وسط كل ما يدور حولنا من تحديات تواجهها الدولة المصرية بعد 7 سنوات على مرور ثورة شعبها فى الـ30 من يونيو 2013

السيسي,إيناس عبد الدايم,30 يونيو,ثورة 30 يونيو,وزارة الإرشاد والوعي القومي

الخميس 9 يوليو 2020 - 11:35
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
30 يونيو
ثقافة 30 يونيو بين ثروت عكاشة وإيناس عبدالدايم

ماذا قدمت الوزارة الأهم لبناء مواطن مصرى واع

ثقافة 30 يونيو بين ثروت عكاشة وإيناس عبدالدايم

وسط كل ما يدور حولنا من تحديات تواجهها الدولة المصرية بعد 7 سنوات على مرور ثورة شعبها فى الـ30 من يونيو 2013، وفى خضم المعارك التى تخوضها مصر شرقاً وغرباً نجد أن هناك حلقة مفقودة، وأسئلة محيرة تدور فى الأذهان، لماذا بعد مرور هذه السنوات نجد أن هناك تشوهاً فكرياً لدى البعض؟ هل كانت هناك حلقة مفقودة فى دولة 30 يونيو لم تؤدِ دورها بالشكل المطلوب، ما خلق حالة من الانقسام؟ لماذا غاب الوعى؟ ومن المنوط به أن يؤدى هذا الدور؟ أين مثقفو دولة 30 يونيو؟



اختفت وزارة الثقافة بشكل لافت وكأنها اختطفت، وتركت الشارع المصرى يعبث به كل من «هب ودب»، وبمقارنة ما قدمته وزارة الثقافة لثورة 30 يونيو 2013 بما حدث فى ثورة 23 يوليو 1952 نجد أن الفارق شاسع، وفرق القدرات رهيب!!

فى عام 1958 وبعد مرور 6 سنوات على ثورة 23 يوليو قرر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إنشاء وزارة تعنى بشئون الثقافة، فكان الراحل ثروت عكاشة، أول وزير للثقافة والإرشاد القومى، وخلال 4 سنوات عمل فقط، نجح عكاشة أن يحدث تغييراً جذرياً فى الشارع المصرى، كان نجاحه الأهم فى أن الثقافة لم تعد حكراً على النخب، أحدث عكاشة تغييراً جذرياً فى المشهد الثقافى المصرى، أسس لنهضة ثقافية حقيقية.

ولأن الإرشاد القومى كانت مسئولة عن الإعلام والثقافة فقد اندرج تحتها العديد من الهيئات التى لاتزال موجودة إلى يومنا هذا «المجلس الأعلى للثقافة، الهيئة العامة للكتاب، دار الكتب والوثائق القومية، الهيئة العامة لقصور الثقافة... الخ».

نجح ثروت عكاشة، المثقف الأهم فى تاريخ مصر، فى فرض رؤية حديثة للدولة، وعزز أذرعها الثقافية التى وصلت للعامة والجماهير، وأخرجها من دائرة النخبة إلى دائرة عامة الشعب.

اعتمد الوزير عكاشة على كيانه الوليد «قصور الثقافة» من أجل نشر الثقافة والوعى فى القرى، التى كانت تقدم أعمالاً فنية، ومواهب أثرت الحياة الثقافية فى مصر بعد ذلك، بل إنه أصدر تشريعاً يقرر دعم صناعة السينما، وأنتجت الوزارة أعمالاً عظيمة وفقاً لـ«الخطة القومية»، ولعل «الناصر صلاح الدين» الذى شاركت الثقافة فى تمويله، خير دليل على نجاح عكاشة فى هذا الأمر، إضافة لسلسلة أفلام إسماعيل يس التى تبدأ باسمه «إسماعيل يس فى الجيش»، «إسماعيل يس فى البوليس الحربى»، «إسماعيل يس فى الأسطول»، وغيرها.

 هذه الأفلام التى رآها البعض ترغيباً فى الانضمام للجيش المصرى بأركانه المختلفة.

وذهب عكاشة هنا وهناك وطرق جميع الأبواب من أجل أن يكون لدى الدولة الوليدة منتج فنى تتباهى به ويدعم هويتها لدرجة جعلت الأديب الراحل نجيب محفوظ، ورغم ما فعله به، يكتب فى مقال: «لم ينكل بنا بل على العكس، فقد أغدق علينا كل ما يمكن إغداقه إنسان من تكريم، وخيل إلىَّ أننى أعيش فى دولة عظمى».

نجح وزير ثقافة 23 يوليو فى خلق حالة من الدعم من كبار المثقفين لرؤية الدولة الجديدة، وبالرغم من مواقف بعضهم السياسية، فإنهم كانوا مع الدولة صفاً واحداً، ما خلق حالة كبيرة من الوعى، أحست الجماهير بنبض الثورة فدعمتها، وانطلقت ثورة الإبداع والمبدعين فى بر مصر .

عادت الهوية العربية فى المجال الثقافى، شعر المثقف المصرى لأول مرة بانتمائه إلى ثقافة متميزة وأصيلة، كان من يكتب فى الصحافة قبل الثورة أدباء عظام أمثال طه حسين، العقاد، أحمد بهاء الدين، وصلاح عبدالصبور، وكوكبة كبيرة من المفكرين والكتاب والفنانين هم من هيأوا الأجواء التى نشأت فيها الثورة .

هذا ما قدمته الوزارة الوليدة فى الخمسينيات والستينيات، لدعم ثورتها.. أما الآن وبعد 7 سنوات فنعود للنقطة صفر، ونسأل أين ذهبت وزارة الثقافة؟ وماذا قدمت الوزارة العتيقة لدولة 30 يونيو؟

الحقيقة أن الوزارة صاحبة الإرث المصرى الأهم عبر تاريخ مصر، لم تقدم شيئاً للدولة الحديثة، وبدلاً من الاهتمام بمحاولة إكساب الشخصية المصرية تعريفاً بتاريخها ومقدرات وطن، وإعادة هيكلة وعى المواطن المصرى لجعله فخوراً بتراثه ورعاية مكتسباته الإبداعية، فوجئنا بالوزيرة تعرض مبادرة «اضحك- فكر- اعرف»، يا أخى لا تتعجل «ما يمكن هيقدموا معرفة»، تخيل أن المبادرة هدفها وفقاً لما قاله المخرج المسرحى سمير العصفورى: «اضحك - فكر – اعرف ستقدم مسرحيات مستلهمة من القصص القصيرة للأديب الروسى أنطون تشيخوف».

من المهم بالطبع التفاعل مع ثقافات العالم، وتبادل النشاط الثقافى والمشاركة الفعالة فى الأحداث الدولية، والانفتاح الثقافى على العالم، لكن يا سيادة الوزيرة أين مصر؟ أين دورك ودور وزارتك فى بناء الشخصية المصرية السليمة فى رؤية الدولة 2030؟ أين دور وزارتك وهيئاتك الكثيرة فى التوعية بأهمية كورونا مثلاً بلاش بناء مواطن؟ لماذا التزمت الوزارة وقياداتها الصمت فى ظل ما يدور حولنا من مخاطر؟ الحقيقة أننا بحاجة لأن نستحضر اليوم روح الراحل ثروت عكاشة، وننسف حمامنا القديم، ونعيد هيكلة وزارة الإرشاد القومى بشكل حداثى يتناسب مع المخاطر التى تحيط بالدولة المصرية وبناء شخصية مصرية سوية، لا شخصية تعرف كيف تضحك!!

أعترف أننى من أشد المعجبين بالوزيرة إيناس عبدالدايم، وكنت متحمساً لها، غاية التحمس، لكن الوقت أثبت أن الوزيرة لا تعرف عن الثقافة سوى الأوبرا، «وكام إدارة فى القاهرة»، يا سيادة الوزيرة هذا هو هيكل الوزارة التى لا تحكمى فيها غير مكتبك!

(المجلس الأعلى للثقافة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- الهيئة العامة لقصور الثقافة - الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية- الهيئة العامة للمركز الثقافى القومى (دار الأوبرا المصرية)- الجهاز القومى للتنسيق الحضارى- اتحاد كتاب مصر- المركز القومى للترجمة - المركز القومى للسينما - الأكاديمية المصرية للفنون بروما- أكاديمية الفنون- قطاع صندوق التنمية الثقافية- قطاع الفنون التشكيلية- جهاز الرقابة على المصنفات الفنية».

أما قطاع الإنتاج الثقافى فيضم: «البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية، ويتبع له السيرك القومى ومسرح البالون - البيت الفنى للمسرح ويتبعه (المسرح القومى - المسرح الكوميدى - مسرح الطليعة - المسرح القومى للطفل - المسرح الحديث)، فضلاً عن المركز القومى للسينما، والمركز القومى للمسرح، ومكتبة القاهرة، ومركز الهناجر للفنون».

كان يجب على وزيرة الثقافة أن تمد يدها مع دولة 30 يونيو، وأن تهتم أكثر بالبناء الثقافى للإنسان كما اهتم ثروت عكاشة فى خمسينيات القرن الماضى، وستظل هيئات وزارة الثقافة الحالية فى وادٍ والوزارة فى وادٍ آخر بعيد عن متطلبات الدولة المصرية وما يواجهها من تحديات ما دمنا تاركين كل مسئول على رأس هيئة بعيداً عن المحاسبة.

إعادة الهيكلة هى الحل يا معالى الوزيرة، كى يتم توحيد خطة الثقافة، وتوحيد ميزانيات القطاعات، بعد ضمها كاملة دون نقصان للوزارة ويتم توزيعها وفق خطط وبرامج، ويكون فى كل محافظة وكيل وزارة يقدم خطة الهوية سنوياً وفق احتياج محافظته وعدد سكانها وأنشطتها، الثقافة والوعى والتوعية ليست شيئاً ثانوياً، وتحديداً فى تلك الفترة.

آن الأوان أن تتوحد الثقافة، لتتوحد خطتها ليكون تحتها إدارات وليست هيئات مستقلة، إدارة الثقافة الجماهيرية، وتضم إدارات عامة فى شئون الثقافة العامة، والإرشاد القومى (ثقافة القرية - ثقافة الشباب والمواهب - ثقافة المرأة - ثقافة الطفل- والمكتبات)، وتقوم بأنشطة وفعاليات عامة هدفها الارتقاء بمستوى الوعى الثقافى بجميع قضايا المجتمع، والعمل على تثقيف الفئات المستهدفة بما يضمن أجيالاً مثقفة ولديها وعى تام بمختلف القضايا، ومن شأنها أيضاً أن تقترح المشروعات الثقافية القومية على غرار «القراءة للجميع»، و«مكتبة الأسرة» بالتنسيق مع الإدارات المركزية المعنية، والتنسيق مع المؤسسات الأهلية الثقافية التى تعمل من خلال هذه الإدارة.

الإدارة المركزية للشئون الفنية «وتضم هذه الإدارة إدارات عامة تعمل على الارتقاء بالفنون بجميع أشكالها (موسيقى وغناء - فنون تشكيلية - فنون استعراضية وحرف شعبية - سيرك - مسرح للكبار والأطفال».. وتعمل هذه الإدارة على نشر الفنون الراقية والعمل على اكتشاف المواهب من خلال مراكز تدريب وتأهيل وأيضاً منافسات فنية بين الفرق القومية بالمحافظات، وتنظيم مهرجانات فنية لهذه الفرق للتبارى فيما بينها، واكتشاف المواهب فى كل مجالات الفنون، وتدعيم إنشاء متحف فنى بكل محافظة بما يضمن الحفاظ على هوية كل محافظة.

الإدارة المركزية للنشر والوثائق «وتعنى هذه الإدارة بتوحيد ميزانيات النشر بكل قطاعات وزارة الثقافة ليكون خاضعاً لسياسة موحدة تستهدف عدة نقاط، ونشر الأعمال الإبداعية للمواهب الصاعدة، وإحياء التراث الثقافى لكبار المفكرين والأدباء وترجمته، وتنظيم مسابقات للنشر لكل المبدعين وفق لوائح خاصة بكل مسابقة، والتنسيق مع الإدارة المركزية للثقافة الجماهيرية فى نشر إبداعات الأدباء والشعراء المتميزين، وحفظ وترميم الوثائق القومية بما يضمن تكوين أرشيف كامل لكل محافظة وربط ذلك إلكترونياً لإنشاء أرشيف وطنى لمصر».

أزمة الثقافة طوال الوقت فى التمويل، فلماذا لا تؤسس الوزيرة إدارة مركزية للاستثمار الثقافى بهدف تعظيم موارد الوزارة، لتكون وزارة منتجة وتدر عائداً يزيد من الدخل القومى للدولة من خلال:

* شئون المطابع.

* وتقوم على طباعة جميع الدفاتر والسجلات واحتياجات الدولة المكتبية (مثل دور المطابع الأميرية الذى توقف) وكذلك طباعة الكتب الدراسية والجامعية.

والتنسيق مع إدارة النشر لطباعة أعمال النشر.

* الإنتاج السينمائى.

* القيام بالمشاركة فى إنتاج الدراما والأفلام السينمائية لتحقيق أرباح من وراء تسويقها.

* تنظيم مراكز تدريب فى كل المحافظات على أعمال (الحرف التراثية - الآلات الموسيقية - الدورات التخصصية...).

* تسويق البنية التحتية من مسارح وقاعات مؤتمرات وفرق فنية وعروض مسرحية لتحقيق دخل للوزارة.

* تنظيم معارض بيع الكتب واللوحات الفنية ومنتجات الحرف التراثية والمشاركة فى المعارض الدولية والبيع لصالح الوزارة أو لصالح الغير.

* الرقابة على المصنفات.

* منح تراخيص أجهزة المشاهدة الجماعية والراديو والريسفير فى المقاهى والنوادى والمتنزهات بمقابل محدد بكل محافظة.

* منح تراخيص أجهزة DJ لقاعات الأفراح والفرق الفنية الخاصة بقاعات المؤتمرات الخاصة.

* ملاحقة لصوص الملكية الفكرية وقضايا النشر غير الأمين على وسائل التواصل الاجتماعى ومنحهم صلاحيات تحريك دعاوى قضائية ضد منتهكى الخصوصية ومروجى الشائعات.

ثم الإدارة المركزية للشئون الهندسية والتكنولوجية، وتعمل هذه الإدارة على صيانة المسارح والمواقع الثقافية بما يضمن لها أداء عملها على أكمل وجه، ومنح تراخيص فنية للمنشآت الخاصة سواء استديوهات خاصة- مراكز ثقافية خاصة- مسارح خاصة - قاعات مناسبات خاصة - سينمات خاصة، وفقاً للوائح لا تقل أهمية عن شروط وضوابط الحماية المدنية والدفاع المدنى.

على أن تمثل هذه الإدارات بكل محافظة تحت وكيل وزارة وليس مديراً، ومعه مديرو عموم، وإلا فلمَ التقليل دائماً من مديريات الثقافة دون عن غيرها بمحافظة؟

إذا أردنا أن ننشر الوعى، وأن نخلق شخصية مصرية ثقافية متعددة الأبعاد، لا تردد الشائعات ولا تميل للثرثرة فعلينا توجيه الاهتمام مستقبلاً بهيكلة هذه الوزارة أو تحضير روح ثروت عكاشة؛ لأنها الحل الوحيد لترسيخ المعنى الحقيقى للهوية المصرية والتوعية.