في الحقول وسط المساحات الخضراء تجري طفلة صغيرة وراء الفراشات الملونة تنجح تارة في اصطيادها وتصاب بسعادة عارمة

حب,نتيجة,العاصمة,القرى,الريف

الأربعاء 30 سبتمبر 2020 - 08:19
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
هل أخرجنا آباؤنا من الجنة؟

هل أخرجنا آباؤنا من الجنة؟

في الحقول وسط المساحات الخضراء، تجري طفلة صغيرة وراء الفراشات الملونة، تنجح تارة في اصطيادها وتصاب بسعادة عارمة، وتارة أخرى تفشل ويسيطر الحزن على وجهها ليأتي والدها ويمسك لها بالفراشات، وتعود الابتسامة لوجهها من جديد. 

هذا المشهد الذي لا يختفي من أمام عينيي قط، فكلما تمر بنا الأيام يزداد اشتياقتنا لأيام الطفولة، الأيام التي كنا لا نفكر فيها ولا نقلق ولا نحمل همًا، وكان أقصى أمانينا أن يأتي صاروخًا ويفجر المدرسة لأنها كانت تحول بيننا وبين اللحظات السعيدة التي كنا نعيشها في اللعب واللهو.

وكانت أمنية الصاروخ هي الأمنية الوحيدة التي لا نستطيع الإفصاح عنها لتقديس الأباء لدور المدرسة وأهمية العلم، وكان الجميع يتبع نظرية "التأطير" ويزرع في عقول أبنائه أحلامًا أكبر من هرم خوفو فلم يرد أحد لأبنائه أن يعيشوا في جلبابه.

القرية الصغيرة التي نشأنا فيها أو الريف أو "جنة الفلاح" كما يطلقون عليها، والتي أطلقت عليها أنا "القرية الفاضلة" ليس لأنها يحكمها فلاسفة كما أراد أفلاطون لمدينته ولكنها بعيدًا عما يتسم به الريف من الهدوء والبساطة والهواء النقي والتعاون والترابط بين الناس، تعلمنا فيها القيم والمبادئ والزهد والإيثار والحق والخير والجمال.

يستيقظ أبناء القرية جميعًا في الصباح الباكر، وكنت أتفاءل برؤية وجوة الناس وأنا في طريقي للمدرسة فكانت وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة لا يعكر صفوها شيئًا نتيجة الرضا عن الحياة التي يعيشها هؤلاء، وبساطة الأهداف التي يسعون لتحقيقها.

كثيرًا ما كنت أشاهد في أفلام السينما الشاب الذي يسافر إلى المدينة، والتي كان يصورها المخرجون دائمًا على أنها رمز للعلم والثقافة، وبمجرد أن يعلم أبناء القرية بموعد وصوله يذهبون إليه ليحكي لهم عن المدينة التي يسمعون عنها فقط ويتطلعون للذهب إليها.

وعندما جاء موعد التحاقي بالجامعة، سافرت إلى العاصمة وأنا على رصيف المحطة أو بالأحرى على رصيف الحياة الجديدة التي لم أحبها يومًا، ولم يكن معي أي سلاح سوى القلم والكشكول وإجادتي لقراءة اللوحات الإرشادية التي تساعدني على السير، وجدت العمارات الشاهقة الارتفاع والشوارع المكتظة بالبشر والتي لم أسمع فيها شيئًا سوى كلاكس السيارات رغم وجود كل وسائل الترفية بها إلا أنها تشبه التمثال جسد بلا روح يأتي إليها الناس من كل حد وصوب إما للدراسة أو للعمل أو لقضاء بعض الحاجات؛ فالحياة في المدينة قائمة على أساس المصالح وليس الود والتعاون كما في القرى.

أردت أن أرسم لنفسي حياة أخرى في المدينة، فقررت أن أعيش في عالم آخر وأطل عليها من بعيد دون أن أكون جزءًا منها.

ودائمًا ما أتذكر المشهد الأخير من فيلم "الأرض" للأستاذ يوسف شاهين، النهاية التي كنت أفرح بها في طفولتي وأسأل أبي ونحن نشاهد الفيلم سويًا "هو الحصان هيجره امتي؟" والآن لم أشاهدها مرة إلا وتدفقت شلالات الدموع من عيني وأتساءل لماذا لم يزرع فينا آباؤنا فكرة حب الأرض بدلاء من الكتاب أو بجانبه؟، وأن تصبح وظيفتنا زراعة الأرض، المهنة البسيطة التي قامت على أساسها الحضارة الفرعونية، والتي من المتوقع أن تندثر نتيجة عزوف الشباب عن القرى أو سيعود الإقطاع مرة أخرى ولكن هذه المرة برغبة أصحاب الأراضي، وقتها كنا سنعيش سعداء بعيدًا عن سخرية الحياة وخصوصًا أنه لم يعد هناك إقطاعًا ولا احتلالًا.

والآن أصبحت أقصى أمنياتي في الحياة أنا أحلم حلم بمستوى أحلام الطفولة، وأن أستعيد فقط بعض لحظاتها حتى ولو في خيالي.