كثيرا ما تمر علينا أيام ثقال..كأننا نحمل أكثر من أضعاف أوزاننا ولا نستطيع.. المزيد

اختفاء

السبت 19 سبتمبر 2020 - 17:21
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

اختِفَاء.. مَلَاذ

ماري شاكر
ماري شاكر

كَثيراً ما تَمُر عَلَينا أيَّام ثِقال..كأننا نَحمِل أكثَر مِن أَضعَافِ أوزانَنا وَلا نَستَطيع التَحَمُل. نَتَمَنَى الاِختِفاء..نُرِيد الهُرُوب فَتَحلَم في اليَقَظَة بأَنَّكَ تَمضي في طَريقٍ تَراه لأول مَرَّة.. هارِباً مِن أشيَاءٍ لا تَستَطيع تَحدِيدها.. إلى مَجهُولٍ لا تَعلَمه.



لَكِن كُل ما تَشعُر بِه انَّكَ تَبدأ في التَخَلُص مِن الثِقَل الَذي يَعلُو أَكتافَك شئ فَشئٍ حَتَّى تَمضي خَفيفاً..فَتَبدأ تَتَنَسَّم الحُرِيَّة..تَشعُر بهَواء رَقيق يُداعِب وَجهَك. تَنظُر إلى السَماء وَتَبتَسِم لتِلكَ النجُوم الَتي تَسبَح بحُرِيَّة في الفَضاء.. تَتَذَكَّر كَم كُنت سَعيداً في آخِر مَرَّة جَلَست مُتَأمِلاً السَماء وَنجُومها فَيَنبض قَلبك بِدَقَّاتٍ كَموسيقى موزارت وَشوبان مُمتَزِجة مَعَاً في هارموني ساحِر غَرِيب مَع صَوت أَموَاج البَحر الهادِئة.

كَم مَرَّةٍ شَعرت بِذَلِكَ الَحنين إلى المُضِي لمَكانٍ مَجهول وَتَختَفي!! كَم مَرَّةٍ أرَدت الرَكض بَعيداً! يأتي ذَلِكَ الإحساس فَجأة.. وَلَكِنه لا يَذهَب فَجأة.. فَمَع كُل مَرَّة يَأتِيك ذَلِكَ الإحساس يَأخُذ جُزءً مِنكَ مَعَهُ وَلا يَعُود بِهِ. إحساس غَريب يُفاجِأَك.. يَأخُذَكَ وَيَمضي..فَتَكُون ذَلِكَ الحاضِر الغائِب.. حَاضِراً بِجَسَدِكَ فَقَط لَكِن إحساسك وَكَيانك وَعَقلك في مَكانٍ آخَر.. وأحياناً مَع أَشخاصٍ مُختَلِفَة بَل وَأَحياناً في زَمانٍ آخَر.

تَجِد نَفسَك تَتَمَنَّى ألَّا تَعُود..تَتَمَنَّى أَن تَظَل في ذَلِكَ العَالَم الَذي صَنَعَهُ خَيَالك وَإحسَاسك بَعِيداً عَن تَلكَ الضَوضَاء وَالتَشوِيش. تَذهَب هُنَاك كَمَلاذٍ آَمِن لِتَهرَب مِن المَفرُوض.

المَفرُوض..ذَلِكَ الواقِع الَّذي لَم تَتَمَنَّاه يَوماً وَلَم تَرَهُ وَلا في أَشَد أَالخيال حلامِكَ إزعاجاً وَإيلاماً..واقِع فَرَضَ نَفسَه بالقُوَّة بالرَغم مِن شِدَّة رَفضك وَمُحارَباتَك.. لَم تَستَسلِم وَلَكِنَّهُ كانَ أَقوَى..لَم يَكسَرَك لَكِنَّهُ أَشَد وَأَصلَب..لَم تَعُد تَحتَمِل وَتَظَل تُكافِح وَتَعنِد وَتُحارِب وَلَكِنَّهُ قَد اِستَعمَرَ وَاستَباح حَيَاتك مُتَحَدِيَاً كُل أَحلامَك وَأَمَانِيك.. فَتَهرَب إلَى مَكانِكَ المُفَضَّل..مَلاذِكَ الآمِن..تَذهَب فَجأة وَتَختَفي حَيثُ تَتَمَنَّى أن تَنتَمي..مُتَرَجِياً أن تَجِد ذاتَك.

ذاتَك التي أصبَحَت تَتُوه مِنكَ كَثيراً وَسطَ الواقِع وَالمَفرُوض.. أَو الواقِع المَفرُوض.. ذاتَك التي كُنت تَتَمَناها شئ آخَر بِخِلاف ما يَحدُث فَجَعَلها ذات أُخرَى غَيرَك..صُورة لا تَعرِفها لَم تَكُن تَتَمَناها أو تَتَوَقَعها. تَجلِس أحياناً وَحِيداً مُتَأَمِلاً..فَلا تَعرِف أَهُو سُوء حَظ أَم سُوء تَرتِيب..حَتَّى أَنَّكَ أَحيَاناً تَعتَقِد أَنَّهُ قَد تَكون أُلقَت عَلَيك تَعوِيذَة مِنَ السِحر الأسوَد..لأَنَّكَ بِبَساطَة لا تَجِد مُبَرِر لِمَا يَحدُث.

لا تَجِد شئ غَير إجابَةٍ واحِدَةٍ..ألَّا وَهِيَ "الحَياة غَير عادِلَة"..لا تَجِد عَدلاً في شَئ. تَفعَل ما تَفعَل..وَتُحاوِل بِكُلِ السُبُل..وَتَجِد نَفسك تُعاقَب علَى أشيَاء لَم تَفعَلها. وَحَتَّى أنَّكَ عِندَما تَذَل أَو تُخطِئ تَجِد نَفسَك أَصبَحت الضَحِيَّة وَالجَلَّاد لِنَفسِكَ..تِلكَ النَفس البَريئَة الَّتي ظَلَّت تُكافِح..وَحِينَ أُنهَكَت إنهَلتَ عَلَيها بالجَلَدات وَالاأَحكام.

فَلَم تَجِد بُداً سِوَى الهَرُوب وَالاِختِفاء حَتَّى مِن ذاتَك.. تَبتَعِد لِتَهدَأ..تَجِد مَلاذاً يَحتَوِيك..يَحتَضِن وَجَعَك وَأنِينَك..يُنصِتُ إلَى صُراخِكَ المَكتوُم, يَحِل ألغازَك وَأحاجِيك.. يَقرَأ أفكارَك المَكتُوبَة بِلُغَةٍ لَم تُختَرَع بَعد.. يُفَسر كَلامَك الغَير مَنطُوق أو حَتَّى مَعلُوم. فَتَهدَأ..تَهدَأ وَتَعُود..تَعُود تارِكاً نَفسَكَ وَرَوحكَ في مَكانٍ آخَر.. مَكان أَصبَحت تَعلَم أنَّهُ مِلكَك في عالَمِك..أنَّهُ مَلاذَك..أنَّهُ أنت.