بعد سنوات من الآن وأمام رفيقاتها وزملائها ستقف تالين أحمد شبراوي لتحكي قصة صمود وبطولة واستبسال ليست من وح

سيناء,ملحمة البرث,ذكري البرث,الشهيد شبراوي,حكايات شهداء البرث,الشهيد أحمد منسي

السبت 28 نوفمبر 2020 - 07:12
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

في ذكراه الثالثة

حكاية "سالوبيت" لن يراه الشهيد شبراوي أبداً

الشهيد شبراوي ونجله
الشهيد شبراوي ونجله

بعد سنوات من الآن، وأمام رفيقاتها وزملائها، ستقف تالين أحمد شبراوي، لتحكي قصة صمود وبطولة واستبسال، ليست من وحي فيلم أمريكي، كقصة إنقاذ الجندي رايان، لكنها قصة حقيقية تماماً، أبطالها كانوا يسعون بجوارنا في الطرقات. ستقف تالين لتخبر الجميع أن هذا الوجه الحسن، صاحب العينين العسليتين العميقتين، هو وجه أبيها، وأن هذه البطولة والملحمة الأسطورية، بطولته، وأن الدماء التي تجري في عروقها، تجري في أرض سيناء أيضاً. 



رحل الشهيد الرائد أحمد عمر شبراوي، أحد أبطال ملحمة البرث الأسطورية، قبل ثلاث سنوات، تاركا وراءه طفلين، هما عمر وتالين، التي رزقت بها حرمه المهندسة ندى شبراوي، عقب استشهاده بشهرين.

تتذكر ندى اليوم الذي أرسلت فيه صورة "سالوبيت" تود شراءه لطفلتها القادمة، عبر واتساب للشهيد، كان ذلك قبل استشهاده بأيام معدودات، طلب منها أن تتمهل قليلا، قائلا لها "ماتشتريش حاجة دلوقتي غير لما أنزل أجازة، وهانشتريلها كل حاجة سوا، أنا عايز أختارلها بنفسي كل حاجة هتلبسها"، تقول ندى بنبرة فيها لمحة من حزن "كان بيحبها من قبل ما يشوفها، ويقولي دي هتبقى حبيبة أبوها وهتاخد قلبي"، تتذكر ندى كيف كانت تتغير نبرة صوته ولمعة عينيه عندما يعبر عن اشتياقه لرؤية طفلته القادمة، التي كان يصفها دوماً بـ"حبيبة أبوها".

الزوجة برفقة زوجها الشهيد شبراوي
الزوجة برفقة زوجها الشهيد شبراوي

لكن القدر لم يمهله، لم يشتر الرائد شبراوي ملابس ابنته الوليدة، لكنه اشترى لها، بدمائه، وطنا، آمنا، أنكر فيه ذاته تماما، أفنى عمره وحياته ومستقبله، ثمنا، لتعيش هي ورفيقاتها وأجيالا قادمة في وطن، يطمئنون للسير فيه، دون خوف أو جزع، لتقف أمام رفيقاتها تحكي لهم عن بطولته، لم يُهدها "السالوبيت" لكنه أهداها فخرا وجلالا، حتى آخر العمر، فأي هدية أعظم وأجل من ذلك يا تالين.

تحكي ندى عنه "أحمد كان بيحب الأطفال أوي، كان حنين جدا، ورغم قوة شخصيته وجسارته، كان بيضعف أوي قدام الأطفال، ولما كان بينزل أجازة كان بيلعب مع عمر كأنه طفل صغير. كان بيتأثر أوي لما حد من زمايله يستشهد وسايب وراه أطفال صغيرين، أفتكر لما استشهد العقيد رامي حسنين، أحمد كان متأثر وحزين جدا، قالي ده عنده بنات هما كل حياته، هيعملوا إيه من بعده".

أرملة الشهيد شبراوي ونجله عمر
أرملة الشهيد شبراوي ونجله عمر

ويشاء القدر أن يترك الشهيد وراءه طفلين، عمر صاحب السبع سنوات، وتالين صاحبة الثلاث سنوات، والتي كانت لا تزال جنيناً في رحم أمها، أثناء استشهاد أبيها، وعمر الذي كان بلغ عامه الرابع تواً، تتذكر ندى التسجيل الذي أرسله الشهيد قبل استشهاده بخمسة أيام، يحتفل فيه بعيد ميلاد عمر الذي يوافق 2 يوليو، واعدا إياه، أنه، في أقرب وقت، سيشتري له الكيك والحلوى، ويقيم له احتفالا بيوم ميلاده الرابع، لكن البطولة والشهادة كان لهما رأيا آخر، اختارهما الشهيد طواعية، دون هروب أو تردد.

وعن حياته وما يفضله، تحكي ندى كيف كان بطلا جسورا يحارب الإرهاب في سيناء يوميا، يضعف أمام العصافير والطيور، تقول ندى "أحمد كان بيحب تربية العصافير والطيور أوي، كان مربي عشر أنواع من العصافير في البيت، بيتعامل معاهم بدقة واحترافية شديدة، يعرف يعالجهم لو حد منهم جراله حاجة، وكان وهو في الشغل يكلمني يتطمن عليهم، ويقولي على إرشادات أعملها معاهم، لغاية ما ينزل أجازة ويتابعهم بنفسه".

الشهيد أحمد كان محبا للفن، متابعا جيدا لكل جديد، تقول ندى "كان بيحب يسمع عمرو دياب وحماقي، وكان بيستنى مسلسلات عادل إمام كل سنة في رمضان، كان مقرر يتفرج على أي مسلسل لعادل إمام قبل حتى ما يعرف المسلسل بيتكلم عن إيه، عادل إمام وأحمد حلمي نجومه المفضلين، ودايما كنا  نروح نحضر أي فيلم جديد لأحمد حلمي في السينما، أما أفلامه المفضلة كانت الكيف وكده رضا والعار، وكان بيحب أفلام الأكشن والحروب الأمريكية".

تتذكر أيضا، كيف أنها استمرت عامين بعد استشهاده، رافضة إعداد الطعام، وكانت والدتها تقوم بهذه المهمة، كانت ندى تداهمها نوبة حزن وهي تتذكر تلك الوصفات التي كان يطلب إعدادها، تقول "ماكنتش قادرة أقف في المطبخ، كنت كل ما أدخل المطبخ أفتكر الأكل اللي أحمد كان بيحبه، كان بيحب الرقاق والبط، وكان بيطلب مني أعمل وصفات جديدة دايما"، تقول ضاحكة "لما اتجوزت مكنتش بعرف أطبخ، بس اتعلمت الطبخ عشان أحمد، بقيت أتصفح النت وأتابع برامج الطبخ عشان أعمله اللي بيحبه، وكان بيشجعني دايما، وعمره ما غضب على أكل، ولما كان بيسافر الشغل كنت بعمله السينابون ياخده معاه وهو مسافر، كان بيحبه أوي ودايما يطلبه مني". لكن بعد عامين، من قرارها هذا، طلب منها عمر أن تعد له قالبا من الحلوى، فضمت طفلها لصدرها، وقررت أن تعود ثانية للمطبخ، تعد الطعام والحلوى من أجل طفليها.

على امتداد خمس سنوات، عمر زواج  أحمد وندى، كان أحمد زوجا مثالياً حانياً، شهماً وشجاعاً، تتذكر ندى اليوم الذي ركض فيه خلف سارق، اختطف حقيبة إحداهن في أحد شوارع الزقازيق، ظل أحمد يركض خلفه، حتى استطاع الإمساك به وتسليمه للشرطة، وإعادة الحقيبة  للسيدة، ندى التي كانت فخورة قطعا ببطولة زوجها تلك، داعبته قائلة "يعني تجري ورا واحد عشان ست ما تعرفهاش افرض كان أذاك"، فأخبرها أنه لا يستطيع أن يرى مشهد كهذا دون تدخل، وأن هذا واجبه وواجب أي رجل في مكانه. فطبيعي أن يكون هذا الشخص الذي يضحى بأمنه في سبيل امرأة لا يعرفها، أن يضحى بحياته في سبيل وطن يعرفه جيداً، وأن البطولة العظيمة التي سطرها مع رفاقه في ملحمة البرث، والتي ستقف تالين أمام رفيقاتها تحكي عنها بعد سنوات من الآن، تأتي من تراكم هذه المواقف الشجاعة العابرة.

ندى التي استطاعت بصبر رهيب على لملمة  شتات نفسها، لتعش لطفلين، هما كل ميراثها من الحياة، تخطت مرحلة الحزن وألم الفقد، واقفة على باب الأمل والرجاء، تطلب من يد الله الحانية أن تحيط بها وطفليها، طالبة منه الخير فيما هو قادم. وستقف تالين بعد سنوات من الآن، بكل فخر، لتحكي أمام الجميع، قصة بطولة أبيها الشهيد، لتبقى ذكراه العطرة، وذكرى رفاقه، مستمرة على ألسنة من ضحوا من أجلهم بحياتهم, أبد الدهر.