لا يوجد شعب إلا وله حكمه وأمثاله التى تلخص تفاصيل حياته رسائل شفهية تفتح نوافذ الماضى على مصراعيها وتكشف حكمة

مصر,القاهرة,الشيخ بوركهارت,جون لويس بوركهارت,العادات والتقاليد المصرية

الأحد 27 سبتمبر 2020 - 21:01
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
الشيخ بوركهارت

الشيخ بوركهارت

لا يوجد شعب إلا وله حكمه وأمثاله التى تلخص تفاصيل حياته، رسائل شفهية تفتح نوافذ الماضى على مصراعيها وتكشف حكمة وفلسفة أجدادنا وفهمهم العميق للحياة، ويعتبر المثل الشعبى تجربة إنسانية فريدة، ووعاء يحوى التراث ويبرز التطور الاجتماعى عبر العصور.



بدءا من القرن السادس عشر الميلادى وحتى القرن التاسع عشر شهدت مصر وبلاد المشرق بصفة عامة موجات من الرحلات الاستكشافية لرحالة أوروربيين قادهم شغفهم لاستطلاع سحر الشرق وإجراء دراسات متنوعة تشمل حضاراته، دياناته، آدابه، لغاته، تاريخه، وقد أطلق علي هؤلاء الرحالة لقب مستشرقين، وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء المستشرقين كان لهم أهدافا سرية تخدم الأطماع التوسعية لبعض دول الغرب إلا أنهم قد تركوا كنوزا من الصور، الرسومات، ووثقوا التاريخ والتراث في المجتمع المصرى وبلاد المشرق في هذه الأزمنة البعيدة.

يبرز من بين هؤلاء المستشرقين الرحالة السويسرى "جون لويس بوركهارت" الذى خلد اسمه تدوينه لأحد أشهر الكتب التي تحوى كنوزا من الأمثلة الشعبية المصرية ويحمل اسم "العادات والتقاليد المصرية".

 

استقر بوركهارت في مصر في بداية القرن 19 م، ارتدى الثوب الشرقى وأطلق على نفسه الشيخ إبراهيم اللوزانى ليستطيع اختراق المجتمع المصرى كمسلم ملتزم ليحوزعلى القبول ويتنقل بحرية تامة بين الناس، وقد كرس بوركهارت سنوات عمره القليلة لدراسة تاريخ وجغرافيا الشرق، وتجول بين ربوع سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، السودان، وتوفي في مصر قبل أن يكمل عامه الثالث والثلاثين.

نعود لمربط الفرس "العادات والتقاليد المصرية" لكاتبه بوركهارت، فى أحد الأيام وجد هذا الرحالة السويسرى في مكتبة أحد الشيوخ عشر كراسات مهملة تحوى 1600 مثل شعبى مدونين باللهجة العامية لأهالى القاهرة جمعهم رجل مصري يدعى شرف الدين بن أسد، اعتقد بوركهارت أن هذه الكراسات هي تجميعة حديثة لأمثلة متداولة فأبدى إعجابه الشديد بهم وقام بشراءهم من الشيخ وقرر أن يسطر كتابا يشرح فيه هذه الأمثلة.

الأمر الذى لم يدركه بوركهارت هوأن هذا الرجل المدعو(شرف الدين بن أسد) قد عاش فى القرن الثامن الهجرى، القرن 14 م فى زمن حكم المماليك البرجية لمصر، أي قبل حوالى 500 عام من اكتشافه للعشر كراسات، وقد وجدت ترجمة (شرف الدين بن أسد) فى عدد من أمهات الكتب مثل (الدرر الكامنة)، و(فوات الوفيات) وقيل عنه أنه كان رجلا فقيرا يسطر الأشعار ويدون الأمثال ويرتجل الأغانى فينشدها المطربون في الأفراح.

واستعرض معكم بعض أمثلة مما سطر بن أسد: "إذا أراد ربنا هلاك نملة أنبت لها جناحين"-  "بير تشرب منه لا ترمي فيه حجر" – "ترك الذنب ولا طلب المغفرة" – "الكسل ما يطعم عسل" – "نواة تسند الزير".

ويبدوأن بن أسد لم يكن راضيا عن حكم المماليك لمصر فدون في كراساته مثل يقول: "مصر خيرها لغيرها"، كما شهد بن أسد حدثا جسيما هو انهيار منارة الإسكندرية نتيجة لزلزال عظيم فانزعج الناس ورددوا وقعت منارة إسكندرية قال الله يسلمنا من غبارها.

نعود للرحالة السويسرى بوركهارت الذى انبهر بهذه الأمثال النفيسة التي تشرح عادات وتقاليد المصريين فانتقى 999 مثلا نشرها فى لندن مع مجموعة من الدراسات حول المجتمع المصرى، وحذف 601 مثلا لاستخدامهم لغة تخدش الحياء ولا تلائم الذوق العام أنذاك.

بطل اليوم استخدام مصطلح إستشراق ومستشرقين لأن العالم الغربى رأى أن هذا المصطلح يحمل بين ثناياه دلالات سلبية ولا يفي بوصف الباحثين المتخصصين في العالم الإسلامي، فكان من قرارات منظمة المؤتمرات العالمية في مؤتمرها الذي عقد في باريس (1973م) بأن يتم الإستغناء عن هذا المصطلح، وأن يطلق على هذه المنظمة (المؤتمرات العالمية للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية.

وقد دعا فريق من العلماء الشرقيين إلى تأسيس علم الاستغراب في مقابل علم الإستشراق، أي الوجه الآخر أوالنقيض لعلم الإستشراق، والمستغرب هوالذي تبحر من أهل الشرق في إحدى لغات الغرب وآدابها وحضارتها، ومهمة هذا العلم الجديد هى القضاء على المركزية الأوربية ورد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية بعد أن إنتشرت خارج حدودها مع المد الإستعماري ومع انتشار سيطرة الغرب على وكالات الأنباء ودور النشر الكبرى ومراكز الأبحاث العلمية، وقد أصبح لفظ الاغتراب أصبح من المصطلحات الشائعة في وقتنا الحاضر لأن الإنسان بصفة عـامة مغتربا في عصره نتيجة للتغيرات الثقافية والإجتماعية والتكنولوجية الحديثة.

وعمار يا مصر