بين أنواء الخوف والقلق التي تعصف بنا منذ الصباح لتسلمنا للمساء جاء كتاب سلام للروائي أحمد عبد المجيد بمثابة

ثقافة,السعادة,فيروس كورونا,حراس الهوية,السلام النفسي,أحمد عبد المجيد,كتاب سلام

الأحد 9 أغسطس 2020 - 15:48
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

"سلام".. البحث عن نظرة السعداء للكون بلا أقنعة

غلاف كتاب سلام
غلاف كتاب سلام

بين أنواء الخوف والقلق التي تعصف بنا منذ الصباح لتسلمنا للمساء، جاء كتاب “سلام" للروائي أحمد عبد المجيد بمثابة وقفة هادئة للتأمل وإعادة ضبط للحالة الفطرية التي خلقنا الله عليها؛ محاولة لإصلاح العطب حين يفسد شعور أي منّا بالسلام والطمأنينة داخله ومن حوله.. أو هو تفسير  لما يسكن وجدان هؤلاء الذين نراهم سعداء، مهما فقدوا .



وكما يقول المُعلِّم الروحاني بطل الكتاب: “السلام هو أساس الحالة التي نحن عليها كبشر، حين تكون طفلا يكون كل شيء جميلا، ترمق العالم حولك بدهشة وانبهار، وتحاول استكشافه، لقد ركضنا وراء أشياء كثيرة ظنا أنها توصلنا للراحة، ونسينا صوت بداخلنا للسلام".   الكتاب لا يندرج ضمن موجة التنمية  البشرية وأفكارها المعلّبة الجاهزة، لكنه يعدك بمفاتيح للفهم قد تصنع بعدها وصفتك الخاصة بمفهوم السعادة.

إهداء الكتاب جاء لـ" العالم الذي لم نفهمه كما يجب" وقد اختار المؤلف قالبًا سرديًا مباشرًا ما بين بطل مجهول يمثل صوتنا الداخلي، ومعلم روحاني يلتقيه في موقف للحافلات قدرًا، مشهد لا يتغير لرجل يجلس بلحيته القصيرة الرمادية وبذلته الصيفية البسيطة متأملًا بعينيه اللتين تفيضان بالحكمة، وذلك المريد الذي يطرح عليه أسئلته يومًا بعد يوم، حتى يلوذ معلمه بالصمت.لن تجد حبكة أو غموض، بل ربما شعرت أن هذا الحديث قد سمعته من قبل، وهذا ما أراده المؤلف، ان يوقظ ما كان نائمًا خامدًا بالفعل فيك.

لماذا كتاب "سلام"؟

قبل أن ندلف لقبسات من كتاب “سلام حوارات مع معلم روحاني" والصادر عن "الرواق"، نستدعي أعمال المؤلف والتي اتخذت نفس التيمة في البحث عن السلام النفسي، بتنويعات مختلفة في "عشق" و"ترنيمة سلام" و"التابع"؛ وصولا لـ "خطايا صغيرة" لنجد الكاتب قد تحرر من الشكل الروائي تماما في “سلام" ليتقصى هذا الخيط النفسي بشيء من التوسع.

سألناه عن منبع تلك الأفكار، وأكد أنه دائم المطالعة في فلسفات التصوف ونظرات الحكماء عبر عصور وأزمنة عديدة، أما عن رأيه بكتب التنمية فهي عادة لا تجذب شريحة القراء الحقيقيين إذا ما افتقدت للتجارب والمعايشة الصادقة؛ ولا يرى الكاتب بأسًا من أن يقدم عملًا غير روائي، وقد فعلها مشاهير الأدب من قبل ومنهم توفيق الحكيم.

 
 

الكاتب الذي قرر مؤخرا الابتعاد عن موقع التواصل الأشهر “فيسبوك" يرى أن خطورة تلك المواقع رغم ما تحققه من "ونس" أنها تجبرك على نمط من الإدمان يسرق عمرك وعملك وخططك في المعرفة، وبالنسبة له فإن اليوتيوب مثلا أكثر نفعا لمن يبحث عن مادة تفيده وليس مجرد أحاديث وتريندات. 

ويعتبر أحمد عبد المجيد أن فيروس كرونا أكبر معلم للارتقاء بالبشرية التي تتعرض لخطر مشترك، لكن تصرفاتنا لا تشير لذلك، فهناك رغبات الاستحواذ والأنانية التي طغت عند البعض، وهناك من رأيناه يدعو الله أن يمن بالشفاء على المرضى المسلمين وهي صورة خاطئة عن ديننا الذي يرجو الخير للبشرية جميعًا؛ لأن السفينة لو غرقت ستغرق بجميع الركاب!

الكتاب يناقش أنماطا من الخلط في مفهوم المحبة التي هي أصل الحياة، ومنها الخلط بين المحبة والتهاون مع من يكدر معيشتك وصفوك النفسي، وهؤلاء لابد من اتخاذ مساحة كافية بينك وبينهم وأنت تتمنى لهم الخير بالفعل.. ينطبق ذلك في الحياة الواقعية والافتراضية.. كما أن هناك خلطا في المحبة والخوف الزائد للآباء مثلا على أبنائهم والذي يتحول لقيد حديدي يمنع النشء من خوض التجارب  الهامة أو يضع لهم نموذجا وحيدا للنجاح وعادة ما يكون تحقيق ما فشل الآباء في صنعه!

الكتاب كما يشير مؤلفه هو خلوة شبيهة بتلك التي كان الأنبياء والصالحين يحرصون عليها لإعادة الجانب السماوي داخلك بعد أن ملأتك الأرض بأمراضها وشغلتك عن حقيقتك.

كُن جميلًا

"اليوم، استيقظت شاعرًا أن العالم صديقي". هكذا يفتتح البطل تأملاته، ثم حين يلتقي ذلك المعلم الروحاني يخبره: يا صديقي الطيب، ما تراه حولك ليس إلا انعكاسًا لما انطبع في نفسك. الضخب والضجيج لا يوجدان إلا داخلك.

يتجول الكتاب عبر ثمانية مفاتيح تخبرك بالسلام النفسي، وهي: "الخالق، أنت،  هم الديمومة،  التسليم، المحبة، الامتنان و الحياة".

ماذا سيحدث إن سمحت لنفسك باستعادة طبيعتك المسالمة؟ الأفكار التي ترهق عقلك ستتوقف تدريجيا،صوت من كثرة ثرثرته ربما لم تعد تشعر به، ان تشعر ان رابطا يجمع بينك وبين الاشياء من حولك، ستشعر بخفة بتلاشي الأثقال التي تشدك للأرض، يملؤك الاكتفاء، يغمرك شعور بالمحبة والشفقة على الآخرين من الصراعات التي اقتحمتها من قبل ويخوضونها الآن، ستدرك أن أغلب مشكلاتك أوهام وأن الصراع نفسه كان جزءًا من فيلم أصبحت أنت خارجه.

 

هذا الطفل المخفي فيك ؛ هذا الطفل الذي قمعته عميقًا بداخلك، هو السلام الذي غطيته بكثير من الأوحال، هو بهجة الوجود التي نسيتها عندما اعتدت العالم وفصلت نفسك فيه، بينما أنت وهو الشيء نفسه.

في الرحلة ينصح الحكيم بأن نتسلح بالصبر؛ فالمستعجلون لا يصلون.

الخالق

هو أكبر من كل تصور وعادة ما تعجز اللغة عن تجسيد مطلق الرحمة والعدل والكرم والعلم والنور؛ يكفيك أن تنصت لما حولك، فتسمعه. ستراه في كل ما حولك؛ في اهتزاز وريقات الشجر، في زقزقة العصافير، في دقات قلبك، في شروق الشمس واكتمال القمر، في التغيرات التي تطرأ على الحياة.. لقد بحثوا عن الله في كل الفلسفات، ولما تخلى المرء عن كبريائه، وجد أنه كان طوال الوقت لصيقا به؛ ذلك لأنه نسي في خضم البحث المحموم، أن يلقي نظرة داخل نفسه.

أنت

 السعادة الحقة هي التي لا تجد لها سببا؛ روحك تشعر بذاتها، أما السعادة التي تأتي نتيجة حدوث أشياء خارجية فتذهب بزوال تلك الأسباب.ويظل مشروعك الأكبر هو أن تجد "أنت" أو نفسك، أنت الغائب بين عشرات الأدوار التي تلعبها طوال الوقت، أنت المثقل بعدم اعترافك به؛ برفضك له. اخلع الثقل الذي تشعر به في روحك سببه كل تلك الأقنعة.. أحب نفسك وثق بها؛ كيف تنتظر عناقًا من احد وأنت لم تعانق نفسك يومًا؟!.

احزن اكتئب واغضب كما شئت لكن لا تظل هكذا طويلًا.. لا تستعر شخصية غيرك ووعيه، تحدث عما تعرفه حقا، عما خبرته روحك، ولا تستعر عقول الآخرين لتتحدث بها

هُم

نحن في الحقيقة كلٌ تجرأ وتبعثر؛ وأنت وهم شيء واحد، ولهذا تهفو نفوسنا دوما إلى الارتباط بالآخرين، ذلك أننا واحد ولكننا نلعب أدوارا مختلفة.

لا شيء يستحق أن تتصنع ما ليس فيك، لا شيء يستحق ان تكون مزيفا غير حقيقي.. في الوقت نفسه اشعر في قلبك بالمحبة لكل الناس، الآن في التو، بلا قيد أو شرط، حتى الذين آذوك أو أضروك ينصحك الحكيم بأن ترسل لهم من قلبك رسالة خير؛ إن المشاعر المؤلمة التي تحملها كونك كنت مظلومًا وتنتظر أن تدور الدوائر على من آذاك فيما هو ينعم بحياته حاليًا هي مزيد من العبء على روحك، تحرر منه.

لا يعني ذلك أن تعيد صلتك بمن آذاك ولم يندم، ولكن لا تحمل عبء الماضي على كاهلك فتظلم نفسك مرتين! وتذكر: إن ابتسامتك للعابرين في الطريق تعود على روحك بدفئها طوال اليوم

الديمومة

يشعر المريد بأنه شارد الذهن، فينصحه الحكيم: كن واعيًا وحاضرًا بكل لحظة تعشها، هذا ما يسمى الديمومة، لا تكن كالشبح الذي يعيش الفناء، وتضمر عنده الذاكرة.

إن جانبا كبيرا من بهجة الأطفال انهم يعيشون حاضرهم وبكامل وعيهم؛ تماما كمن يتسلق الجبل فيملأه الخوف والمتعة وينسيانه أي شيء آخر.

لا تعد لتلك السنوات الطويلة التي ضاعت في صور باهتة وأحداث مبتسرة، لقد كنت في غيبوبة مختارة، حيوات متخيلة، لا تذكر منها شيئا الآن لأنك لم تعش زمنك؛ ولو تأملنا الصلاة سنجد أنها انقطاع فعلي عن العالم لمدة محددة متكررة، وهو ما يسمى بالخشوع، إنها توقظ ديمومتك وحضورك الحي وتلك الماكينة الجهنمية التي تدور في رأسك.. 

 

وليس معنى ذلك ألا تتأمل وتخطط للمستقبل أو تستدعي بعض لحظات الماضي، لكن المهم أن يحدث ذلك بشكل واع تقوده أنت ولا يقودك ويشغلك عن حاضرك ويدمر روحك.

التسليم

حياتنا يحكمها نظام دقيق يمنحنا التجارب المختلفة التي نختار بينها في النهاية، بإرادتنا، وهي منحة وهبنا الله إياها، لذا لا تحاول التوكل على نفسك وتذكر "لا قوة إلا بالله"، وليس بالضرورة أن تتهيأ الحياة كما أردت وإنما قد تصبح بعد التسليم أفضل من سيناريوهاتك وأكثر ملائمة لك، 

إن عدم الرضا يورطك في في حرب عبثية دائمة، لن تخرج منها إلا بزوال راحة البال! دع العواصف تمر وستمر، ولا تتوقف عن التخطيط لتحسين حياتك، لكن لا تتوقف للبكاء على اللبن المسكوب طويلا، وافعل ما بوسعك دون أن تنشغل بالنتيجة.

المحبة

كان العالم واحدًا ثم تفتت وتشظى في كل اتجاه، لكن طيف المحبة ظل خلف كل هذا يجذب تلك الأطراف؛ وبهذه المحبة يحب كل حبيب محبوبه، وتحب الأمهات  أبناءها، ويحب الناس أوطانهم، وتميل النفس للحق والخير والجمال.

ولهذا، يا صديقي الطيب، أنا أحب نفسي؛ لأنها جزء من هذا العالم المقدس في أصله، أحبها مستمدا هذه المحبة من المحبة الأولى التي تغمر العالم وتتخلله.

 المحبة الحقة هي تلك التي تكون بلا سبب ومن دون انتظار مقابل، ولهذا يعد حب الأمهات هو الأصدق، وإذا فعلها المحب مع محبوبته ستمتزج أرواحهما ليصبحا واحدا.

والبشر يعانون سطوة "الأنا" بداخلهم، والتي تضع حواجز بينك وبين محبة الآخرين باسم حمايتك منهم، وهكذا تفعل الدول والجماعات والكيانات الأصغر، وهذه الأنا حيوية ولكن تركها للسيطرة تنسيك نفسك التي ليست هي وظيفتك ولا أسرتك ولا ثقافتك، نفسك التي هي فطرتك المحبة لنفسك وللعالم بعد أن تحولنا لأنوات متصارعة تدهس بعضها بعضا، إلا القلة القليلة ممن تعرف طريق السكينة.

الامتنان

لماذا السعادة شحيحة في حياتنا؟ لأننا لسنا أذكياء كفاية لنرى كم النعم التي تملأ حياتنا، نعتقد أحيانا أنها حق مكتسب بينما الحقيقة يا صديقي الطيب أننا لا نمتلك شيئًا؛ كل مالك وأجهزتك الإليكترونية وملابسك ومنزلك بل وجسدك "حق انتفاع" فقط.

عليك أن تستعيد علاقتك بالأشياء وتتأملها بعين الدهشة الأولى وامتن لها، امتنانا بقلبك وشعورا يسري داخلك ولو لم تمتلك غير نفسك والسقف الذي يأويك؛ إن الامتنان يغير من نظرتك للأشياء، ولهذا ستجد من بين اكثر من حازوا قبس النور من السكينة هم أولئك البسطاء والذين قد ترثي لحالهم لو نظرت للظاهر فحسب!

الإنسان مخلوق من نسيان، لو كان بإمكانه أن يتذكر لعاش في الجنة لا على الأرض، ونحن كثيرا ننسى أن نمتن لأشياء كثيرة، فتذكر!

إن العالم مبن على الوفرة لا الشح؛ انظر لاتساع السماوات والأرض والحدائق ووفرة الفرص الأشبه بشهب السماء تتوالى وراء بعضها، لكن جشع الإنسان واستئثاره جعل فئة قليلة تنعم بما هو متاح بالفعل بوفرة للجميع، ومن هنا نشأت الحروب !الحياة

يقول الحكيم: لا أحد يظهر في عالمك بالصدفة. كل من في حياتك أنت دعوتهم غلى الدخول او واربت الباب لهم. فلما انتهى التجاذب حدث التباعد، واختلفت العوالم.

عندما ترى شخصُا مختلفًا عنك، في أي شيء، تقبله؛ فهذا الاختلاف جزء من الحياة. ومع الوقت ستدرك الصلة التي تربط بينك وبين الطبيعة، أنتما الشيء نفسه ذا الحقيقة المقدسة.

تذكر أيضًا أن الموت نهاية رحلتنا القصيرة في هذا العالم، وبداية لرحلة أخرى في عالم آخر، لقد نسينا اننا في الأصل روح جاءت العالم لتخوض تجربة سريعة ثم تعود - صار تذكر هذا أمرا صعبا ويصيبنا بالجزع والكوابيس.لكن الموت ليس عدوك الذي يتربص بك وينتظرك أن تسهو لينال منك بل لن يأتيك سوى في الوقت المناسب الذي أخبروك به قبل ان تنزل روحك إلى العالم وكل من فقدت سيكون شفافا وموجودا بين عالمين، وقد يرتفع عنه الحجاب الأرضي ويرى ما لا يمكن رؤيته، كن خاشعا وتمن له رحلة طيبة، وادعُ له بالرحمة.

ويذكر الحكيم صاحبه أن الأحلام لا تمنح نفسها إلا لمن لديه الشغف الكاف ليكمل إلى النهاية، والألم في حياتنا يشبه النار التي ينضج بها الخبز، وبغيرها لا تنضج النفس الشاردة.عندما يأتيك الألم تقبله ودعه يمر.

يقول المعلم الروحاني قبل أن يغيب عن صاحبه في زحام البشر: سيظل النقيضان، والاختيار أمامك، لا تتبرع بأن تكون جندي الحياة الذي يجلب إلى العالم الحقد والخوف والألم، كن جندي الحياة الذي يأتي على يديه السعادة والرضا والمحبة.. يأتي على يديه السلام..احتضن العالم بروحك وامتن لخالقك وكن انت كما أنت.