واحدة من جماليات فن السينما فى مصر هو حالة التجانس أو الاستقاء من نبع الأدب العربى فى عصر كان يزخر بكبار الك

السندريلا,إحسان عبد القدوس,سعاد حسني والأدب

الأحد 20 سبتمبر 2020 - 23:47
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
سعاد حسني

سعاد حسني.. فتاة أحلام فى 10 روايات

واحدة من جماليات فن السينما فى مصر، هو حالة التجانس أو الاستقاء من نبع الأدب العربى، فى عصر كان يزخر بكبار الكتاب، ففى الوقت الذى شقت فيه سعاد حسنى طريقها فى الوسط، كانت مصر تصدر بشكل دورى عشرات الروايات المهمة لأسماء تعد الآن من كلاسيكيات الفن الروائى والقصصى.



وكان من الطبيعى لممثلة عُرِف عنها الدأب والشغف نحو الاطلاع على كل ما هو جديد، والسعى نحو الكمال الفنى من خلال قراءة الكتب فى شتى المجالات، حتى تعزز من قيمة مشوارها الفنى، لتخرج من بوتقة الفتاة الجميلة إلى براح النجمة ذات الأفق المتسع، والتوهج والإشعاع على الشاشة.

تعقيدات المرأة وتقلباتها فى سطور إحسان عبدالقدوس

شهدت السينما المصرية فى فترة تألقها فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى حالة من التوهج لأديب المرأة إحسان عبدالقدوس، وعمل على تجسيدها نجمات كبيرات، من بينهن بالطبع سعاد حسنى، التى كان لها مذاقها الخاص، رغم قلة التعاون، ففى هذا التاريخ الطويل لكليهما، لم تجتمع سطور عبدالقدوس على لسان السندريلا سوى فى ثلاثة أفلام فقط.

البداية كانت عام 1960، حين أخذ مخرج الواقعية صلاح أبوسيف، على عاتقه تحويل رواية «البنات والصيف» برفقة المخرج عزالدين ذوالفقار إلى عمل سينمائى، حشدا من خلاله كل عوامل الجذب السينمائى آنذاك، بداية من العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وعدد من النجمات إلى جانب سعاد حسنى، أبرزهن زيزى البدراوى.

وبعد مرور تسع سنوات على تجربة «البنات والصيف»، كانت سعاد حسنى على وعد بلقاء جديد مع سطور إحسان عبدالقدوس، من خلال روايته «بئر الحرمان»، وعبر شخصية فى غاية التعقيد، من خلال معالجة درامية أعدها يوسف فرنسيس، وأخرجها باقتدار على الشاشة كمال الشيخ.

ثم تنتهى العلاقة الرابطة بين أدب إحسان، وإحساس وتجسيد سعاد عام 1974، من خلال اقتباس رواية «حالة الدكتور حسن» لفيلم من علامات السينما المصرية، بعنوان «أين عقلى»، للمخرج عاطف سالم.

من «الطريق» لـ«الجوع».. رحلة الفلسفة مع نجيب محفوظ

من جماليات القدر، أنَّ التقى أدب وسحر نجيب محفوظ بعمق المشاعر والوهج فى الأداء لدى سعاد حسنى، حتى لو بدأت هذه الرابطة بدور صغير فى رواية «الطريق»، التى تمت معالجتها فى فيلم سينمائى يحمل الاسم ذاته، للمخرج حسام الدين مصطفى، لكن رغم قلة مساحة دور سعاد فى «الطريق»، فأهمية الشخصية على الورق، تؤكد وجهة نظرها فى مسيرتها، وهى تقديم ما ترضى عنه وينال إعجاب جمهورها.

وفى عام 1966 كان اسم نجيب محفوظ ملء السمع والبصر، بعد نجاح ساحق حققته روايته «القاهرة الجديدة»، فما كان من المخرج صلاح أبوسيف، إلا أن أتى ببطلة تحمل كل مواصفات نجيب فى روايته، ومن تكون غير سعاد حسنى.

مرت الأيام بحلوها ومرها على سعاد حسنى، وحملت تجربتها كل عوامل النضج، وتحمل جسدها كل ويلات المرض، لكنها لم تمر دون نهاية جميلة مع سطور نجيب محفوظ فى واحدة من روائعه فى ملحمة الحرافيش، عندما اقتبسها المخرج على بدرخان فى فيلم «الجوع».

تجارب وحيدة تسمن وتغنى من كل جوع

هناك عدد ليس بالقليل من كبار كتابنا لم تحفل السينما المصرية بما لديهم من روايات بديعة، لكن من حسن الحظ، أنَّ سعاد حسنى من القليلات اللاتى جسدن الشخصيات الثرية فى أعمال هؤلاء.

وليس بالغريب أن نجد أن ندرة أعمال الكاتب محمد عبدالحليم عبدالله، تؤكد أنه كاتب بديع، ولعل أبرز مثال على ذلك ما وجدناه فى رائعته مع سعاد حسنى فى «غصن الزيتون» عام 1962 للمخرج السيد بدير، وفيه كانت السندريلا فى قمة تألقها، رغم تمحور العمل حول شخصية البطل الرجل/ أحمد مظهر، فإن كل مشاهدها كانت فى غاية النضج، وهو ما فتح معها طرقاً أكثر عمقاً لاحقاً.

تلك التجربة الفريدة نادرة التكرار، حدثت مع الأديبين الشهيرين يوسف السباعى، وتوفيق الحكيم، الأول فى فيلم «نادية» عن رواية تحمل الاسم ذاته، والثانى ظهرت سعاد حسنى ضيفة شرف فى فيلم «عصفور الشرق»، عن الرواية ذاتها، وذلك أمام الراحل نور الشريف.

وللمفارقة فى هذا الجزء الخاص بالأعمال الفريدة ولم تتكرر، أن فوجئنا بسعاد حسنى تجسد إحدى بطلى عمل عميد الأدب العربى طه حسين، وهو «الحب الضائع»، وقتها كانت سعاد حسنى فى قمة ألقها، ومع مخرج يعد بأنه أهم من تعاون مع نصوص طه حسين، وهو المخرج الراحل هنرى بركات.

قصة قصيرة.. أكونت سعاد

عانيت كثيراً فى البحث عن حذائى ــ الموجود أسفل سريرى ــ فلم أجده. ظننت فى البداية أن ذلك بسبب الظلام، وتيّقنت بعد فترة أن السبب فى الدوار الذى أصاب رأسى منذ يومين جرّاء قّلة النوم.

تقّلبَت رأسى ذات اليمين وذات اليسار، وقمت متكاسلاً من الفراش متجهاً صوب الحاسوب؛ لتدوين (بوست) عن المرأة التى جذبت النوم من عينى. ضغطت زر التشغيل وفى عينى «غشلقة» لا تمحوها «سكينة معجون».

انتظرت كثيراً صوت الـ Windows، إيذاناً بأنه ها قد فتح، وكعادة المصرى الأصيل، لم يخل الأمر من بعض «الريفريشات» التى طالت هذه المرة، لأكتشف بعد مدة أننى كنت «أرفرش» اللا شىء، فهربت من ثغرى ابتسامة تخفى ضحكة ساخرة من حالى المزرى.

على كل حال فتحت صفحة جوجل ومن ثَم «فيسبوك»، وحمدت الله أن المِيل لا يزال مكتوباً فى الخانة المحددة له، وأننى الآن أمام مهمة بسيطة، وهى كتابة رقمى السرى.

«ما الذى يجبرك على كل هذا العناء».

قلت لنفسى.

لكن لا يهم؛ أشعلت سيجارة كى تعيد بناء ما تهدم من جدران عقلى المتهالكة، ليخرج الدخان محملاً بأول جُمل المنشور المزمع كتابته: «لو كانت سعاد حسنى بيننا الآن...". فجأة باغتنى إشعار بطلب الصداقة، يأخذنى فضولى نحوه، لأجد حساباً باسم سعاد حسنى، وصورته الشخصية عبارة عن قمر مضىء يتوسط سماء معتمة، لم أشعر بسيجارتى وقد استحالت رماداً سقط أغلبه على بنطالى.

مرت ثوانٍ، اكتملت الإثارة، حين تلقيت رسالة من ذات الحساب:

- لقيتك اتأخرت فى قبول الطلب، قلت أكلِّمك أفضل.

- مين حضرتِك؟

- أنا اللى كنت بتكتب بوست عنها دلوقتى!

- هو مش حضرتِك الله يرحمِك دلوقتى، أقصد يعنى...

- مقاطعة: هههههههههه.

على الفور تذكرت ضحكتها الشهيرة فى أغنية «الدنيا ربيع»، وأخذت أُنغّم الضحكة المكتوبة على وقع الضحكة التى ترنُّ فى أذنى. جذبَتنى ثانية من هذا الشرود الطفولى:

- لسة بتبكى كل ما بتيجى سيرتى قدامك؟!

- أصل أنا بحبك أوى.

- عارفة.

- وعارفة إيه كمان؟!

- عارفة إنك صحيت مخصوص دلوقتى عشان تكتب بوست عنى.. بس على فكرة، أنا اللى صحيتك وكنت عايزة أطلب منك طلب.

- أؤمرى يا أستاذة سعاد.

- قوّلى يا زوزو أحسن.

- أؤمرينى يا زوزو.

أرسلت «إيموشن» ابتسامة، ثم تابعت:

- يا ريت تغير الجملة اللى بدأت بيها البوست.. سلام دلوقتى.

قرأت جملتها أكثر من مرة، حتى أفهم ما تعنيه، لدرجة أنى نسيت أن أستعطفها لتمهلنى فى الحديث معها لبعض الوقت!

أخذتنى يُمناى نحو المنشور، لأبدّل ما كُتِب بـ«ابحثوا عن سعاد بداخلكم. هى موجودة دون شك».

بعد فترة من تقلب رأسى، مرة ذات اليمين، وأخرى ذات الشمال، وجدت حذائى؛ وبنصف عين ألقيت نظرة على الحاسوب فوجدته مغلقاً. صِحت وأردد كالثمل: «ابحثوا عن سعاد بداخلكم. هى موجودة دون شك».