أيتها العرافة المقدسة..جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء أزحف في معاطف القتلى وفوق الجثث المكدسة منكسر السيف

القاهرة,الزواج,المصريين,الغربية,قنا,القلعة,بيروت,الأخبار

الإثنين 30 نوفمبر 2020 - 14:07
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

أمل دنقل.. سبارتاكوس الصعيد

أيتها العرافة المقدسة..جئت إليكِ مثخنًا بالطعنات والدماء، أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء. "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" بهذه القصيدة عبر أمل دنقل عن صدمته ككل المصريين بالهزيمة المنكرة يونيو 67، فكانت إشارة إلى مولد شاعر قومي عربي عاصر الثورة وذاق مرارة النكسة. في سنة 1940 وتحديدًا في قرية القلعة مركز "قفط" بمحافظة قنا، وُلد محمد أمل فهيم أبو القاسم محارب دنقل، لأبٍ أزهري يعمل مدرسًا للغة العربية أسماه والده بهذا الاسم استبشارًا بالنجاح الذي حققه بحصوله على إجازة العالمية الأزهرية، في نفس السنة التي وُلد بها أمل. في السابعة من عمره ذاق أمل مرارة فراق الأخت، وحينما أتم العاشرة فارق والده الحياة تاركًا له إرثًا علميًا ضخمًا في مكتبته التي حوت كتبًا في الفقه والشريعة والتفسير وروائع التراث العربي، التي ساهمت بشكل أساسي في تشكيل شخصية الأديب. بعد حصوله على الثانوية العامة في قنا، رحل أمل إلى القاهرة ليلتحق بكلية الآداب التي فُصل منها في السنة الثانية، ليعود إلى قنا ليعمل موظفًا في محكمة قنا، وبعدها بجمارك السويس والإسكندرية، ثم ، لكن ذلك لم يشغله فكان يترك العمل ليتفرغ لكتابة الشعر. أعلن أمل الثورة على المدارس الشعرية السائدة التي كانت متأثرة مالميثولوجيا الغربية عامة، وبخاصة اليونانية؛ ليصنع لنفسه مدرسةً شعريةً خاصة تحمل على أكتافها آلام وآمال الشعوب وتطلعاتها إلى الحرية، وأحلام العروبة والثورة المصرية . أمل دنقل صاحب الروح الرياضية العالية! كان دنقل من هواة لعبة الشطرنج التي احترفها لسنوات ولطالما تلقى صديقه الراحل يحيى الطاهر عبد الله، العديد من الهزائم على يديه، وتذكر الصحفية عبلة الرويني، زوجة الراحل أمل دنقل، في كتابها "سيرة الجنوبي" أنها كانت تعلب الشطرنج مع زوجها وحينما انتصرت عليه، قفزت من مقعدها وقالت "انتصرنا..انتصرنا" فغضب أمل وقلب رقعة الشطرنج ورمى الزهر، وبعدها جاء يطالبها باللعب مرةً أخرى. هوايات أخرى.. وتضيف الزوجة في فصل "وسادة المتعب" من كتابها أن زوجها كان لاعب طاولة عنيد ومشاكس، بالإضافة إلى هواية غريبة كان يمارسها الجنوبي كثيرًا وهي تدوين اسمه على الكراسِ والمقاعد وعُلب السجائر وأوراق الجرائد، فكانت ترى أن هذه الأفعال نوعًا من التوتر على حد وصفها. العِرق الصعيدي.. كان حمية الصعيد تغلب على طباع شاعر الرفض، فكان سريع الغضب، شديد الانفعال، لدرجة الشجار بالأيدي والكراسِ والسباب، فحينما طلبت الصحفية عبلة الرويني إجراء حوارًا صحفيًا مع دنقل في بداية مشوارها وقبل الزواج منه، حذرها زميل صحفي لها في جريدة الأخبار من إجراء حوارًا مع دنقل واصفًا إياه "أمل بذيء، سليط اللسان، شيوعي، يساري، شديد القبح مثل كل الشيوعيين، تشم رائحتهم عن بعد"، كما روت "عبلة" في ذات الكتاب. ألقاب اكتسبها الراحل أمل دنقل.. أسماه صديقه الدكتور جابر عصفور ب "سبارتاكوس" فكان يراه أنه السائر دائمًا إلى انتصاره في الموت. أطلق عليه الشاعر الراحل حسن توفيق لقب "هرقل" وكان دنقل يطرب لسماع هذا الاسم كثيرًا. كما أطلقت عليه زوجته لقت "شوبنهاور" نسبة إلى الفيلسوف الألماني الشهير "أرتور شوبنهاور" الذي اشتُهر بالسوداوية. كما سُمي دنقل ب "أمير شعراء الرفض"، لمقاومته الظلم الاجتماعي، والخنوع للسلطة الحاكمة، ورفضه الصلح مع الصهاينة.

أمل دنقل..شاعر الرفض الذي تعرّض للرفض! رأى دنقل أنه يجب أن يكون الشاعر صاحب قلمًا حرًا لا عبدًا تابعًا لحزب أو جماعة أو أيدولوجية معينة؛ فرفض الانضمام إلى الأحزاب والجماعات، فرسم له خطًا على يسار السلطة الحاكمة، مما تسبب في تعرضه لكثير من التضييق. سُئل دنقل في حوار له مع جريدة الأخبار، عن كيف يعيش كشاعر في هذا الجو من الرفض، فكل مُعارض مرفوض، فأجاب الجنوبي: "أعتبر أن الشاعر يجب أن يكون في موقف المعارضة، حتى لو تحققت كل القيم التي يحلم بها، لأن الشِعر هو حلم بمستقبل أجمل، والواقع لا يكون جميلًا إلا في عيون السذج". وكانت لمواقف "سبارتاكوس الصعيد" أثرًا سلبيًا كبيرًا عليه، جعلته يدفع الثمن باهظًا وأصدقاؤه؛ فرفضت جريدة الأهرام نشر قصيدة له، بعد أن أخذها الشاعر فاروق جويدة من أمل لنشرها،ورغم محاولات مستميتة "جويدة". وعندما أُذيعت القصيدة بالتلفزيون المصري، اقتطعت الرقابة أجزاءًا اعتبرتها مناهضة للسياسة العامة، وهي.. للحفافيش أسماؤها التي تتسمى بها فلمن تتسمى إذا انتسب النور! والنور لا ينتمي الآن للشمس فالشمس هالاتها تتحلق فوق العقالات هل طلع البدر من يثرب أم من الأحمدي وبانت سعاد تراها تبين من البردة النبوية أم من قلنسوة الكاهنين الخزر؟ مع اندلاع أحداث مظاهرات الحركة الطلابية في القاهرة، تحول دنقل إلى من مجرد شاعر، إلى ملهم لثورة الطلاب، بعد كتابته قصيدته الشهيرة "الكعكة الحجرية" التي كانت بمثابة إعلان حرب على الرئيس السادات، والتي نُشرت للمرة الأولى في مجلة "سنابل" التي أصدرها الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر (من أبرز شعراء الستينيات) في محافظة كفر الشيخ؛ فأدى هذا النشر إلى إغلاق المجلة،وكانت أبياتها.. أيها الواقفون على حافة المذبحة أشهروا الأسلحة سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة والدم انساب فوق الوشاح المنازل أضرحة والزنازن أضرحة والمدى أضرحة فارفعوا الأسلحة واتبعوني أنا ندم الغد والبارحة رايتي عظمتان وجمجمة وشعاري: الصباح. وجاءت الشعرة التي قصمت ظهر البعير وهي قصيدة "لا تصالح" التي أعلن فيها "سبارتاكوس" رفضه الصلح مع الكِيان الصهيوني، فأحدث صدًا عربيًا كبيرًا وبات الشعب العربي يستخدمها إلى الآن في كل المواقف التي يتعرض لها، وتقول.. لا تصالح..ولو منحوك الذهب أتُرى حين أفقأ عينك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى؟ هي أشياء لا تُشترى. صدرت للأديب ست مجموعات شعرية: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، بيروت 1969. تعليق على ماحدث، بيروت 1971. مقتل القمر، بيروت 1974. العهد الآتي، بيروت 1975. أقوال جديدة عن حرب بسوس، القاهرة 1983. أوراق الغرفة 8، القاهرة 1983. إجازة فوق شاطئ البجر.

وفي عام 1983 رحل الشاعر أمل دنقل عن عالمنا في يوم السبت الموافق 21 مايو، بعد صراعٍ مع السرطان في المعهد القومي للأورام بالغرفة 8، استمر قرابة الثلاث سنوات، وكان آخر ما أراد سماعه قبل وفاته، أغنية كتبها صديقه الشاعرعبد الرحمن الأبنودي.. يا ناعسة لا لا لا لا خلصت مني القوالة والسهم إللي رماني هالكني لا محالة.