الاستقلال عكس الاستعمار هذا ما تعلمناه أو في الغالب ما أرادو تعليمنا إياه إلا أن هاتان الكلمتان في وطننا الع

مصر,الغربية,فلسطين,الاستقلال,الاستعمار,كرومر,تميم البرغوثي

الخميس 9 يوليو 2020 - 10:57
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
الاستقلال وجه آخر للاستعمار!

الاستقلال وجه آخر للاستعمار!

الاستقلال عكس الاستعمار، هذا ما تعلمناه أو في الغالب ما أرادو تعليمنا إياه، إلا أن هاتان الكلمتان في وطننا العربي وفي كثيرٍ من الأحيان كلمتان مترادفتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى لأننا كعرب دائماً وكثيراً ما نشعر بإن استقلالنا هذا نوعٌ من الإستعمار، وهذا ما يبرهن لنا بأن علاقة أكثر الشعوب العربية مع أنظمتها تشبه علاقة الفلسطيني مع الكيان الصهيوني.

بالنظر إلى تكوين العقل العربي نجد الكثير من الأسئلة المعقدة الدائرة في منطقة الوعي لكن الإجابة عليها تكون أكثر تعقيداً وليس من السهل إيجازها وإيجادها، فالعرب أنتجوا أعظم العقول السياسية والفنية والعلمية في التاريخ لكنهم لم يصبحوا قوة عظمى أبداً.

استعمار بأيدٍ محلية

كذلك لم يُعتبروا أساتذة في الدبلوماسية، غير ناجحين في الحكم الداخلي لدولهم التي رسم حدودها الإستعمار، ولكنهم كأفراد متمتعون بشجاعة فردية كبيرة، إلا أنهم أيضاً فاشلون كجيشٍ جماعي، تجار بارعون على المستوى الشخصي ولكنهم رأسماليون غير أكفاء كأمة، ولهذا يكون استقلالنا استعماراً بأيدٍ محلية، وهذا ما أراده المستعمر في بلادنا منذ مئة عام وسنذكر هذا بعد قليل.

المثقف والمفكر العربي ورأيه من الاستقلال المُستعمر

نعم المستعمر أراد استقالنا ولكن بشروطٍ وضعها وأوجدها هو لضمان بقاءه في الخفاء، أراد استقلالنا عن أجزاء جسدنا كأمةٍ عربية لها جسدها وكيانها الواحد، لا لشيء بل ليستفرد بنا جزءاً تلو الأخر، وهذا ما جعله يخلق لنا اوطاناً ويُسيج لنا حدودها، وخلق لنا أيضاً السياسات والبيروقراطيات والجيوش وهذا لضمان بقاءه وعدم انكشافه، كمان أنه أيضاً خلق لنا التبعيات الإقتصادية، وخلق لنا القومية وجعلنا نقدم الولاء لها، إلا وأن كثير من أبناء العرب مجردين من هذه التبعيات المخلوقة ومؤمنين بأن الوطن العربي وطنٌ واحد لا يتجزأ  ولا ينجرفون وراء هذه الرطانة القومية التي تقوم على صناعة التماهي.

 

بل والإفصاح عن ذلك يؤدي إلى القتل أو التهديد بالقتل لأن استقلالنا المُستعمر بنى لنا حدوداً ومساراً لتفكيرنا أيضاً، وهذا ما يبرهن لنا إجهاض الثورات والاغتيالات الدائمة للمفكرين والكتاب والأدباء والأحرار العرب، وبالتالي يكون العربي الجديد الذي أراده المستعمر هو العربي الميت، يقول الكاتب والمفكر العربي "إدوارد سعيد" : الولاء للجموع لا يمكن أن يجر المثقف إلى درجة تخدير الحس النقدي له، وخصوصاً في عالمنا العربي والذي تلتقي فيه فكرة الدولة مع الدولة القائمة، والدولة القائمة مع الحزب الحاكم، والحزب الحاكم مع لجنته المركزية، ولجنته المركزية مع رئيس الحزب، لينتهي الأمر بأن نقد رئيس الحزب هو انتقاص من هيبة الدولة وتشكيك في المسيرة. 

تبلور فكرة الاستقلال المزيف لدى العربي

وبناءً على هذا كله جعل العقل العربي الحر أمام خيارٍ واحد، ألا وهو أن المستعمر قد اختار من نُخبنا أُناساً لتكون هي الوسيط بيننا وبينه، ولكن بشرطٍ واحد أن تحل محله إدارة جديدة تكون بأيادٍ سمراء ووجوه مألوفة، وبهذا نستنتج أن الوحدة العربية هي خطراً على السلطات المُسيجة فجعلتنا كمستعمرات وهذا شرط استقلالنا، ولتجعلنا أكثر تشبيهاً بسرير الحداد اليوناني "دامستيس" {هذا الحداد الذي كان يُنيم الناس على سريرٍ من حديد فإن كانوا أطول منه قطع أطرافهم وإن كانوا أقصر منه خلع أكتافهم حتى يصبحوا على قياسه تماماً }، إلى أن يصل الأمر إلى اتخاذ موقف مطلق يفصل بين النقد والولاء.

مصر نموذجا

كنا قد ذكرنا سابقاً عن ما أراده الإستعمار قبل مئة عام، والأن سنفيض بذلك، وسنذكر ما قاله "إيفلينغ بيرينغ" المعروف في تاريخ مصر باسم "كرومر"،  ونذكر مصر كنموذج لأنها كانت مصر والسودان شماله وجنوبه معاً يقول في كلامٍ مقتبس من كتابه الذي أسماه مصر الحديثة: { إني وإن كنت لا أغامر بالتنبؤ بالهدف الذي سنحققه في نهاية المطاف إلا أنني لا أتردد أبداً في إبداء الرأي في الهدف الذي يجب علينا أن نسعى في تحقيقه، فبقديرنا ثمة بديلان اثنان لا غير، إما أن تصبح مصر في بداية المطاف مستقلة، أو أن تضم إلى الإمبراطورية البريطانية.

ويُكمل شخصياً: أنا منحاز بثقة إلى البديل الأول "أي الاستقلال" فكل ما علينا فعله هو أن نخلف وراءنا  حكومة جديدة إلى حدٍ ما وقوية، وأهم من هذا وتلك مستقرة لتمنع الفوضى والإفلاس، فَتَحول بذلك دون أن تصبح المسألة المصرية مصدر إزعاج لأوروبا مرة أخرى، إلا وأننا لابد لنا من اطلاق يدها في بعض الأمور، إلا أنهُ من الأساسيّ أن يكون على هذه الحكومة بعد جلائنا أن تعمل بمبادئ متوافقة مع الخطوط العريضة لمتطلبات الحضارة الغربية}، هذا ما قاله "كرومر" قبل مئة عامٍ عن مصر.

وبعد مئة عام بحث الشاعر والكاتب العربي "تميم البرغوثي" في الأسباب التي كانت نتائجها ما نحن عليه الآن فيقول : {إن مشكلة كرومر مع الطغيان الشرقي المتهالك الذي يذكره هذا والمبادئ المحمدانية كما يسميها "كرومر" في أن هذه الشرقية والمحمدانية توحد مصر مع محيطها فتجد بريطانيا نفسها مطرودة من قناة السويس، وترى دولة عظمى ممتدة من وسط آسيا حتى حدود المغرب الأقصى، فهذا يعوقها من الوصول إلى الهند وأسواق التجارة الكبرى ومناجم الذهب والماس في إفريقيا، فإذا كانت هذه هي حال أكبر البلاد العربية حينها، فلنا أن نتخيل جميعاً ماهي حال البلاد العربية الأخرى.

بدأنا الكلام في الحديث عن علاقة الفلسطيني مع الكيان الصهيوني وسننهي حديثنا عن فلسطين لن نقبل بأن يعرض علينا المحتل احتلالاً جديداً، احتلالاً متنكراً باسم الإستقلال هذا الإستقلال الذي يكون أخف عليه وأثقل علينا، استقلالاً يُحيلنا لأن نصبح دُمىً آلية يضعنا في حزمٍ لاتقوينا بل تقيدنا وتمنعنا من النمو، ونحن كعرب نؤمن كل الإيمان أن بعد كل انحاط هناك نهضة جديدة، نهضة تجعلنا نرمي كل عهود الذل والتخلف والجهل الذي أرادوه ولكن بأيادٍ سمراء أصلية ووجوهٍ مألوفة كريمة.