أرشد الإسلام أتباعه إلى الاتصاف بمحاسن الأخلاق وكريم الطبائع والعادات وأعلى من قيمة السلام المجتمعي بين الأفر

التنمر,د. أحمد خيري أحمد

الخميس 24 سبتمبر 2020 - 15:59
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

التنمر في الإسلام

أرشد الإسلام أتباعه إلى الاتصاف بمحاسن الأخلاق وكريم الطبائع والعادات، وأعلى من قيمة السلام المجتمعي بين الأفراد والجماعات، واهتم بجوانب الفرد: الشخصية, والاجتماعية, والنفسية, والعقلية, والأخلاقية, والروحية, والإيمانية كافة؛ ونهى في المقابل عن كل ما يَمتُ إلى الفُحش والبذاءة بصلة؛ مستهدفًا بذلك شيوع السلام، ونشر الأمان في ربوع المجتمع، وبين سائر أطيافه. لكن الواقع المعاصر يكشف لنا عن بعض المظاهر الدنيئة التي تُجافي الحُسن، وتبتعد عن الإنسانية، وتجابه الفطرة السليمة، وتنزع بالنفس الإنسانية إلى مزالق التردي، وعلى رأس تلك العادات الشائنة ما يُعرف بظاهرة: (التنمر)، هذا السلوك الذى يُفسد الأجيال، ويبذر الفُرقة والتفكك في المجتمع. ما هو التنمر؟ التنمّر: ظاهرة عدوانيّة تنطوي على مُمارسة العنف والسلوك العدواني من قبل فردٍ أو مجموعة أفراد نحو غيرهم، أو هو: شكلٌ من أشكال العنف والإيذاء والإساءة، توجه من فرد أو مجموعة من الأفراد إلى فرد آخر أو مجموعة أخرى من الأفراد؛ نظرًا لتميز المتنمر عنهم شكلاً، أو لونًا، أو مالاً.....إلخ. أنواع التنمر: التنمّر الجسدي: ونعني به محاولة إيذاء الآخرين جسديًا، عن طريق الضرب، أو العرقلة، أو الدفع. التنمّر اللفظي: وهو عبارة عن التعرض للآخرين بالتجريح أو السب والشتم، ووصفهم بما لا يليق، أو ذكر عيوبهم الشكلية، أو التي لا دخل لهم فيها. التنمّر الاجتماعي: هدفه الإساءة إلى سمعة الشخص في المجتمع الذي يحيا فيه؛ بقصد تشجيع المحيطين به، والعارفين به على نبذه، والبعد عنه. التنمّر الإلكتروني: وذلك عن طريق نشر رسائل أو صور أو فيديوهات تحمل إساءة لشخص ما، وتسهم في تشويه سمعته. التنمّر الجنسي: أي قصد القول أو القيام بأعمال مؤذية أو مهينة جنسيًا للشخص الآخر، مثل تعابير مهينة، وحركات جسدية ذات معنى جنسي غير لائق، واقتراحات جنسية، وصور إباحية. وهو غالبًا ما يبدأ في سن المراهقة. التنمّر العرقي أو المذهبي: وهو التنمّر على شخص بسبب دينه أو عِرقه، أو لونه، وهو أخطر الأنواع، وأشدها ضررًا. حكم التنمر: جعل الإسلام من صفات المسلم الحق: أن يَسلم الآخرون من أذاه، لفظيًا، أو بدنيًا، أو نفسيًا، بل جعلت السُنة هذه الصفة –لأهميتها- تعريفا للمسلم، بحيث لا تنفك عنه، ولا ينفك عنها، وإلا لما استحق وصف المسلم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده". وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله: أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". ولما كان التنمر نوع من السخرية والاستهزاء بالآخرين، يترتب عليها إيذاؤهم، وإلحاق الضرر بهم فقد حرمه الإسلام، وأنذر أصحابه بالعذاب الأليم إن ظلوا على ما هم عليه من السخرية والاستهزاء. يقول سَبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فالمسلم الصادق لا يرضى لنفسه تلك العاقبة، فيحرص على صيانة لسانه من الأقوال البذيئة، والكلمات النابية التي لا خير فيها، ولا منفعة من ورائها، فإن الله جل وعلا يُبغض الفاحشَ البذيء، وربنا يقول: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا). فأعظمُ الناس حزماً من وُفق لوزن ألفاظَه قبل أن يقولَها، وفكَّر في عواقبها ونتائجها، فما كان من الكلام خيراً نطق به، وما كان شراً أمسك عنه، واتقى الله في أموره كلها، واضعًا نصب عينيه قوله تعالى: "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ". فكم من كلماتٍ أوبقت دنيا العبد وآخرتَه، وكم من ألفاظ قضت على كثير من صالح أعماله، وكم من كلمات أوقدت نارَ الفتنة بينه وبين إخوانه، فليتبصَّر العاقل في نفسه، وليزن كلامه قبل أن يتكلم، فإن كان خيرًا فليقل، وإن كان باطلاً فليُعرض عنه، (وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً).  وإذا كان هذا في جانب الإيذاء اللفظي فهو في جانب الإيذاء البدني والنفسي من باب أولى. ويكفي وعيد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم زاجرًا لمن حاد عن الطريق، وتعرض لغيره بالسخرية والإيذاء، فقد روى الترمذي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: صَعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنادى بصوت رفيع، فقال: (يا معشر مَن أسْلَمَ بلسانه ولم يُفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تُؤذوا المسلمين، ولا تُعَيِّرُوهم، ولا تتَّبِعُوا عوراتهم؛ فإنه مَن تتبَّع عورة أخيه المسلم؛ تتبَّع الله عورته، ومَن تتبَّع الله عورته يفضحْهُ ولو في جوف رحله). • وكان الربيع بن خُثيم رحمه الله يقول: "الناس رجلان: مؤمنٌ فلا تُؤذوه، وجاهل فلا تُجَاهِلْه"؛   • ويقول ابن رجب رحمه الله: "تضمَّنَت النصوص أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه؛ مِن قول أو فعل بغير حقٍّ". • ويقول يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله : "لِيَكُن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرَّه، وإن لم تُفرِحه فلا تغمَّه، وإن لم تَمدحه فلا تذمَّه". وأخيرًا أوجه النصح للمتنمر قائلاً: إذا رأيتَ مبتلى في دينه أو في بدنه فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، فالذي قدَّر له ما قدَّر قادر أن يجعلك مثلَه أو أقلَّ منه، إن عِبْته بنقص في دينه، فإياك والسخرية منه، انصحه ووجِّهه، أما أن تجعلَه حديثَ مجالسك تتحدَّث عن سيئاته وعن أخطائه وعن أعماله السيئة فرِحاً مبسوطاً بذلك، فيوشك أن يعاقبك الله فتكون مثلَه، وفي الأثر: "من عَيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعل مثله". وإن كان في خلقه فالله قادر أن يحوِّلك مثله، فإياك والسخرية به، فإن السخرية نقص في الإيمان قال الله: (وَقُل لّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) [الإسراء:53]، فحذار من السخرية بالناس في أخلاقهم وأعمالهم، وحذار من عيبهم والتنقص بهم، "المسلم أخو المسلم، لا يكذبه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"، فاحترم إخوانَك، وإياك والسخرية منهم والتنقص لشأنهم، وإياك أن تجعلهم مضحكةً لك، لتنبسطَ على عيبهم والتحدثِ عن نقصهم، فذاك من ضعف الإيمان، عفانا الله وإياكم من ذلك. نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى صراطه المستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مدرس الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة