عم الابتهاج الوسط الثقافي المصري والعربي فور الإعلان عن فوز الكاتب الكبير محمد جبريل بجائزة الدولة التقديرية

مسيرة,الثقافة,محمد جبريل,جائزة الدولة التقديرية,الأديب محمد جبريل,روايات مصرية,الإسكندرية ملهمة الأدباء

الخميس 6 أغسطس 2020 - 21:18
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

محمد جبريل .. فيلسوف الرواية المسكون بالبحر 

محمد جبريل
محمد جبريل

عمّ الابتهاج الوسط الثقافي المصري والعربي فور الإعلان عن  فوز الأديب المصري الكبير محمد جبريل بجائزة الدولة التقديرية في الآداب بعد مسيرة حافلة تتميز بالثراء الأدبي والمعرفي.



البداية عند محمد جبريل جاءت في عمر الخامسة عشر حين وقف أمام مكتبة والده قائلًا: "سأصبح كاتبًا"، وهو ما تحقق بالفعل، فالكتابة عنده هي العشق يقول عنها: "لا أعرف سوى الكتابة، لكن الأدب لا يؤكِل عيشًا، لذلك صِرت صحفيًا".

محمد جبريل، روائي وقاص مصري ولد بالقليوبية و تجاوزت مؤلفاته الخمسين كتابا، بدأ حياته العملية سنة 1959م محررا بجريدة الجمهورية  ثم عمل بعد ذلك بجريدة المساء. 

تدور أحداث قصصه في غالبيتها بمدينة الأسكندرية، وفي منطقة بحري تحديدا، ويتناول الشخصيات السكندرية الشعبية في أحياء الإسكندرية المختلفة.الحنين إلى الأسكندرية 

"بحري هو نبض الكثير من أعمالي وأثق لو اسعفني العمر أنه سيكون نبضاً لأعمال أخرى تالية".

هكذا يتغنى جبريل دوماً بعشقه للبحر، حيث يردد: "أتمنى أن أظل أكتب وأكتب بينما نظراتي تتجه الى البحر"، فمن يقرأ أعماله يعرف أن البحر عنده هو الوطن والنشأة والذكريات، فكثير من رواياته البحر فيها بطلاً رئيسياً لا يمكن تجاوزه، فهو دائم القراءة عن البحر وعن الإسكندرية وأحيائها.

رواية رباعية بحري
 

 

نشأة محمد جبريل

عاش محمد جبريل سنوات عمره الأولى حتى بلغ سن العشرين، فى الإسكندرية، مدينته الساحرة التي يقول عنها: هى المكان الذى تخلَّقتْ فيه غالبية أعمالى، وبالتحديد هذه المنطقة ما بين المنشية وسراى رأس التين، والتى مارس فيها أبطال قصصى حيواتهم، حيث سكنوا البيوت، وتنقلوا فى الميادين والشوارع والأزقة، جلسوا على شاطئ الكورنيش، قضوا الأمسيات فى حدائق رأس التين، عاشوا اللحظات الهانئة والقاسية، ترقبوا النوات وعانوا تأثيراتها.

ويرى جبريل أن دافعه الأول للكتابة عن الإسكندرية هو الحنين، ربما لو أنه لم يتركها ما كتب عنها هذا الكم من الروايات والقصص القصيرة. والكتابة تقتصر تحديدا على حى بحرى، حيث البحر واليابسة والصيادين وعمال الميناء والبحارة والجوامع وأضرحة أولياء الله، وانعكاس ذلك على مظاهر الحياة اليومية، الحى الذى وُلِد فيه وتعرَّف على المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد، بيئة خلاقة كما يصفها تهِب ما لا نهاية له من الرؤى والتأملات .

منذ ستين عامًا، أى سنة 1959؛ قرر محمد جبريل الانتقال إلى القاهرة، بعد سنوات قليلة من وفاة والده، إلا أن الإسكندرية لم تغب عن خاطره يومًا، وهو ما عبَّر عنه فى كتابه "أيامى القاهرية" قائلًا: "ابتعدتُ عنها، دون أن تبرح موضعها فى داخلى..منذ غادرتُ الإسكندرية لم تغادرنى، ظلت فى داخلى بذكرياتها، وتأثيراتها، وصور الحياة بين اليابسة والبحر. حتى عندما حاولتُ التعبير عن "أيامى القاهرية" فإن صورة بحرى ظلت على إلحاحها ولم تغادر وجدانى.

تعد روايته "رباعية بحري" عمل ملحمي كبير يربو في أجزاءه الأربعة على ألف صفحة اتخذ فيه محمد جبريل من أولياء الإسكندرية في منطقة بحري عناوين لأجزائها الأربعة: أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، علي تمراز .

أما رواية "البحر أمامها" فتتحدث عن سيدة يموت زوجها فجأة وليس لها سوى ابنة متزوجة وشقة تطل على البحر، يحاول زوج الابنة أن يسطو عليها لكي تنتقل الأم وتسكن في بيت خلفي، فأصرت الأم على تمسكها بسكنها وناصرها البحر في هذا حيث أطلق النوات والرياح فعجزوا على فتح باب الشقة.

عشر سنوات قراءة

رغم أنه بدأ الكتابة فى سن مبكرة، ويعَّد من كُتَّاب الستينيات، لكنه لم ينشر قبل عام 1970، الذى شهد ميلاد مجموعته القصصية الأولى "تلك اللحظة"، لأنه قضى عشر سنوات كاملة يقرأ فقط، أو على حد تعبيره "يؤسس نفسه"، يقول عن تلك الفترة: كانت لدىَّ حالة هوس بالقراءة، أخذّتنى من كل شيء، وشغلتنى عن الاستمتاع بكثير من التجارب، حتى أننى لم أتعلَّم "العوم" رغم نشأتى الإسكندرانية.

اعتاد محمد جبريل، قبل أن يدفع إلى المطبعة بعملٍ ما، أن يعود إليه – فى أوقات متقاربة – ليراجع، ويضيف، ويحذف، متأثرًا فى ذلك بقول بلزاك إنه قد يقضى فى قراءة النص ثلاثة أيام، ثم يحذف حرفًا، ويقضى فى القراءة ثلاثة أيام تالية، قبل أن يعيد الحرف المحذوف. لكنه يؤكد: إذا صدر العمل لا أعود إليه على أى نحو. 

القارئ لكتابات جبريل سيجد جانبًا ذاتيًا فى كل عمل، أو كما يقول هو "أنا موجود فى كل أعمالى، من يقرأنى جيدًا يعرفنى جيدًا".

لكنه منذ البداية وضع إطارًا عامًا لمشروعه الأدبى حرص فيه على فلسفة الحياة التى تصبح حية على لسان شخصيات أعماله، معتمداً على الحكاية، فالحدودتة هي أساس الرواية عنده.

 آلام مزمنة 

تعرض الكاتب الكبير لخطأ طبي بعد خضوعه لعملية جراحية، تسببت فى تدهور حالة عموده الفقرى وإعاقة حركته، فلازم بيته ولم يعد يبرحه سوى نادرًا.

مع تزايد آلامه، ازداد تمسكه بالقراءة والتأمل والكتابة، ورأت كثيرمن أعماله النور فقد كانت الكتابة هي ملاذه الوحيد، ومنها كتابه "مقصدي البوح لا الشكوى" الذي يسجل فيه معاناته مع الآلام.

أهدى جبريل روايته هذه إلى زوجته د. زينب العسال التي تحملت معه مشاق الرحلة العلاجية بكل تفاصيلها، فكان يتوكأ عليها مثلما يتوكأ على عصاه، ويأخذان بعض القرارات الصعبة معا مثل ضرورة إجراء العملية، ومدى نجاحها، والتردد على الكثير من العيادات والمستشفيات ومعامل التحليل ومواعيد تناول الأدوية، واستبدال أدوية بأخرى.