للأمم المتحدة لدعم باتريس لومومبا، المناضل ضد الاستعمار البلجيكى بعدما تولى رئاسة الحكومة عقب الاستقلال، وكانت المشاركة عربية (مصرية سورية) مشتركة بقيادة سعد الدين الشاذلى، وكان الهدف المصرى حماية دولة الكونغو الناشئة من المؤامرات الاستعمارية التى تستهدف تفكيكها، ثم لاحقاً قامت الكتيبة العربية بإنقاذ أسرة لومومبا بعد نجاح المؤامرة، ثم أرسلت مصر -مرة أخرى- فى عهد أنور السادات طيارين ضمن نشاط نادى السفارى الذى أسسته المخابرات الغربية لدعم موبوتو عميل الاستعمار الذى نجح فى الوصول للحكم بعد استشهاد لومومبا.. 

لكن من يتحدث عن الكونغو و«مغامرات مصر فى العالم» سيتعرض لتجربة عبدالناصر، ولن ينطق كلمة واحدة عن تجربة أنور السادات..!!

لماذا أيضاً يحدث ما سبق؟

لأن الذى يضع الأجندة، ويوجه سياق الجدل السياسى، يريدك أن تعادى الأساس التحررى الذى انطلق منه عبدالناصر، وتملك مشاعر سلبية تجاهه، لكن فيما يتعلق بالسادات فالتدخل العسكرى كان بتحريض من الغرب لذا لن تصل إلى مسامعك أى إدانة بخصوصه. الحقيقة أن الخديو إسماعيل أرسل الجيش المصرى فى مغامرات عسكرية فاشلة (معركة جوندت فى نوفمبر 1875 وجورا فى مارس 1876) فى إثيوبيا، كما أرسل الخديو عباس الأول الجيش المصرى للقتال بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا لنصرة العثمانيين فى مواجهة الروس فى حرب القرم ١٨٥٣، كما أرسل الخديو سعيد أورطة مصرية/ سودانية لدعم الإمبراطورية الفرنسية فى المساعى الاستعمارية والاستبدادية المحلية فى المكسيك، وأرسل حسنى مبارك الجيش فى تحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية للحرب على العراق عام ١٩٩٠ بذريعة تحرير الكويت، وكان المقابل شطب ديون مصرية.

كل ما سبق أنت ستتسامح معه، أو لن تسمع به، لكن ستعرف فقط عن المشاركة المصرية فى دعم ثورة اليمن فى الشمال ودعم تحرير جنوبها من الإنجليز فى الستينيات، وستأخذ موقفاً سلبياً منها، والسبب من جديد يعود إلى أن خصم مصر وقتها كان تحالف من (القوى الرجعية الإمامية الحاكمة لليمن - السعودية - شاه إيران- إسرائيل- الإنجليز)، وكل دعاية مستمرة حتى اليوم ضد التدخل المصرى فى اليمن يقف خلفه أعضاء فى هذا التحالف. 

عندما يتورط أحد فى الدفاع عن تصرفات الأمن مع أعضاء جماعة الإخوان فى السجون بعهد عبدالناصر، عليه قبل ذلك أن يسأل الجماعة نفسها:

لماذا تُسامح الملك فاروق الذى قامت حكومته برئاسة إبراهيم باشا عبدالهادى بتدبير قتل حسن البنا، مؤسس الإخوان، ومنعت الرجال من المشاركة فى جنازته، فحملت النساء جثمانه؟!

ولماذا تتسامح الجماعة مع حسين كامل الذى كان تنصيبه سلطاناً بعد عزل الخديو عباس حلمى الثانى بأمر مباشر من وزير خارجية الإنجليز إعلاناً بانتهاء أى رابطة بين مصر والسلطة العثمانية حتى لو كانت رابطة اسمية شكلية؟!

إن كانت القضية حقوقية صرف.. فلماذا أصلاً نتجادل حول عبدالناصر و(سجون) عبدالناصر.. ولا نتجادل حول فاروق والسادات و(سجونهما) أيضاً؟!، وبالمثل وعلى سياق أممى، لماذا نتجادل حول النظام فى كوريا الشمالية، بينما جرائم سنجمان رى فى كوريا الجنوبية أو الإمبراطور/ الإله هيروهيتو اليابانى لا يعرف أحد بها؟!

مرة أخيرة:

الأمر كله أن ثمة مشروعاً أسسه ناصر وسعى لإتمامه، أخطأ وأصاب خلال التنفيذ، نعم، لكن المستهدف هو تلطيخ سمعة المشروع نفسه، لمنع أى مساعٍ لتكراره مرة أخرى.. وتأتى المحاولات عبر هذا الباب أو ذاك بالتبادل.