فتاة فى السادسة عشرة من عمرها تدعى سعاد حسنى تتمتع بجمال هادئ وتطمح أن تكون نجمة يشار إليها بالبنان فتتحس

سعاد حسني,السندريلا,وفاة سعاد حسني,أفلام سعاد حسني

الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 - 17:12
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
سعاد حسني

رحلة البحث المبكر عن الكمال الفنى

سعاد حسني...  رمش عينها اللى جرحنا نَضَج قبل الثلاثين

سعاد حسني
سعاد حسني

 

«دايماً بدور على اللحظة اللى أشعر إنى أكون فيها جديدة. أنا مثلاً مثلت أفلام قبل كده بطريقة معينة، دى كانت فى وقتها، مش معقولة أمثلها بنفس الطريقة تانى، لازم تكون فيه حاجة زادت على، وتكون كبيرة ومهمة، هو ده اللى ببحث عنه، هو ده اللى على طول كان شاغلنى، إننى أكون عندى تمرد، إننى أطلع بحاجة تتولد فى قلبى، وتبقى دافع، فأنا كده لما كنت أبص على شغلى ما كنتش ببقى راضية، وعايزة أبقى فى حالة توهج جديدة. مش مسألة دور، أو مناخ، دايماً بدور على توهج داخلى، يدفعك لأنك تتجددى من تلقاء نفسك، هو ده اللى بفكر فيه، وبقرأ فيه».



 

كل حرف مما سبق يدل على أمرين مهمين يؤكدان النضج المبكر لسعاد حسنى، أولهما البحث الدائم عن التجديد، وثانيهما التواضع، بأن ينظر المبدع لما قدمه بعين الناقد، الباحث عن الكمال، وليس بعين المحب لكل ما يُنتجه، وهو ما أكدته أخت القمر مراراً وتكراراً فى آخر لقاء تليفزيونى لها، مع الإعلامية سلمى الشماع، عقب نجاح آخر أفلامها السينمائية «الراعى والنساء».

المفارقة المهمة فى كل تلك الشهرة الآسرة، والاستئثار بقلب كل مشاهد عربى، واعتبار سعاد حسنى فتاة أحلام كل الأجيال، أنَّ تاريخها الفنى بأكمله يحفل بواحد وتسعين عملاً فنياً فقط، وهو ما يؤكد ما قالته فى لقائها الأخير، حين سألتها سلمى الشماع: هل تبحث السندريلا عن الكمال؟ فكانت إجابتها: الكمال لله وحده، لكنى أبحث أن يكون كل ما أقدمه مُرضياً لى وللجمهور.

ذلك النضج، والتفكير الواعى، لم يأتِ متأخراً كعادة أى فنان يبدأ مسيرته بعشرات الأعمال ذات القيمة المتواضعة، بحجة الانتشار، ثم يتبعها بمرحلة توهج فى منتصف العمر، أو فى آخره أحياناً، لكن سعاد حسنى ـ بالأرقام وبالشواهد ــ من القليلات اللاتى نضجن حتى قبل أن تتم الثلاثين من عمرها، وما بعدها بقليل.

بالنظر لأول عشرين عاماً من عمر سعاد حسنى الفنى، نجدها قدمت للشاشة الكبيرة 74 فيلماً، بما يعنى ثلثى تاريخها الفنى كله، والذى يضم 91 عملاً فنياً، فى وقت لم يتجاوز عمرها اثنين وثلاثين عاماً فقط، وبعدها بدأت سعاد مرحلة فنية أخرى تماماً، وكأنها فنانة مغايرة عن السابقة، وهى المرحلة التى شهدت تعاونها مع أحد ممثلى جيل ما يعرف بمخرجى الواقعية الجديدة، وهو محمد خان فى «موعد على العشاء».

تلك الأربعة وسبعون فيلماً تحمل علامات فى تاريخ السينما ككل، وليس تاريخ سعاد فقط، وأهم ما يميز هذه الأفلام، هو تنوعها من حيث الجماهيرية والمستوى الفنى، وخوض تجارب أشبه بالمغامرات الفنية.

 

من «السفيرة عزيزة» لـ«الكرنك».. ذكاء العقل يسبق جمال الشكل

تخيل أن تلك الفتاة متفجرة الأنوثة، التى تسير فى الحارة فتقف نساؤها قبل رجالها على قدم وساق، ويمعن الجميع فى وقع خطواتها، ويتهامسون: عزيزة راحت، عزيزة جاءت، فى فيلم «السفيرة عزيزة» كان عمرها وقتها ثمانية عشر عاماً فقط.

لم يتوقف دور سعاد حسنى فى فيلم «السفيرة عزيزة» الصادر عام 1961، على الجمال المتوقد، ولا الأنوثة الطاغية فقط، بل برز فيه قوة الأداء التمثيلى لتلك الفتاة الصاعدة بسرعة الصاروخ، والتمكن من الوقوف أمام ممثل بقدر وإمكانات الفنان الراحل عدلى كاسب، وشكرى سرحان، ووداد حمدى.

بعد عام واحد فقط، وأيضاً لم تكن أكملت العشرين من عمرها، ستجدها فى تجربة من نوع آخر، فى فيلم «غصن الزيتون»، ودور يحمل الكثير من المشاعر، التى لو تركت على سجيتها دون انضباط ستتحول الشخصية إلى زوجة خائنة، حين جسدت شخصية زوجة لرجل (أحمد مظهر) يحمل الكثير من الشك فى رأسه، ويظن أن امرأته تخونه مع صديقه (عمر الحريرى)، من خلال قصة صاغها برهافة حس بليغة الأديب محمد عبدالله، وأخرجها السيد بدير.

وحين أتمت العشرين من عمرها، كانت تخطو ثانى تجاربها فى عالم الأعمال المقتبسة من الأدب المصرى، هذه المرة كانت من خلال كتابات نجيب محفوظ، فى واحدة من أكثر رواياته فلسفة، وسبراً لأغوار النفس البشرية، وهى «الطريق» للمخرج حسام الدين مصطفى.

تنسب بطولته لشادية، ورشدى أباظة، لكنَّ دور سعاد حسنى كان محورياً ولا يقل أهمية، كونه يمثل طريق الهداية للبطل الباحث عن الله، وهو ما يستشفه أى متعمق فى أدب نجيب محفوظ، لذلك اختار أديب نوبل لتلك الشخصية اسم «إلهام».

 

مرة أخرى مع أديب نوبل، تعود سعاد حسنى لتجسيد إحدى روائع السينما العربية، وهى فيلم «القاهرة 30» مع مخرج الواقعية صلاح أبوسيف، وقتها كان عمرها ثلاثة وعشرين عاماً فقط، ورغم هذه السن الصغيرة، تجدها على دراية تامة بمدى عمق الشخصية التى تجسدها، وكأنها توقن أنها ترمز لمصر ممثلة فى «إحسان»، تلك الفتاة التى وقعت فى غرام الشاب الثورى الحالم على طه (عبد العزيز مكيوى)، لكن فقر حاله يحول دون إتمام تلك الحياة المثالية المتخيلة، لتنخرط رغماً عنها، وتحت وطأة الفقر، فى براثن مجتمع الطبقة الحاكمة فى ثلاثينيات القرن الماضى، وما بها من فُحش تعريه بعينيها اللتين كانتا بريئتين فى الماضى.

وفى عام 1967 لم تكن سعاد قد أكملت عامها الرابع والعشرين، لنجدها تجسد شخصية «فاطمة» فى فيلم «الزوجة الثانية»، للمخرج صلاح أبوسيف، وهى الشخصية التى أصبحت لا تفارقها، لدرجة جعلت من أى محاولة لاستعادتها فى ممثلة أخرى ضرباً من ضروب العبث، لذلك قامت الدنيا ولم تقعد على الفنانة آيتن عامر عندما جسدتها فى مسلسل تليفزيونى يحمل الاسم ذاته.

وقبل أن تتم الثلاثين، أيضاً، كانت تتنقل كالفراشة بين مدارس إخراجية متنوعة وتجيد فى كل منها، فنجدها مع كمال الشيخ بارعة فى فيلم «غروب وشروق»، وبعدها بأشهر قليلة مع سعيد مرزوق فى «زوجتى والكلب»، لتنهى عام 1971، بتجربة وحيدة وخالدة مع يوسف شاهين فى «الاختيار»، وكلها أدوار تمتاز بعمق المشاعر، وتناقضها أحياناً.

تعود سعاد حسنى بعدما تجاوزت الثلاثين بعامين فقط، للعمل على نص أدبى كتبه نجيب محفوظ، وهو «الكرنك»، ووصلت خلاله لذروة نضجها الفنى، فى فترة قدمت فيها عملاً لا يقل أهمية، وهو «شفيقة متولى»، كل ذلك كان قبل نهاية السبعينيات، وهى على مشارف الثلاثين.

 

سعاد صاحبة أطول فيلم يستمر فى دور العرض السينمائى

لم تسلم السينما المصرية من النقد فى كل مراحلها، لكن الغريب أن النقد قد يأتى متعارضاً، ويدعو للاستغراب، ولعل أقرب مثال على ذلك، هو المطالبات المتعددة منذ أربعين عاماً بإعداد أفلام استعراضية، فى المقابل، نرى البعض يهاجم هذه النوعية من الأفلام!

قديماً، وتحديداً فى ستينيات القرن الماضى، فعلتها سعاد حسنى، بفيلمها الذى لن ينسى «صغيرة على الحب»، قدمت خلاله كل شىء؛ دراما، وغناء، واستعراض، وكوميديا، وإلى الآن يعد المرجع لكل من أراد تقديم فيلم متكامل العناصر الجاذبة، لكن أين من يريد؟

كثيرون يعتبرون فيلم «خلى بالك من زوزو» سقطة فى تاريخ كاتبه الراحل صلاح جاهين، لكن هذا على المستوى الفنى، أين لغة الأرقام التى صدعوا رؤوسنا بها؟

بالأرقام، الفيلم ظل موجوداً بدور العرض السينمائى لمدة أربعة وخمسين أسبوعاً، بما يعنى عاماً كاملاً وأسبوعين، متخطياً بذلك فيلم العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ «أبى فوق الشجرة» الذى ظل اثنين وخمسين أسبوعاً.

تلك المدة الطويلة لعرض فيلم فى الأسواق لم يشهدها فيلم آخر، وهو دليل كامل على النجاح الأسطورى على مدار نصف القرن الماضى، بل يستطيع أى مطلع على السينما العربية والعالمية أن يؤكد، أن تلك الظاهرة لن تتكرر.

لم تمر سوى ثلاث سنوات على هذا النجاح الكاسح، حتى تستعيد سعاد عافيتها مرة أخرى، بفيلم لا يقل جماهيرية، وهو «أميرة حبى أنا»، وكأنه استثمار للنجاح، فى العام نفسه الذى قدمت فيه فيلماً بالتقييم النقدى من علامات السينما، وكأنها توازن بين الفنى والجماهيرى، ونؤكد مرة أخرى أن كل تلك النجاحات وهى على مشارف الثلاثين من عمرها (32 عاماً).