وصف بأنه مخرج العوالم ومن بعدها الروائع ومن قبلها المآسي كثير من الألقاب لازمت المخرج حسن الإمام..المزيد

مصر,القاهرة,فنادق,المخرج,زقاق المدق,اخراج حسن الامام

الأحد 25 أكتوبر 2020 - 18:59
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

المخرج حسن الإمام: بدأت حياتي فوق السطوح أنا وشعيشع.. وخدعني شاب هندي

حسن الامام
حسن الامام

وصف بأنه مخرج العوالم ومن بعدها الروائع ومن قبلها المآسي، كثير من الألقاب لازمت المخرج الكبير حسن الإمام، الذي جاء من المنصورة إلي القاهرة ليسكن في غرفة صغيرة بفندق متهالك في حي شعبي، لتبدأ رحلته مع الساحرة السينما، الذي خطفت قلبه وعقله، ويشتغل مساعد مخرج للفنان يوسف وهبي، ومع فيلم "ملائكة جهنم" عام 1946 تبدأ مسيرته الإخراجية، ومن بعدها يأتي فيلم ظلموني الناس، وأنا بنت ناس، وداع في الفجر، وفيلم التلميذة والخرساء، والخطايا، وشفيقة القبطية، وزقاق المدق، وبياعة الجرايد، وقصر الشوق، وبين القصرين، وإضراب الشحاتين، ودلال المصرية، وخلي بالك من زوزو، والسكرية، وحكايتي مع الزمان، وأميرة حبي أنا، وأنا والعذاب، وفوق شفاه تبتسم، وبمبة كشر، وغيرها من الأفلام لتصل حصيلة أفلام 102 فيلم، من بينهم 56 كمؤلف، وكمنتج 6 أفلام، تاريخ طويل من الإبداع والتألق.



ومن بين المواقف الطريفة التي يرويها حسن الإمام في بداية حياته، أثناء جلوسه في فندق من الدرجة الرابعة في شارع محمد علي، مع الشيخ أبو العينين شعيشع، وغيره من الجيران، الذي حكي عن هذه المرحلة المهمة من تاريخه، وماذا حدث له؟ مع الشاب الهندي الذي خدعه، ودق الطائرات الألمانية القاهرة، وما تلاها من حكايات.

المخرج حسن الإمام يسكن في شارع محمد علي

كنت في بدء حياتي الفنية أسكن في فندق من الدرجة الرابعة في شارع محمد علي، كنت احتل حجرة من حجرات أربع تتناثر فوق سطحه، أما الحجرات الثلاث الباقية فقد كان يحتل الأولي منها الأستاذ الشيخ أبو العينين شعيشع مع أخيه الشيخ أحمد، وكان الشيخ أبو العينين حديث العهد بالقاهرة وقد جاء إليها وهو يحلم بأن يكون المقريء العظيم الذي صاره اليوم، وكان في الحجرة الثانية طالب طب هو اليوم طبيب مشهور، وكان في الحجرة الثالثة رجل هندي يجيد اللغة الإنجليزية، فأذا ما أثار غضبه رطن بالهندية كلام لا نفهم له معني.

وكانت الحياة فوق هذا السطح الخالد حياة غريبة وممتعة، فنحن أربعة من الخلق جمعتنا هذه الحجرات الأربعة المتقاربة رغم ما بيننا من فوارق في الميول والاتجاهات والمشارب، هذه الميول التي كنت تستطيع أن تعرفها أذا فتحت الحجرات الأربعة فجأة لتري ما يدور فيها، أما أنا فعاكف علي كتاب السينما، أو رواية مسرحية، أو مجلة فنية تنتقد هذا الفيلم أو ذاك.

أما الشيخ أبو العينين فهو جالس علي كنبة يرتل القرآن أو يقرأ كتبا في التفسير والتجويد، أما طالب الطب فأمامه جمجمة يرتجف الجسد لمرآها مع عدد غير قليل من الأصابع والأطراف الآدمية، وصديقنا الهندي غارق في كتبه الصفراء.

بل كنت تسطيع أن نعرف اختلاف المشارب من ساعات عودتنا طالب الطب يعود قبل الأصيل ولا يغادر المنزل، والشيخ أبو العينين يعود ليصلي العشاء في البيت، ولا يتأخر إلا إذا كان يرتل القرأن في مكان ما، ولكنه لا تفوته صلاة الفجر في المسجد المجاور، وكان خروجه يحدث ضوضاء توقظ طالب الطب فيهب من نومه ليستذكر دروسه.

أما الهندي فيعود مع منتصف الليل بعد أن يقرأ عددا من الأكف لزبائن سميراميس أو شبرد أو الكونتنتال وغيرها من فنادق مصر العظيمة.

وأعود أنا بعده بساعتين علي الأقل لاستيقظ في الحادية عشرة من اليوم التالي، فأجدهم كلهم قد غادروا حجراتهم.

شيء واحد لم نكن نختلف فيه نحن الأربعة، إيجار الحجرات، فقد راعي صاحب الفندق أن يكون إيجار موحدا بالنسبة لنا جميعا وقدره 150 قرشا في الشهر الواحد.

وكانت هناك مناسبات كثيرة نجتمع فيها، نحن سكان السطوح، ونتبادل الحديث والسمر، كانت هنا الأعياد، وكانت هناك الغارات العنيفة التي صيب فيها الألمان فوق القاهرة عشرات القنابل.

وكانت أنباء هذه الغارات تشغلنا فنسلخ الساعات في الحديث عنها وعن ضحاياها، كل هذا والهندي لا يلتقي بنا ولا يشهد مجلسنا ونحن نفسر ذلك بجهله للعربية.

ثم حدث ذات ليلة أن أطلقت صفارات الأنذار، وكان جارنا الهندي في حجرته، كانت تلك أول مرة تطلق فيها صفارات الأنذار وهو معنا، وإذا بباب حجرته يفتح في سرعة خارجة، وإذا به يجري إلي الدرج وهو في ثيابه الداخلية، وجرينا خلفه، ووصلنا إلي المخبأ في الظلام وتكدسنا فيه ورحنا نصلي لله، أن يلطف بنا، فقد كانت غارة الألمان علي حي الظاهر في الليلة السابقة غارة مروعة، وكان بجواري في الظلام رجل لم يكف عن قراءة السور القرآنية، وكان يصيح في هستيريا بين كل سورة وأخري، احفظنا يا حي قيوم.

يقولها بلهجة أستاذ في الفقة وضليع في اللغة، وعرفت مصدر الصوت جيدا فقد كان الرجل بجواري مباشرة بحيث كان يستند بذراعه علي كتفي، وكان يرتجف فتنتقل رجفته إلي قلبي، ولكن ما أسمعه من أيات يبدد الارتجاف وبذهب به.

وأطلقت صفارة الأمان فجأة، وأشعلت عود ثقاب لأري جاري، فإذا به جاري فعلا، إذا به قاريء الكف الهندي، وصاح وقد فوجيء بأنني الذي بجواره، صاح في غير وعي قائلا:

هو أنت

فصحت بدوري

هو أنت

وعدنا إلي البيت ونحن نتحدث بلغتنا اللغة العربية، وأعترف لي الرجل بما في حياته، قال أنه من بني سويف، وقد ضاقت به سبل العيش في بلده فأثر أن يقيم في القاهرة ويتظاهر بأنه هندي، وقد تعلم بعض أسرار علم الكف في بعض الكتب، أما سر عزوفه عن الناس فهو أن يخشي أن ينفعل فيضطر إلي الحديث باللغة العربية فينكشف أمره، بدليل أنه أنفعل ليلة الغارة فانكشف أمره لي.

وتوسل إلي الرجل إلا أبوح بسره، وتظاهر بأنه مسرور لأنه أطلعني وحدي علي هذا السر مع أنني علي يقين من أنه يسب الغارة والألمان الذين اضطروه إلي الرطانة بالعربية وكشف سره.

المخرج حسن الإمام ولد في 6 مارس 1919، ورحل عن الدنيا في 29 يناير في عام 1988 بعد رحلة عطاء طويلة تألق فيها وحفر اسمه وسط عمالقة السينما المصرية والعربية.