توجد العديد من المشكلات والأزمات التي أثارت الجدل خلال الفترة الأخيرة وعلى رأسها الهتافات المسيئة.. المزيد

الأزهر,لجنة الفتوى,كورونا

الإثنين 6 يوليو 2020 - 10:33
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

حوار| محمود عاشور: من خالط الناس وهو يعلم أنه مصاب بكورونا سيدخل النار

توجد العديد من المشكلات والأزمات التي أثارت الجدل خلال الفترة الأخيرة وعلى رأسها الهتافات المسيئة التي رددها متطرفو الشيعة، وتعرضوا فيها لزوجة النبي محمد صلّ الله عليه وسلم، السيدة عائشة، خلال مظاهرات في لبنان مؤخرًا، مشاعر المسلمين السنة في كل بقاع الدنيا، وهبت المؤسسات الدينية الرسمية ودور إفتاء العالم للتحذير من الوقوع في أعراض زوجات الرسول وأمهات المؤمنين وعامة المقدسات الإسلامية.



ولذلك أجرى اليوم الجديد، حوارًا مع الشيخ محمود عاشور، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، للوقوف على هذه الفتوى، وكذلك معرفة رأيه في العديد من القضايا التي أثارت الجدل خلال الفترة الماضية، في أعقاب انتشار فيروس كورونا مثل رفض ابن استلام جثة والدته المتوفاة بكورونا، والتشكيك في جهود الدولة وترويج الشائعات، وإظهار بعض الجماعات الولاء لدول خارجية مثل تركيا وقطر.

رأينا سب السيدة عائشة من متطرفي الشيعة في لبنان خلال التظاهرات الأخيرة.. ما حكم ذلك؟

إِنَّ عائشة رضي الله عنها قد احتلتْ مكانة سامية مرموقة في الأخلاق الحسنة النبيلة الرفيعة، وكان الزهد والورع والعبادة والسخاء والجود والشفقة على الناس من أهم وأكبر معالم شخصيتها رضي الله عنها.

فتأثرت عائشة رضي الله عنها كثيرًا بعبادة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه فيها؛ لأنها كانت أقرب الناس إليه، وأكثرهم اطلاعًا على عبادته الخاصة به، ونقلت عائشة رضي الله عنها للناس في الأحاديث الكثيرة التي رويت عنها  صورة كاملة لعباداته.

أما علاقتها مع علي رضي الله عنهما، فكانت حسنة، والعجيب أن عليًا رضي الله عنه كان يعاقب من يتكلم بكلام فيه نيل من أُمِّ المؤمنين عَائِشَة بالجلد والضرب، فقد ذكر ابن الأثير رحمه الله: "أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أُمّ المؤمنين بالبصرة فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقًا، وقال الآخر: يا أمنا توبي فقد أخطأت، فبلغ ذلك عليًا، فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما"، أمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِقَذْفٍ فَهُوَ كَافِرٌ بالإجْمَاعِ، وقَدْ دَلَّ على ذَلِكَ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ والإجْمَاعُ، وأقْوَالُ السَّلَفِ.

وقَدْ سَاقَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ، بإسْنَادِهِ إلى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أنَسٍ يَقُوْلُ: «مَنْ سَبَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ جُلِدَ، ومَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ، قِيْلَ لَهُ: لِمَ يُقْتَلُ في عَائِشَةَ؟ قَالَ: لأنَّ اللهَ تَعَالى يَقُوْلُ في عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: "يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".

قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ القُرْآنَ، ومَنْ خَالَفَ القُرْآنَ قُتِلَ، قَالَ ابنُ حَزْمٍ: قَوْلُ مَالِكٍ هَهُنَا صَحِيْحٌ، وهِيَ رِدَّةٌ تَامَّةٌ، وتَكْذِيْبٌ للهِ تَعَالى في قَطْعِهِ بِبَرَاءتِها.

وقَالَ ابنُ أبي مُوْسَى: “ومَنْ رَمَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ فَقَدْ مَرَقَ مِنَ الدِّيْنِ، ولم يَنْعَقِدْ لَهُ نِكَاحٌ على مُسْلِمَةٍ”.

وقَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ حَدِيْثِ الإفْكِ، إن بَرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِنَ الإفْكِ، وهِيَ بَرَاءَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِنَصِّ القُرْآنِ العَزِيْزِ، فَلَو تَشَكَّكَ فِيْهَا إنْسَانٌ والعَيَاذُ باللهِ صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بإجْمَاعِ المُسْلِمِيْنَ.

ومِنْ خِلالِ هَذِهِ الأقْوَالِ يَكُوْنُ قَذْفُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كُفْرًا وزَنْدَقَةً، ويُقْتَلُ فاعِلُهُ رِدَّةً، نَعُوْذُ باللهِ مِنْ ذَلِكَ!

هل العزل المنزلي حال نزول الوباء من الأشياء التي حث عليها رسول الله .. حدثنا بالدليل؟

قبل أن أتكلم عن العزل المنزلي أحب أن أنبه أن الابتلاء سنة كونية لا نعيش من غيرها .

وقال تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور"  .

ويعتبر العزل  المنزلي  من أهم الوسائل للقضاء على انتشار الوباء، وبين النبي في عدد من الأحاديث، مبادئ العزل المنزلي، فمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون، ومنع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها، بل جعل ذلك كالفرار من الزحف الذي هو من كبائر الذنوب، وجعل للصابر فيها أجر الشهيد.

 قال رسول الله: "الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف" .

والإعجاز النبوي يتجلى في هذه الأحاديث في منع الشخص المقيم في أرض الوباء أن يخرج منها حتى وإن كان غير مصاب، فإن منع الناس من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون أمرًا واضحًا ومفهومًا، ولكن منع من كان في البلدة المصابة بالوباء من الخروج منها حتى وإن كان صحيحًا معافى، أمر غير واضح العلة، بل إن المنطق والعقل يفرض على الشخص السليم الذي يعيش في بلدة الوباء، أن يفر منها إلى بلدة أخرى سليمة حتى لا يصاب بالعدوى، ولم تعرف العلة في ذلك إلا في العصور المتأخرة التي تقدم فيها العلم والطب، إنه العلم الرباني والوحي الإلهي الذي سبق كل هذه العلوم والمعارف. 

وهل يمكن أن نجد في الشريعة الربانية المخرج من هذا الوباء؟

العلاج بدوام الدعاء، واعلم أن الله تعالى إذا حجب عنك شيئًا مما تريد الآن، فإنما يحجبه عنك لحكمة وهو أحكم الحاكمين، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وعليك أن تظل منطرحًا حتى تصل إلى درجة الاضطرار، والله تعالى يجيب المضطر إذا دعاه، كما قطع على نفسه سبحانه، وكتب على نفسه {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}.

والناس يتناقلون في قصصهم وأخبارهم، أن ربنا جل وعلا يجيب دعاء المضطرين في أمور الدنيا، حتى ولو كانوا من غير المسلمين أحيانًا، فربما أجاب الله دعوة غريق أو مريض أو حريق أو جائع أو مظلوم، أو غير ذلك إذا وصل إلى درجة الاضطرار، أي الانقطاع التام من الأسباب، والتسليم المطلق لله تعالى، وتفويض القلب كله إلى الله تعالى، وانتظار الرجاء مع الثقة بوعده؛ فكيف إذا كانت الضرورة ضرورة في هلاك الانسان الذي بسببه تعمر الأرض، والذي بسببه سخر الله له كل شيء، فعلينا جميعًا اللجوء والتضرع إلى الله.

 رأينا خلال الأيام الأخيرة من رفض استقبال جثمان والدته المتوفاة بكورونا لدفنها حتى لا يصاب بالعدوى.. هل يأخذ حكم العقوق؟

لا يكون عقوقًا، لأنه يعذر بجهله، وهو  العلم بالشيء على غير حقيقته،  فلابد وأن يرجعوا إلى أهل العلم وهم الأطباء في مثل هذه الأمور، والذين تحققوا أن الميت بكورونا لا ينقل العدوى، فلذلك من رفضوا استلام جثمان أبيهم أو أمهم، فهذا عقوق، ولا يسقط عنهم الإثم.

إن البعض من الذين لا يعرفون المعروف، ولا يقدرون للوالدين الحقوق جعلوا حقوق الوالدين من أهون الحقوق، وعقوا آباءهم وعصوهم، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لو علم الله شيئًا أدنى من الأُفَّ لنهى عنه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار”، وقال صلى الله عليه وسلم: “لعن الله العاقَّ لوالديه”. وقال صلى الله عليه وسلم: “كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه”، أي يعجل له العقوبة قبل يوم القيامة.

على ضوء ما ذكرت.. هل يجوز للأم أو الأب أن يحرم ابنه العاق من الميراث؟

الميراث قد تولى الله تعالى توزيعه بنفسه، ولم يترك تفصيله للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد توعد الله تعالى من يخالف قواعد الميراث بالعذاب المهين.

ومع ذلك لا ينبغي أن يُحرم الابن العاق من الميراث حتى لا يتعرض إلى غضب الله، وأليم عقابه، فقد توعد الله من عصاه في أمر المواريث بأن له عذابًا مهينًا فقال تعالى: “تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين”.

وأكدت لجنة الفتوى التابعة لمجمع البحوث الاسلامية  بالأزهر الشريف، أنه لا يجوز للأب أن يحرم ولده العاق من الميراث؛ لأن الله قد قرر نصيب كل وارث من الورثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه".

حكم من علم بإصابته بكورونا ونزل يخالط الناس؟ 

من رحمة الله بنا أنه جعلنا نحافظ على أنفسنا وعلى الآخرين، وجعل الأجر والثواب على ذلك، كما جعل العقاب على خلاف ذلك، وقال الله: “وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”.

احذروا يا من تعرضون أنفسكم وأهليكم وأولادكم للخطر وأنتم لا تشعرون، احذروا أن تقعوا في وعيد الله، في هذه الآية الكريمة التي يقول فيها: “وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”، لكن إذا اعتديتم وتجرأتم وتعديتم الحدود وحصل منكم بعض الأسباب التي جنيتم بها على أنفسكم أوأهليكم أو أولأدكم أو الحي التي تسكنون فيه  من قتل أو عدوى وأنتم تعلمون ذلك  أو غيره فعند ذلك سقطت حرمتكم من عين الله عز وجل، وحل بكم هذا الوعيد “وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً”.

ما رأي الدين في وجود جماعات دينية تعمل ضد الوطن وتدين بالولاء لدول خارجية مثل تركيا وقطر؟

محبة الوطن أمر فطري عند الإنسان فإن الكتاب والسنة أكدا ذلك في مواطن عدة، وجعلا الوطن من أهم الأمور التي يتعلق بها قلب الإنسان ويحبها، ومن الآيات التي فيها دلالة واضحة على مشروعية حب الوطن قوله تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ”، وهذا يؤكد أن الوطن عزيز وغال، وفراقه مؤلم ومحزن، ومن ثم كانت محبته مشروعة.

ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم  من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله تعالى: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"، أي إلى مكة والشوق لا يكون إلا إلى المحبوب، وفيه دلالة على محبة وشوق النبي صلى الله عليه وسلم إلى وطنه، كما أن النبي قال لمكة: "ما أطيبك من بلد وما أحبك إلي ولو لا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”.

ومما تقدم يتضح أن حب الوطن مشروع وثابت بالكتاب والسنة، تأكيدًا لفطرته عند الإنسان، ومن ثم فمن أحب وطنه كان مستقيمًا ومتسقًا مع الفطرة السليمة، ومن قصد بحب وطنه اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء في هذه المحبة وعمارة الكون التي هي رسالة الإنسان في الوجود بعد عبادة الله تعالى كان مأجورًا ومثابًا، وعضوا فعالاً في وطنه ومن ثم أمته الإسلامية.

وفي المقابل من فقد هذه الفطرة الإنسانية وأصابه بلادة الشعور والإحساس بفضل الأرض التي ولد عليها وعاش فيها، فلا يعرف قلبه حبًا لوطنه ولا شوقًَا ولا انتماء إليه ويدين بالولاء لكيانات أخرى معادية، كان هذا الإنسان غير جدير بالمواطنة، وليس ذلك فحسب بل إنه إنسان سلبي غير مستقيم الفطرة، مخالف في ذاته الوقت لهدى النبي صلى الله عليه وسلم.

أثر كورونا على التدين وبالذات التدين الشعبي في مصر؟

المساجد وخطب الجمعة كان لها دور في تذكية روح الإيمان لدى الناس، ولكن في ظل كورونا أصبح هناك عذر شرعي في وقف كل هذا حتى تزول الغمة، والإنسان بأصله متدينًا، فلو ترك وحده أصبح بفطرته مسلمًا، ولكن في هذه الفترة التي نعيشها بسبب كورونا، وخاصة عندما أغلقت المساجد، فالإنسان لابد وأن يكون قريبًا إلى الله في هذا الوقت، وأن نوقظ بداخلنا روح التضرع إلى الله والإلحاح عليه في كشف الوباء، لأنه ليس لها من دون الله كاشفة.

وللأسف الشديد نرى في الواقع خلاف ذلك، سواء في العبادات أو المعاملات، كم من شاب لو سألته عن الصلاة اليوم، لقال: "يعني بصلي"، والتجار اليوم إلا من رحم ربي ذممهم لا ترضى الله عز وجل، فبكل تأكيد نحن بعيدون كل البعد عن الله ولن يصلح حالنا إلا إذا رجعنا إلى الله.

 توظيف بعض الجماعات لأزمة جائحة كورونا ومحاولة التشكيك في جهود الدولة ونشر الشائعات؟

الإشاعات هي الأحاديث والأقوال والأخبار التي يتناقلها الناس، والقصص التي يروونها دون التثبت من صحتها، أو التحقق من صدقها مما له أثر في إذكاء العداوة بين المؤمنين، وإيجاد الفرقة والاختلاف بينهم.

والإشاعات تسببت في الكثير من الفتن ونزول المحنة على مر التاريخ، منها ما حدث في العهد الأول، حينما انتشرت شائعات أن كفار قريش أسلموا، وذلك بعد الهجرة الأولى للحبشة، فكان من نتيجتها أن رجع عدد من المسلمين إلى مكة، وقبل دخولهم علموا أن الخبر كذب، فدخل منهم من دخل، وعاد من عاد، فأما الذين دخلوا فأصاب بعضهم من عذاب قريش ما كان فارًا منه، وفي معركة أحد، عندما أشاع الكفار أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل، فَأثر ذلك في كثير من المسلمين، حتى إن بعضهم ألقى السلاح، وترك القتال.

ولن ننسى حادثة الإفك، ضد السيدة عائشة، والتي هزت بيت النبوة شهرًا كاملاً، بل هزت المدينة كلَّها، والتي كان أساسها شائعة، كما أدت الشائعات الكاذبة ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضي الله عنه إلى تجمع أخلاط من المنافقين، ودهماء الناس، وجهلتهم، وأصبحت لهم شوكة ومنعة، فقُتل على إثرها خليفة المسلمين بعد حصاره في بيته، وقطع الماء عنه، ومن هنا فإنه يقال إن أعظم الناس نشرًا للشائعات هي طائفة المنافقين.

رأينا ما حدث للأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد.. كيف نظر الإسلام للتمايز العنصري والقتل على الهوية ؟

هذا موضوع طويل ومتشعب، لقد كان أهلُ الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ متناحرينَ متفرقينَ، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، لا يحكمهم دينٌ قويمٌ، ولا عقلٌ سليمٌ، ولا فِطرةٌ سويةٌ، القويُ يأكلُ الضعيفَ، كلُ قبيلةٍ تفخر بحسبها على أختِها، وكلُ قبيلةٍ تطعنُ في نسبِ جارتِها، يتحالفونَ ويتداعَونَ ثم يقتتلونَ، فتُفنِيهم الحربُ أجيالاً بعدَ أجيالٍ بسببِ استغاثةِ طيشٍ أو نخوةِ شُؤمٍ، ولما جاء الإسلام هدم النبي صلى الله عليه وسلم  كل هذا، ولنرى هذه الصورة بين  صحابيين رضي الله عنهما، أحدهما أسود والآخر أحمر،  وهما بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأسود الحبشي أبو ذر الغفاري من غفار، فلما كان بينهما من الكلام ما كان من أبي ذر إلا أن قال لبلال: “اسكت يا ابن السوداء، فسكت بلال رضي الله عنه” لأنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لن ولا ولم يقر يومًا ما شيئًا من هذه العصبية، أو من ريحها.

فلما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بئس ما قلت له أن عيرته بأمه، ثم التفت إلى أبي ذر وقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية” ولم يقل: “أنت من أهل الجاهلية”، ولم يقل: “أنت جاهلي، وإنما قال: “فيك جاهلية”، فبكى أبو ذر رضي الله عنه، وعاد إلى أخيه بلال يقبله، ويضمه، ويستسمحه، ويطلب منه العفو والمغفرة، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على التراب، وقال: “يا بلال! لا أرفع خدي حتى تضع رجلك السوداء عليه”.

ولم يقل: أنا غفاري وهذا حبشي أو أنا عربي وهذا أجنبي أو أنا من غفار وهذا من الحبشة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره”، يعني لو قال: “أقسمت يا رب عليك أن تمطر السماء الآن لأمطرت”.

إذاً فإلام يمضي أولئك الذين يريدون أن يمزقوا شملنا في بلادنا بالعصبيات الجاهلية، والقوميات العنصرية؟! ونقول لأولئك الذين يرفعونها شمالاً أو جنوبًا، شرقًا أو غربًا، نقول لمن أراد أن ينظر إلى قوته وموقعه بنسبه أو بحسبه، تفتخر بماذا؟ فالإنسان ما هو إلا  قذى في العين، مخاط في الأنف، وسخ في الجوف، أذىً في البطن.. بماذا يفتخر إنسان على آخر؟!.

حج الخليفة الأموي ومعه ولداه، وكان الذي يتولى الإفتاء في المناسك بأمر الخليفة هو عطاء بن أبي رباح؛ عبد مولى أُعتق فطلب العلم، فبلغ فيه قمته، فانتهت إليه الفتوى في أمور المناسك، وكان الناس يقفون عليه سماطين أو ثلاثة، بما نسميه طابوراً، كل ينتظر دوره لكي يسأل عطاء بن أبي رباح، وهل كان عطاء جميلاً طويلاً مهيباً وسيماً؟ كان عطاء رحمه الله مفلفل الشعر، لا يرى إلا بعين واحدة، أفطس الأنف، إذا رئي من بعيد كأنه غراب رحمه الله، فلما بلغ الأمر حد الخليفة، يريد الخليفة أن يسأل في شأن من شؤون المناسك، فجاء الخليفة وجثا بركبتيه عند عطاء بن أبي رباح، وأجلس ولديه على يمينه ويساره، وطأطأ مطرقاً هيبة للعلم، وإجلالاً للعالم، الخليفة الأموي يطأطئ ويجثو بركبتيه بين يدي عطاء بن أبي رباح، فهل ضر عطاء أن كان عبداً؟! وهل ضر عطاء أن كان مفلفل الشعر؟! وهل ضر عطاء أن كان أسود اللون؟! وهل ضر عطاء أن لم يكن له إلا عين واحدة؟! وهل ضر عطاء كل ما لا يحبه أولئك القوميون والعصبيون؟!.