عرفت الشمس طريق تلك الحارة مع أول نسيم ممزوج برائحة الربيع الفواحة بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم المحفور في قلوب

الأطفال,المعارضة,باب الحارة

الخميس 6 أغسطس 2020 - 08:26
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
على باب الحارة

على باب الحارة

عرفت الشمس طريق تلك الحارة مع أول نسيم ممزوج برائحة الربيع الفواحة بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم المحفور في قلوب سكانها يروونه لأحفادهم وكأنه لن يعود بعد رحيل العمر عن تلك الحارة الجميع يستيقظون ليضربوا في الأرض وفجأة يسمعون أصوات عالية فيخرجوا مسرعين فإذا بسيارة العمل الخاصة بعم حسن تعطلت فيتكاتفون لتحريكها فإذا بموتور السيارة يعمل فتتحرك مسرعة ضاغطة بعجلاتها على قدم عم جورج الذي ينتظر عمال البناء لترميم بيته المتهالك من رياح الشتاء الماضي فينادي الشيخ علي إمام المسجد معلنا في سكان الحاره كلنا عمال اليوم لترميم بيت جورج!

هنا أتى الطبيب “ابن الشيخ علي” ليسعف قدم جورج وإذا بالعم حسن يعلن بصوت قوي “الإفطار والغداء عندي اليوم سأحضره في منزل جورج لجميع العمال”، فأسرع الجميع يأتي كل منهم ما يستطيع من بيته للمساعدة في أعمال البناء في مشهد حافل بالحب الذي يجمع سكان تلك الحاره وإذا بزهرة بنت الأربع سنوات وزهرة الحارة تضع يدها في جيبها لتخرج ربع جنيه معدني قائلة ذلك مصروفي أعطيه لعم جورج فقد بكيت عندما رايته يتألم فضحك الجميع مسرورين بزهرة وقام كل واحد يُقبلها ويحتضنها. 

السكان عمال والأطفال يلعبون والجمع أسرة واحدة ونسيج واحد لم تشوه تلك القنوات ثقافاتهم ولم تعرف أيادي الغدر مكان تلك الحارة..ضيف أحدهم هو ضيف الحارة وبنت أحدهم هي بنت الحارة..الفرح واحد والحزن واحد، سيارة حسن في خدمة الحارة والشيخ واعظهم ومصدر علمهم وابنه طبيبهم والأمن والطمأنينة سيدة الموقف..لم تتلوث عقولهم ولم تتلون مبادئهم..لا يعرفون الأحزاب ولا المعارضة.

لا يعرفون التطرف السياسي أو الديني، ولا يجول في عقولهم أن جورج مسيحي، كل ما يعرفونه أنه جار لهم يفرحوا معا ويحزنوا معا ويتقاسمون الآمال والأحلام، لم يعرف هذا الجيل أنه سيأتي يوماً ويصبح التلفاز في كل بيوت الحاره والتليفون في كل يد في الحاره. ولم يعد الشيخ علي هو مصدر العلوم في الحاره فاصبح لكل واحد مصدره الخاص، ومات حسن ومات جورج ومات الشيخ علي في أيام نحسات علي تلك الحاره وخرج الدكتور من الحاره. وابناء حسن باعوا السيارة وبقيت زهرة، لكنها لم تعد تستيقظ إلا علي سباب الأطفال وبذيئ الكلمات، وخروج الأمهات من بيوتهن يعايرن بعضهن البعض، وخروج الرجال بالفؤوس على بعضهم لمجرد أن نظر إليه نظرة فظنها نظرة سوء.

  لم يعد المستقبل الذي طالما حلمت به من دفئ وأمان في الحارة، المشهد أصبح قاتما ملبدا بغيوم الحقد والكراهية، الأمل موجود ومعقود في زهرة، وأبنائها فهي تجاهد أن تصم آذانهم عن سباب الصبية وتغمض أعينهم عن جديد الزي والمنكرات، الأمل معقود في بنات زهرة التي تسقيهم من ماء نظيف عسى ان يغيروا الحال ويعودوا بقيم وأخلاق غطاها غبار الزمان.