فى أغسطس عام 1957م أرسلت السفارة البريطانية فى طهران برقية عاجلة إلى وزارة خارجيتها تنقل محادثات تمت مع الج

مصر,القاهرة,السعودية,الإسكندرية,بورسعيد,وسائل الإعلام,قطر تطلب حماية مصر

الثلاثاء 11 أغسطس 2020 - 12:13
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

قطر تطلب حماية مصر

الجيش المصري - صورة أرشيفية
الجيش المصري - صورة أرشيفية

فى أغسطس عام 1957م، أرسلت السفارة البريطانية فى طهران برقية عاجلة إلى وزارة خارجيتها، تنقل محادثات تمّت مع الجنرال بختير (المقصود هو تيمور بختيار الذى ترأس قوات السافاك الإيرانية من العام 1956 وحتى العام 1961م، وساهم فى توثيق علاقة إيران بإسرائيل)، أخبرهم ببعض التقارير عن نية شيخ قطر (حينها كان الشيخ على بن عبدالله آل ثانى يتولّى حُكم قطر واستمر أميراً لها حتى عام 1960م) السفر إلى القاهرة لمناقشة احتمال وضع بلاده تحت حماية قوات الجمهورية العربية المتحدة.



وبالطبع يجب ألا نغفل أن هذه الفترة شهدت الانتصار المُدوِّى الذى أحرزته مصر على العدوان الثلاثى (وإنجلترا تحديداً) بعدما قضت على نفوذها تماماً فى البلاد عقب نجاح قرار تأميم القناة، وإدانة العالم بأسره كل الجهود العسكرية التى بُذلت من أجل الاستيلاء على القناة بالقوة، ما منح مصر مهابة وثقلاً سياسياً كبيراً، واستشعرت بريطانيا أن القاهرة باتت تُنافسها بشدة على النفوذ فى المنطقة.

لذا كان التخوف البريطانى من مثل هذا النبأ مفهوماً للغاية، فى ظِل النفوذ البريطانى التاريخى على منطقة الخليج، خاصة مع الاحتياطيات البترولية الواعدة التى ظهرت تحت ترابها، فوصل الإنتاج إلى 5.4 مليون طن بترول بلغ عام 1960م 8.2 مليون طن.

ولهذا كان الاهتمام كبيراً بهذه الأنباء، وطلب مُرسِل التقرير إفادة عاجلة بهذا الشأن، وتحويله أيضاً إلى القسم الأفريقى، والقسم الشرقى بالوزارة لدراسة تداعيات حدوث خطوة كهذه.

ووقتها كانت جميع المعلومات المتوفرة عن الزيارة المرتقبة من أمير قطر للبلاد هو أنه ينوى السفر إلى سويسرا لتلقى العلاج، وأنه سيطير إليها عن طريق القاهرة.

وتؤكد الوثيقة، أنه على الرغم من ذلك فإنَّ وسائل الإعلام المصرية أعلنت أن هذه الزيارة (رسمية)، ما يعنى أنها تضمنّت مباحثات بشأن العلاقات بين البلدين، وهو ما لا تقطع بصحته الوثيقة، وتعتقد أن هذا الإعلان ربما يكون على سبيل «الدعاية المصرية».

وأكد التقرير، أنَّ قطر بالتأكيد من أكثر المناطق التى تحتاج إلى حماية فى منطقة الخليج العربي، لكنَّ التحليل الإنجليزى اعتبر أنها ستطلبها من السعودية وليس من مصر.

على الفور بعث «قسم الأجانب» إلى الممثل السياسى لإنجترا فى منطقة الخليج السير (بيرنارد باروس Sir B. Burrows)، والمقيم فى البحرين برسالة تُنبِّئه بهذا الأمر، معتبرة هذه المعلومات «تطور خطير»، وتساءل صاحبها هل ينبغى القيام بأى إجراءات خاصة من أجل قطر؟

لم يتأخر الرد من البحرين، ففى اليوم التالى مباشرة بعث باروس بردٍّ على ما وصفه بـ«الرواية الإيرانية بشأن قطر»، أكد فيه أن السبب الأساسى لسفر أمير قطر إلى مصر هو العلاج، وادّعى أن الأمير أكد لأحد معاونيه أنه لا يُحب «ديكتاتورية عبدالناصر»، وأن السبب الوحيد لزيارته هو اللحاق بباخرة السفر ولن يقضى فى القاهرة وقتاً أطول من تنفيذ هذه المهمة أبداً.

وادّعى أيضاً، أن الشيخ القطرى أكد أنه يحظى بحماية ملكة إنجلترا وحكومتها، وهو أمر لا يُريد تغييره لأى سبب.

ويسرد بعدها تفاصيل زيارة شيخ قطر لمصر، والتى تضمنت زيارة بورسعيد ومنها إلى الإسكندرية ليلحق بالباخرة التى ستنقله إلى إيطاليا ومنها إلى سويسرا.

ويعترف باروس، أنه حدث لقاء بالفِعل بين عبدالناصر وشيخ قطر، لكنه يقول إنه ليس واضحاً الطريقة التى سار عليها هذا اللقاء.

وفى النهاية ختم الرجل رسالته بملاحظة مهمة، هى: لا أعتقد بصحة القصة الإيرانية، وأكد أن الحاكم لو أراد الحصول على حماية لتوجّه إلى السعودية وليس مصر.

يُذكر أن هذه الزيارة المثيرة للجدل تمت فعلاً، واستقبل عبدالناصر، الشيخ على واجتمع به، وأعلنت وسائل الإعلام الرسمية حينها أن المباحثات جرت بينهما فى إطار ودّى يسعى لتحقيق «خير العرب جميعاً»، وبعدها نعلم أن عبدالناصر كلّف مندوباً عنه لمصاحبة الشيخ على فى زيارة إلى المتحف المصرى للآثار، كما أنه أهدى ابنه محمد وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى.

وتأتى هذه الزيارة فى ظِل سخاء مصرى فى مساعدة قطر على تجاوز مشاكلها، ففى العام 1965م ارسل عبدالناصر 20 ألف طن حبوب إلى الدوحة؛ لمساعدتها على تجاوز أزمة غذائية طاحنة، كما أهدى لها طائرتين حربيتين عام 1971م لتكونا نواة لسلاحها الجوى.

إلا أن هذا لا يعنى أنه لم يحدث خلافات بين الطرفين، قد يكون أبرزها إعلان الدوحة مقاطعتها القمة العربية التى عقدت فى أواخر الستينيات فى مصر، وعلق الرئيس جمال عبدالناصر حينها قائلاً: «الله الله.. نخلتين وخيمة تقاطع مصر».

 والمفارقة التاريخية الكُبرى، أنَّ حفيد الشيخ على ذاع صيته خلال اندلاع الأزمة الخليجية مؤخراً، بعد قرار مصر والدول الخليجية مقاطعة قطر، وهنا لمع اسم الشيخ عبدالله بن على آل ثانى كأحد الذين خففوا من حدة هذه الأزمة، بعد أن توسّط لحل مُشكلة الحجاج القطريين، واستجاب العاهل السعودى الملك سلمان لمبادرته، وحينها تحدثت وسائل الإعلام عن هذا «الفرع العاقل» من أسرة آل ثانى، والذى حُرم من حقه فى الحُكم عقب انقلاب جرى على يدى خليفة بن حمد الذى انتزع السُلطة من أحمد بن على آل ثانى، ومن حينها سيطرت العشيرة الحمدية على حُكم قطر.