واهم من يظن أن مصر تحتل مرتبة متأخرة فى قائمة الفن الرفيع وتأدب منا أن نصف هؤلاء بالواهمين فى حين يرى الم

سعاد حسني,السندريلا,يوسف شاهين,إنعام سالوسة,علي بدرخان,ذكرى سعاد حسني,صلاح أبو سيف,كمال الشيخ

الأحد 27 سبتمبر 2020 - 07:50
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
سعاد حسني

سعاد حسني.. دخلت تلميذة فى مدارس الكبار فخرجت أستاذة     

 واهم من يظن أنَّ مصر تحتل مرتبة متأخرة فى قائمة الفن الرفيع، وتأدب منا أن نصف هؤلاء بالواهمين، فى حين يرى المتحيزون لتراثنا السينمائى، أنَّ هؤلاء لديهم «عقدة الخواجة»، وكل ما هنالك أنهم بحاجة ماسة للعلاج؛ للتخلص من تلك الآفة، أو حتى علاج عضوى يتطلب تدخلاً جراحياً؛ للكشف على مدى صلاحية أعينهم للمراقبة المتفحصة لتاريخ تلك الدولة التى تحمل على أكتافها فناً عظيماً منذ قرن من الزمان.



ذلك القرن السابق بحاجة لنظرة مجردة من أى تحيز أعمى، أو انسحاق تحت أضواء الغرب اللامعة، لنتأكد أن مصر ليست نجوماً تلمع فى السماء فقط، بل ميراث ضخم، وشريط سينمائى طويل، ساهم فى صنعه مخرجون كبار، اختلفت مناهجهم فزادوا الصنعة ثراءً، وتنوعت مشاربهم، فأكسبوا الوجدان العربى عُمقاً لن يمحوه حاقد، ولن يطمسه جاهل. فهذا بارع فى الكوميديا، وذاك مؤسس للميلودراما، أما هؤلاء فغاصوا فى الفلسفى والسياسى والتاريخى والاستعراضى، وبينهم جميعاً بانت سعاد، فقلبنا اليوم متبول.

عشانك يا سعاد.. الإمام تخلى عن الميلودراما وجاهين نسى الاكتئاب

عُرِف المخرج حسن الإمام بمبدع الروائع الميلودرامية، وهو نمط فنى بدأ استخدام فى بداية القرن التاسع عشر، عندما أصبح النقاد والجمهور يميزون نوعاً مسرحياً يتمتع بعقدة حسية رومانسية وحوادث ممزوجة بالأغانى، ويعرف أيضاً بأنه تجسيد للمبالغة فى الأداء التمثيلى من خلال حوادث مثيرة، ويتم فيه الأداء بانفعالات مبالغ فيها وإظهار أشخاص داخل العمل بشكل زائد ومبالغ فيه، ودائماً يكون البطل طيباً وحسن الأخلاق، وذلك من أجل التأثير الشديد على المشاهد.

وتعد الموسيقى من أهم أدوات الميلودراما؛ حيث تستخدم كثيراً وبشكل مبالغ فيه من أجل إثارة المشاهد، ورغم أن أعمال الميلودراما تتسم بالشر، فإنَّ نهايتها دائماً تكون نهايات سعيدة.

والباحث فى أعمال المخرج حسن الإمام سيجده بارعاً فى هذا اللون الفنى العتيق، ولعل أبرز مثال على ذلك فيلمه الشهير «الخطايا»، لكن ماذا عن حسن الإمام مع سعاد حسنى؟

قدَّم حسن الإمام مع سعاد حسنى ثلاثة أفلام فقط، هى: «مال ونساء» عام 1960، و«خلى بالك من زوزو» عام 1972، و«أميرة حبى أنا» عام 1975، تلك الأفلام الثلاثة على الورق ميلودرامية بامتياز، لكن على الشريط السينمائى، أخذت تصنيفاً آخر.

باستثناء الفيلم الأول، سنجد الفيلمين الأخيرين، يصنفان كعملين استعراضيين بامتياز، بل أصبحا أيقونة فى ذلك، وكثرت المطالبات من بعدهما حتى الآن لإنتاج أعمال مشابهة، لكنها حتى الآن تظل فى خانة الأمنيات التى لم تتحقق.

فى الفيلمين «خلى بالك من زوزو»، و«أميرة حبى أنا» نجد أن حسن الإمام تخلى عن ميلودراميته، وصلاح جاهين ترك عزلته واكتئابه؛ سعياً وراء البهجة التى تشعها سعاد حسنى، فنال الثلاثى ما أراد واستمتعنا نحن بالدنيا الربيع، والجوع البديع، مغلقين الأبواب فى وجه كل المواضيع الجالبة للميلودراما والحزن.

صلاح أبوسيف.. فتاة الطبقة المقهورة مع ملك الواقعية

اقترن اسم المخرج صلاح أبوسيف بمصطلح الواقعية، لكن ذلك العالم الرحب، والملىء بشتى الأفلام المهمة، والتى يحجز عدد كبير منها مقاعده فى قائمة الأفضل عبر التاريخ، لم يكن لسعاد حسنى فيها سوى أربعة أفلام فقط، وهى: «البنات والصيف» فى مطلع الستينيات، بالاشتراك مع عزالدين ذوالفقار، و«القاهرة 30» عام 1966، و«الزوجة الثانية» عام 1967، وأخيراً تجربة حربية لم يرها إلا قطاع قليل من الجمهور بعنوان «القادسية»، عام 1981.

عام 1966، كانت سعاد حسنى ابنة الثلاثة والعشرين عاماً، تقف أمام كاميرا صلاح أبوسيف، تجسد شخصية إحسان، التى بالطبع قرأت كل ما يخص الشخصية فى الرواية التى صاغها بإحكام بديع نجيب محفوظ فى رائعته «القاهرة الجديدة»، قبل أن يتغير اسمها، وتصبح علامة من علامات الفن السابع بعنوان «القاهرة 30».

تمر إحسان بمراحل ثلاث فاصلة فى حياتها الإنسانية ككل، الأولى هى تلك الفتاة الرقيقة الوديعة التى تحب الشاب (على طه)، ذلك الثائر الحالم بوطن أفضل، لا يحكمه ملك غاشم، ولا وزارات متعاقبة لا يهمها المواطن الفقير، فتنتهى العلاقة بفراق على أثر المادة التى كادت أن تودى بحياة أسرتها، لتدخل بعدها فى مرحلة ثانية، وهى حياة الثراء، لكن متجردة من كل براءة أو شرف، ثم تحاول فى المرحلة الأخيرة أن تتوافق مع تلك الحياة الملعونة، لكن ستخسر كل شىء برفقة طامع آخر، وهو محجوب عبدالدايم (حمدى أحمد).

إن كانت سعاد حسنى مغلوبة على أمرها فى «القاهرة 30»، فستجدها شابة فلاحة عتية، عصية على الترويض، رغم قبول الزواج الصورى من العمدة الغاصب، لكن هيهات أن يظفر بها، وكأنها إعلان لثورة فى البلد، برفقة زوجها أبوالعلا (شكرى سرحان).

كمال الشيخ.. السندريلا أمام كاميرا «هيتشكوك»

قدر المخرج الكبير كمال الشيخ، ألا يعيش تحت أضواء النجومية التى حفل بها مخرجون آخرون، لكن أعماله الخالدة تصرخ من هول عبقريته التى لم تمر دون أن تأخذ بعضاً من رحيق أخت القمر سعاد حسنى، فأضافت لأعماله الحس الذى يسعى نحوه، وأضاف لها عبقرية «هيتشكوك» المصرى. فيلمان فقط تعاونت فيهما سعاد حسنى مع كمال الشيخ، الأول كان عام 1969 وهو «بئر الحرمان» عن قصة الأديب إحسان عبدالقدوس، وهى تجربة تثبت مدى المغامرة التى تتمتع بها السندريلا، فتجسيدها شخصية ناهد المصابة بمرض ازدواج الشخصية، ففى النهار تعيش بشخصيتها وفى الليل هى ميرفت الفتاة اللعوب، يعالجها طبيب نفسى، ويكتشف أن مرضها نتيجة عقدة نفسية منذ طفولتها، إذ يكتشف الأب خيانة الأم فيعاملها بجفاء ولا يقربها وتعيش فى حرمان عاطفى، يترسب ذلك فى أعماق ناهد. أما الفيلم الثانى فكان بعد عام واحد فقط، وهو «غروب وشروق»، وفيه استغل كمال الشيخ مدى الأنوثة الطاغية التى تتمتع بها سعاد حسنى فى تلك السن المبكرة، فى ثلثى الفيلم، حتى نجدها وكأنها شخصية أخرى فى الثلث الأخير، عندما تعلم مدى عبث حياتها السابقة، وكم الفساد السياسى الذى يعيش فيه والدها (محمود المليجى)، ثم تشرق حياتها من جديد.

على بدرخان.. دعَمت بداياته وكاميرته أنهت مسيرتها برقة

علاقة سعاد حسنى بالمخرج على بدرخان من كثرة ما قيل بشأنها فيما يخص زواجهما كادت أن تقضى على الميراث الفنى الهائل الذى تركاه، لكن حفظ الله الشريط السينمائى الذى لا ينسى الروائع، فقصة الحب الفنى أعمق بمراحل من الحب والزواج خارجه؛ لأن الأول نهايته خلود، والثانى نهايته فى الغالب طلاق.

لم يقف الانفصال عائقاً أمام إتمام تلك الحالة من التوأمة الفنية بين سعاد حسنى، وعلى بدرخان، فالعلاقة التى بدأت فى مستهل سبعينيات القرن الماضى، منذ عمله معها مساعد مخرج، مروراً ببطولتها لأول أعماله كمخرج، انتهاء بكون آخر أعمالها على الشاشة كانت من خلال كادراته.

الحكاية بدأت عام 1973، عندما حانت الفرصة ليكون على بدرخان مخرجاً، يعتلى اسمه الأفيش، وقتها لم يجد بطلة أهم من حبيبته لتكون مساندة له، فقدما لنا فيلم «الحب الذى كان» مع محمود ياسين، ثم أتبعها بالتجربة التى ما زالت تثير الجدل حتى وقتنا هذا، وهى فيلم «الكرنك»، فمن راوية لنجيب محفوظ إلى عمل بديع على الشاشة، يحمل كل أحلام على بدرخان السياسية عام 1975.

وفى عام 1978 حقق على بدرخان لسعاد حسنى المعادلة التى تعشقها، تغنى وتبرز إمكاناتها الكامنة كمطربة، جنباً إلى جانب الإبداع فى الأداء التمثيلى، وهو ما حدث فى فيلم «شفيقة ومتولى» برفقة الأب الروحى لأخت القمر الشاعر والسيناريست صلاح جاهين.

تحل الثمانينيات وما بها من تغيرات كبيرة طرأت على السينما المصرية، لكن هذا لم يمنع سعاد حسنى من إكمال مشروعاتها الكبيرة كنجمة ذات طموح، ولم يهد من عزيمة مخرج ثورى مثل على بدرخان، فقدما «أهل القمة»، ثم تجربة أخرى لم تأخذ حقها فى التقييم، وهى «الجوع» فى استعادة بديعة لملحة الحرافيش لأديب نوبل نجيب محفوظ، أمام محمود عبدالعزيز، وعبدالعزيز مخيون.

وفى مطلع التسعينيات، كانت سعاد فى حالة مرضية شديدة، وإرهاصات غياب شمسها الساطعة، فما كان منها إلا أن تترك السينما بعد تقديم آخر هداياها «الراعى والنساء» فى واحدة من أندر الأفلام المصرية فى ذلك اللون السينمائى، وأكثرها رهافة. 

 شاهين وخان وعرفة.. السندريلا تقطف من كل بستان زهرة

كنا سنخسر كثيراً إن لم تحتضن كاميرا يوسف شاهين توهج جسد وعقل وروح سعاد حسنى، حتى وإن تم ذلك فى فيلم وحيد، وهو «الاختيار»، لكنه كزهرة بلون خاص وسط بستان بديع.

نحن الآن أمام زوجة تدعى شريفة، تعيش فى كنف كاتب كبير له اسمه وسمعته، لكن ماضيه يقتله من الداخل، فما بين شك فى زوجته، وما بين غيرة مشتعلة فى قلبه من ناحية أخيه التوأم، كل هذا والزوجة سعاد حسنى تتنقل بين كل تلك المشاعر بانسيابية تدعوك للتعاطف معها. فمن يعيش حياة كهذه يشعر بقرب الأجل، مهما كانت معيشته تنعم بكل أنواع الرفاهية.

من خلال سيناريو كتبه نجيب محفوظ للسينما مباشرة فى واحدة من نوادره، نجد سعاد حسنى أخرى فى عالم يوسف شاهين، وأمام أبطال جيل جديد فى مطلع السبعينيات مثل عزت العلايلى، وسيف عبدالرحمن، اللذين سنجدهما لاحقاً فى أكثر من عمل لشاهين.

وكما كانت تجربة سعاد حسنى وحيدة ولم تتكرر فى عالم يوسف شاهين، كان الحال كذلك مع أحد أبرز نجوم الواقعية الجديدة محمد خان، فى فيلم حجز مقعده مبكراً فى قائمة الأفضل فى تاريخ السينما وهو «موعد على العشاء». هنا وجدنا سعاد أخرى، ذات قلب يصرخ من الألم؛ ندماً على سوء الاختيار، وبقايا روح تتمنى بدء حياة جديدة مع رجل آخر.

كثيراً ما يحكى النقاد الفنيون بحب بالغ عن ثنائية السينماريست قليل الذكر والاحتفاء ماهر عواد، والمخرج شريف عرفة؛ لأنها كانت من التجارب الناضجة، والتى تحمل قدراً من المغامرة نفتقده كثيراً، وكأن سعاد كتب لها دائماً أن تشهد كل التجارب الجديدة، فوجدناها تهل كطيف جميل على عوالم المخرج شريف عرفة بفيلم «الدرجة الثالثة»، ثم بمرور الوقت يصبح شريف عرفة إحدى علامات السينما المصرية.