في مجتمع عز فيه الرجال الحقيقيون ننام بعين نصف مغمضة ونسير في الطرقات.. المزيد

البرد,حريق,الأصوات

الخميس 6 أغسطس 2020 - 09:03
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
لسنا منحلّات يا فرج.. قل لي: متى نمت خائفًا؟

لسنا منحلّات يا فرج.. قل لي: متى نمت خائفًا؟

في مجتمع عز فيه الرجال الحقيقيون، ننام بعين نصف مغمضة، ونسير في الطرقات نتلفت في كل الاتجاهات، خوفًا من آثم يعتدي علينا، وهربًا من نظرة فاحصة تؤذينا، ونتلهف في نهاية اليوم للعودة إلى منازلنا ولكن بذهن مشتت، وقلب يرتجف مما سيحدث صباح الغد.



ورغم كل هذا العناء، لم تتوقف حلقات مسلسل الاتهامات ومحاولات التشكيك في سلوكيات وأخلاقيات الفتيات المغتربات، وحتى اللاتي يعشن بمفردهن نتيجة ظروف قد تكون خارجة عن إرادتهن. الجميع يُنصّب نفسه دائمًا في دور القاضي، يطلق الأحكام، يبرئ هذا ويتهم ذاك، وآخر تلك الاتهامات جاءت من شاب يُدعى محمد فرج، معروف بأنه "إنفلونسر" شهير، يتابعه مئات الآلاف.

عِقد من الأحزان

قبل عقد من الزمن، تعالت الأصوات والزغاريد في منزلنا بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة، وعمّت البيت فرحة عارمة بالمجموع الكبير الذي حصلت عليه، ولكن سرعان ما سكتت هذه الأصوات ليتساءل الجميع: "نويتِ على إيه؟".

كان هذا السؤال بمثابة خنجر مسموم أصابني في قلبي، فدائمًا ما حلمت بالالتحاق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ولكن ما الذي تغير بعد أن أصبح الحلم حقيقة؟ الحقيقة أنه لم يتغير شيء، فالحلم كما هو والدوافع لا تزال موجودة، ولكني بدأت أشعر بألم الغربة قبل أن أتذوقه فعليًا، ولم أستطع التحكم في نفسي والدموع تنهمر من مقلتيّ.

أعددت الحقيبة وحاولت أن أخفي دموعي عن والدتي التي كانت تراقبني في صمت، ولكنني لم أستطع، فأطلقت لها العنان لتسقط أنهارًا، وخرجت والدتي لتوصلني ولم تقدر قدمي أي منا على حمل صاحبتها، فكانت كل منا بحاجة إلى أن تستند على الأخرى التي تعتبر عكازها في الحياة، وكانت عيني والدتي تشعان ألمًا وحزنًا، وحاولت أن تخفي ذلك بابتسامة خفيفة حابسه خلفها دموعها، وبمجرد تحرك السيارة أطلق كل منا العنان لدموعه، فقد كنت أراقبها حتى تحركت السيارة، ولا تزال على هذا الفعل حتى الآن رغم مرور أكثر من عقد على غربتي، فهي رفيقة طريقي التي تخرج لتودعني في البرد القارس والظلام الدامس، وأنا أسمع كلماتها التي لم تتفوه بها مطلقًا، وهي تقول "لحد امتى يا بنتي؟".

وما كانت إلا ساعات محدودة حتى خطت قدماي قاهرة المعز، وبمجرد وصولي إلى مبنى المدينة الجامعية التفت حولي الطالبات، منهن من تواسيني بالكلمات والأخرى تربت على كتفي، ولم أستطع وقتها التحكم في دموعي، التي لم تجف حتى الآن، وأخذت أعد الأيام لحين قدوم عيد الأضحى المبارك وامتحانات الفصل الدراسي الأول، حتى مر الأسبوع الأول ببط، ولم أصدق نفسي وأنا أقف على رصيف المحطة في انتظار القطار لكي أعود إلى بيتي ولكن عقارب الساعة كانت تسير كالسلحفاة، وأنا أنظر إليها وأقول تبًا لكِ.

4 سنوات قضيتها في الكلية والمدينة الجامعية كانت مفعمة بالأحداث القاسية ولكنني لم أقم بالشكوى يومًا ما لأن ذلك يتنافي مع طبيعة شخصيتي، كما أنني لا أرغب في أن يقلق والدي عليّ أكثر من ذلك.

بدأت معاناتي مع طابور الطعام الطويل الذي كنت لا أقوى على الوقوف فيه بعد عودتي من الجامعة للحصول على الطعام؛ لتأتي مشكلة الطعام ذاته والذي كان لا يصلح للبشر وبسببه كرهت أكلتي المفضلة "البازلاء"، ولم أنسى أول يوم استلمت فيه الطعام المخصص لي فأمسكت بـ"ورك الفرخة"، ونزعت الجلدة التي تغطيه لأتفاجئ بالعظم الذي خلى من اللحم تمامًا، وقتها أدركت أن "من خرج من داره اتقل مقداره".

خلال هذه الفترة ألقيت كل هذه الأمور جانبًا، فلم ألتفت لطعام ولا شراب ولا دواء ولا لأي شيء، ولم أرى إلا هدفي الذي وضعته نصب عيني، وهو الحصول على الشهادة، ووسط هذا كله كانت والدتي دائمًا ما تلوموني "شكلك عامل كده ليه خسيتي ده أنت لسه ما كملتيش 25 سنة حرام عليكي اخرجي اتفسحي مع صحابك وما تخديش الحياة قفش كده عيشي حياتك الأيام دي مش هتتعوض"، ولكنني وقتها لم أجد أنني فعلت شيئًا يستحق الفسحة والفرحة، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى حققت أول أهدافي وحصلت على البكالوريوس بتقدير عام امتياز مع مرتية الشرف.

وبعد أن كنت أرفض الغربة وآلامها ومراراتها التي تلازمني حتى الآن، إلا أنني ضربت بهذه المشاعر عرض الحائط وقررت الالتحاق بمرحلة الماجستير، ولم تجف دموعي حتى الآن، فدائمًا ما أسند رأسي على شباك السيارة التي أستقلها في رحلتي وأسمح لدموعي بالانطلاق، غير مكترثة بمن حولي.

                                       ***

ماذا تفعل حضرتك إذا حدث حريق في منزلك ولم يكن أمامك وسيلة للنجاة سوى الإلقاء بنفسك من الطابق الخامس وخاصة بعد رفض الجيران للمساعدة؟، ماذا تفعل إذا أصابك ألم ولن تقوى على القيام لإحضار كوب من الماء؟، ماذا تفعل إذا أصابك مرض في وقت متأخر من الليل ولم تستطع الخروج لإحضار الدواء؟، وهل جربت في مرة تمشي والرصاص ينهال فوق رأسك كالأمطار لا تعرف مصدره، وكل ذنبك أنك حريص ما تضيعش المحاضرة؟، ده كان بيحصل معانا كل يوم أربع مظاهرات وضرب لدرجة أني كتبت وصيتي وكنت كل مرة بكلم الناس اللي بحبهم قبل ما أروح الجامعة يمكن تكون المكالمة الأخيرة.

لحظات قاسية تعيشها هؤلاء المغتربات ولا يعلم عنها أحد من هؤلاء المشككين عنها شيئًا، والعزاء الوحيد في ذلك هو الحلم أو الهدف الذي تصبو إليه هؤلاء الفتيات.

وعلى سبيل المثال، فهذه الفتاة التي تحكي لكم تجربتها، تخرج في التاسعة من صباح كل يوم وتذهب إلى الجامعة أو أي مكان آخر من الأماكن التي تحتاج الذهاب إليها لمساعدتها في دراستها، ثم تذهب بعد ذلك إلى الجريدة وتعود إلى المنزل في الحادية عشر ليلًا، لتستكمل مذاكراتها حتى ساعات متأخرة من الليل وتقوم لإعادة نفس السيناريو في اليوم التالي، ولكنها بعد أن تفرغ من مذاكرتها، تذهب إلى فراشها وتندثر تحت الغطاء وتضم وسادتها وسرعان ما تتساقط الدموع من عينيها، وذلك بعد تفكيرها في والدها ووالدتها التي تخرج كل مرة من البيت ولا تعلم إذا كان مقدر لهما اللقاء مرة أخرى أم لا؟.

ولا أخفي عليكم أنني في أوقات كثيرة أعود متهالكة ولا أقدر حتى على عمل "ساندوتش الجبنة"، رغم أنني كان أمامي فرصة عمل جيدة بالنسبة لأي شخص آخر غيري، لأنه لم يبذل فيها أي جهد بالإضافة إلى راتبها المجزي ولكنني رفضتها لأني استحرمت أن أخذ مالًا من الهواء، في الوقت الذي تقوم فيه سيادتك بعمل فيديوهات تسخر فيها منّا من أجل كسب الأموال جراء المشاهدات التي تحققها، فهل علمت الآن الفرق بيننا وبينك؟؟؟... أرجع وأقولك إن كل إنسان يري الناس بطبعه؛ فالشرير يري الناس أشرارًا، والعكس صحيح.

فهذه هي حياة المغتربات اللاتي تلقوا عليهن الاتهامات، دبغت بالسواد الذي اعتادت عيناهن على رؤيته ولم يستطعن رؤية غيره من الألوان، فقبل أن تنهالوا عليهن بالاتهامات حاولوا أن تضعوا أنفسكم مكانهن، وتذكروا قول الله تعالى "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم".