من أين البدء البدايات كثيرة ومتداخلة الحروف مرتبكة تماما حين تحكي عنه فنحن في حضرة شهيد وبطل استثنائي كل ا

الشهيد منسي,أحمد منسي,كمين البرث,ذكرى استشهاد منسي

الخميس 26 نوفمبر 2020 - 00:07
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

أحمد منسي.. فارس هذا الزمان

من أين البدء، البدايات كثيرة ومتداخلة، الحروف مرتبكة تماما حين تحكي عنه، فنحن في حضرة شهيد وبطل استثنائي، كل التعبيرات والمعان العظيمة أقل من أن تصفه، بالطبع كل الشهداء في قلوبنا، نفتخر بهم ونحكي بطولاتهم إلى آخر العمر، لكن الشهيد "أحمد منسي" حالة خاصة جداً، فارق بشكل كبير، مؤثر بشكل لافت، بطولاته العظيمة على أرض سيناء، تضعه إلى جوار الأبطال العظام، كالشهيدين عبد المنعم رياض، وإبراهيم الرفاعي.



"ما ياخدوش حد مننا"، آخر أمر وجهه منسي لرجاله، كانت تلك الجملة بمثابة الوداع الأخير، رجاله نفذوا الأمر وانصاعوا له تماما، وودعوا قائدهم الذي أحبوه، وأخلصوا لأوامره، اعتلى البطل سطح الكمين، ليدفع بسلاحه "البريتا" أي تكفيري يقترب منه، استطاع وحده أن يقتل حوالي أربعين تكفيري، بحسب التقديرات، كما يقول رأفت بلاط، المحامي، والصديق المقرب من الشهيد أحمد منسي، والذي يقول عنه "أحمد عمل عمليات كتير جدا في سيناء، وخارج مصر، ومن 2013 ل 2017 كان محقق أكتر من 200 مداهمة، واستطاع إنه يقضي على تكفيريين كتير سواء بالتصفية أثناء تبادل النيران، أو بالقبض عليهم وتسليمهم للسلطات، لذلك فهجوم البرث مش مجرد هجوم عادي زي أي هجوم، هجوم البرث كان مخطط له بدقة شديدة ومدروس، عشان هما عايزين أحمد منسي بالإسم، لأنه كان مسببلهم رعب"،

ويستكمل قائلاً "المبنى اتضرب عليه كمية ذخائر لا حصر لها، ولا يتخيلها عقل، صواريخ كورنيت وقذائف هاون، و2 طن سي فور في العربيتين المفخخين اللي فجروا الكمين، تخيلي كمية التكفيريين والأسلحة والذخيرة والمفخخات دي  كلها عشان يجيبوا أحمد منسي وتلاتين واحد، تخيلي كان عاملهم إيه".

ورغم كل هذه الأسلحة وتلك المفخخات، لم يستطع أحد منهم اعتلاء الكمين، أو التمثيل بجثة أحد من الأبطال، بفضل قوة وثبات القائد العظيم، فبقدر بطولته الاستثنائية، كان قائداً استثنائياً أيضا، يقول بلاط "الفرد في القوات المسلحة لا يساوي شيئا بدون قائد، القائد هو اللي بيغذي الشعور عند فدائي الصاعقة، وبينمي ثباته وتمسكه بالأرض، وإحساسه ورغبته في الشهادة، مش بقول الكلام ده عشان صاحبي، لكن اسألي أي قائد في القوات المسلحة لو موقف كمين البرث كان القائد فيه مهزوز أو مش قادر يبث روح الفدائية في رجالته، كانت البرث خلصت تقريبا في عشر دقائق، وكل الفدائيين كانوا ماتوا واتاخدت جثثهم، وقدر التكفيريين يحققوا المراد من الهجوم، هنا تبرز شخصية القائد، لذلك كان أسلوب تدريب أحمد منسي وحركته وطريقة تعامله مع الأفراد سواء ضباط أو عساكر غير نمطية بالمرة، وكان مؤمن بمقولة كلما بذلت جهد وعرق، قللت نسبة الدم، عشان كده كان صارم في التدريبات". رأفت، والذي لم يكن صديقا منذ الطفولة لأحمد منسي، لكنه كان صديقه القريب، لأن عمق الصداقة ليست بالسنوات الطويلة، ولكن بمدى صدقها وعمق الرابط، يقول  "كنت متوقع إن الشهادة جاية جاية، عقلي دايما يقولي كده، لأن عملياته كانت عنيفة، دي عمليات واحد رايح مش راجع، لكن قلبي كان بيقول لأ"

وبحسب صديقه فالشهيد منسي كان مقبلا على الحياة قدر اقباله على الاستشهاد "أحمد بيحب الحياة جدا، أيوة عايز يستشهد في سيناء، لكنه في نفس الوقت كان مقبل على الحياة، بيحب السفر وبيحب يفسح عياله، ويشتريلهم كل اللي نفسهم فيه، حسب المتاح، وكنا بنطلع مع بعض المصيف، كان بيحب شرم الشيخ والغردقة وكل خط البحر الأحمر، أحمد مكانش زاهد في الحياة، بالعكس كان بيحب الحياة وفي الوقت نفسه كان بيتمنى الشهادة".

كل التفاصيل في حياة الشهيد أحمد منسي، تخبرك أنه كان استثنائياً، يقرأ ويبحث عن أصل المعلومة، لا يكتفي بالسمع فقط، يضيف بلاط"أحمد كان قارئ نهم، مبدئياً كل يوم الصبح كان بيقرأ صفحتين على الأقل من القرآن الكريم، وكان صوته حلو في القرآن، بالإضافة إنه كان بيقرأ في التاريخ والجغرافيا وكل المجالات تقريبا، لما كان يسمع معلومة يبحث عنها ويتتبعها، لو قرأ حديث نبوي يبحث عنه كويس ويشوف مدى صحته، مكانش أبدا يكتفي بالسمع، أرسلت له مرة تقرير عن الاكتشافات البترولية واكتشافات الغاز في البحر المتوسط، والتهديدات المحتملة على مصر، هو كان منتبه لده كويس جدا، حتى في المسلسل كان فيه مشهد عن الموقف ده، كذلك كان دايما يتحرى العسكريين القدامى، لما عرف إن خالي كان محارب قديم في الصاعقة المصرية، أصر على زيارته، كان بيدون ملاحظاته ويروح يذاكرها، ويذاكر كل اللي يقوله العسكريين القدامى لما يقابلهم، حتى في السينما كل إنتاج هوليوود عن الحربين الأولى والتانية، وحرب  فيتنام وغزو أفغانستان والعراق، أحمد شافهم واتفرج عليهم، كان بيذاكر العسكرية بحذافيرها".

الصديق، لم ينس صديقه، الألم والحزن لا يزال قائما، ما يصبره فقط، أن هذا ما أراده صاحبه، وأنه بالتأكيد في  أفضل مكان عند الله عز وجل. منسي، غرست سيفك هناك في جبهة صحراء سيناء، التي فاضت روحك من أجلها، واستجاب لك العدم. ثلاث سنوات ومازال الجميع في الأرض الطيبة، يتذكرونك، يبكونك كما لو أنهم يعرفونك عن قرب، يرسلون لروحك السلام والورود، فقد كنت للمصريين، فارساً وأباُ وأخاُ، وملك.

ستمر السنوات، تبتلع الكثير والكثير من الذكريات والأحداث والمواقف، لكن مشهد هذا الجسد الممتد على سور مبنى قصر راشد، والذي بدا وكأنه مستغرقا في سبات عميق، ممسكا سلاحه في يده، لم يتخل عنه، سيبقى هذا المشهد عالقاً في الأذهان، مشهد نهاية يليق بجلال بطل أسطوري عظيم، وتليق به أيضا كلمات الشاعر الكبير أمل دنقل في قصيدته ضد من "وأرى في العيون العميقة، لون الحقيقة.. لون تراب الوطن"، فسلام لروحك.. ووردة.