منذ مجيئها للدنيا فى 26 يناير عام 1943 كان المواطنون فى الوطن العربى على موعد مع السعادة والشقاوة والفرفشة

سعاد حسني,السندريلا,ذكرى سعاد حسني,السندريلا سعاد حسنى

الخميس 24 سبتمبر 2020 - 10:14
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
سعاد حسني

من حى بولاق إلى ماسبيرو.. طفولة سعاد حسنى التعيسة

سعاد حسني في السفيرة عزيزة
سعاد حسني في السفيرة عزيزة

 

منذ مجيئها للدنيا فى 26 يناير عام 1943، كان المواطنون فى الوطن العربى على موعد مع السعادة، والشقاوة، والفرفشة، والضحكة الحلوة.. اسم الشهرة سعاد حسني ..لكن في الأصل هي سعاد محمد حسنى البابا، ابنه الخطاط الذى ينتمى إلى العائلة البابانية، التى عاشت فى دمشق فى فترة الحكم العثمانى، واضطر جدها حسنى البابا، المطرب السورى، لترك المدينة الدمشقية ليأتى إلى قاهرة المعز فى عام 1912 مصطحباً أسرته، ليستقروا جميعاً بعد أن ضاقت بهم الدنيا هناك.



محمد حسنى البابا، الذى اشتهر بمهاراته فى الخط العربى، إذ عمل فى القصر الملكى، بعدها تولى إدارة مدرسة الخطوط الملكية بالعباسية بتكليف من الملك فاروق، وتزوج من جوهرة محمد حسن صفور من عائلة صفور بحمص بسوريا والدة سعاد، والتى تشبهها إلى حد كبير، وأنجبت والدتها 16 أخاً وأختاً؛ بسبب انفصال والديها وهى فى الخامسة من عمرها، لتتزوج الأم من مفتش التربية والتعليم، عبدالمنعم حافظ، فلها 8 إخوة لأبيها بينهم 4 ذكور و4 إناث، و6 لأمها منهم 3 ذكور و3 إناث، وشقيقتان لسعاد حسنى هما، كوثر وصباح.

 

تخلت سعاد حسني عن حبها مقابل صورة لسيدة الغناء العربى «أم كلثوم» 

ولدت السندريلا سعاد حسنى فى حى بولاق، وتعلقت بالغناء من خلال عشقها لأم كلثوم التى تربت على صوتها وهى صغيرة؛ حيث تحكى أخت القمر سعاد حسنى، عن علاقتها بالغناء فلم يكن حبى للغناء وليد الصدفة بل جاء نتيجة أن المحيطين بى من الأهل كانوا يعشقون الفن، وفى سن السادسة كنت أحفظ أغانى أم كلثوم، وأول أغنية حفظتها هى «غلبت أصالح فى روحى»، لسيدة الغناء العربى أم كلثوم، فهى من جعلتها تتعلق بالغناء وتعشقه لدرجة كبيرة، ورغم حب السندريلا للبالونات أعطتها لطفلة صغيرة من أجل الحصول على صورة أم كلثوم.

وبعد عودتها إلى البيت كما تروى سعاد حسنى، قامت أختها المطربة نجاة بتمزيق صورة أم كلثوم، وبسبب تصرف أختها نجاة قامت سعاد بغرس أظافرها فى وجه أختها، حتى سالت منها الدماء، وقام والدها حسنى البابا بضربها علقة ساخنة؛ حيث تصفها سعاد بأنها أول مرة والدها يضربها بهذه الطريقة البشعة.

ورغم سن سعاد الصغيرة التى انفصلت فيها الأم عن الأب لكنها تروى عن أبيها أنه كان يخصص لنفسه غرفة ليكتب فيها الخطوط، وفى حالة وجود الأب فى غرفته للعمل لا يصدر الأولاد أى صوت؛ حتى لا يزعجوا الأب المنهمك فى كتابة الخطوط، ولكن الطفلة الصغيرة سعاد لم تلتزم بالتعليمات، وقامت بالغناء لأم كلثوة أغنية «غلبت أصالح روحى» وما إن انتهت السندريلا من الأغنية، حتى فوجئت بوالدها أمامها لترتبك وتصاب بالذعر؛ خوفاً من ضربها علقة أخرى.

أنا سعاد أخت القمر

لكنها فوجئت بتصرف أبيها معها عندما ربت على كتفها وطلب منها أن تغنى مرة أخرى، ووعدها بدستة بالونات، فغنت له «هلت ليالى العيد»، ليقتنع الأب بموهبة ابنته الصغيرة سعاد ويصطحبها إلى الإذاعة ليقدمها إلى الإذاعى الكبير بابا شارو، لتغنى أمام الميكروفون، وتدندن «أنا سعاد أخت القمر/ بين العباد حسنى اشتهر»، وما إن انتهت من الغناء حتى أثنى عليها الإذاعى بابا شارو قائلاً لوالدها: «ابنتك ينتظرها مستقبل باهر وكبير».

 

ويضمها بابا شارو فى البرنامج الإذاعى الذى يقدم للأطفال، وفى المرة الثانية يطلب منها والدها الذهاب إلى البرنامج الإذاعى ترفض بحجة أن بابا شارو لم يأتِ لها ببالونة فى المرة السابقة، ولكن والدها يحضر لها البالونات لتذهب إلى البرنامج وتستمر فيه.

كثير من الكتاب والصحفيين الذين كتبوا عن سعاد حسنى، البعض منهم عاش قريباً منها، والبعض الآخر دوَّن عنها ما سمعه، من بين الكتاب الصحفيين الذين عاشوا بجوارها والتقوا بها وعرفوا عنها الكثير الكاتب الصحفى عبدالنور خليل، مؤرخ الفنانين، الذى ألَّف كتاباً مهماً عنها بعنوان «سعاد حسنى.. ضحية اغتالها المثقفون»، وعرف الكثير عنها ودوَّن كل ما قالته له فى كتاب؛ حيث كانت تربطهما صداقة متينة، منذ الخمسينيات حتى رحيلها المفاجئ، ليضطر أن يكتب عنها كتاباً فمعروف عنه أنه عمل صحفياً فى دار الهلال وكانت تربطه علاقة بعائلة سعاد.

بدايات سعاد حسني وانطلاقها للنجومية

يروى عن الصحفى عبدالنور خليل عن بدايات سعاد حسنى قائلاً: عقدتها أو مأساتها كانت مرتبطة بوالدها محمد حسنى البابا، الذى تربع على عرش فن الخط العربى، وكان لا ينافسه أحد سوى محمد إبراهيم كاظم، والد الكاتبة الصحفية الكبيرة صافيناز كاظم، ورغم ما حظى به والدها فإنه كان مزواجاً كثير الطلاق، بالإضافة إلى كثرة الأطفال بطريقة مرعبة، وكان يترك الأولاد تهيم بهم الحياة، ولم يكن يحرص على تعليم أولاده الصغار فى المدارس، أو حتى مبادئ القراءة والكتابة وليس من بين أولاده الذين جاءوا من صلبه من التحق بالمدارس من أجل التعليم، بل علموا أنفسهم بأيديهم فى ظروف شاقة جداً، وكان كل هذا سبباً رئيسياً فى عقدة سعاد حسنى التى سوف تعيش معها طيلة حياتها، وتسبب لها مشكلة كبيرة عندما تكبر وتريد الالتحاق بالتمثيل.

 

وأولاد وبنات حسنى البابا كانوا جميعاً فنانين بالفطرة؛ حيث إنَّ المطربة نجاة كان لها شأن كبير بين الأطفال، وكانت تغنى دائماً فى بيت أبيها، وذات مرة سمعها شقيقها عز الدين، فوجدها لا تخرج عن اللحن الذى تشدو به، وكان عز الدين من الأطفال غير الأشقاء لسعاد حسنى؛ حيث التحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية، وأصبح ملحناً معروفاً، إلى جانب سامى محمد حسنى البابا، وكان يجيد العزف على الكمان والرق، ومعه فاروق يعزف على القانون والعود ويجيد الرسم، ومعهما سميرة تجيد العزف على القانون والعود والكمنجة، وبسبب هؤلاء جميعاً وبقيادة عز كونوا أول تخت للمطربة نجاة الصغيرة، التى أصرت هى الأخرى على أن تعلم نفسها.

وفقدت سعاد حسنى حنان الأب وحضنه فى سن مبكرة جداً، فهو للأسف حاضر بجسده فقط، أما روحه فلا وجود لها فى حياتها، وفقدانها له كان سبباً كبيراً فى دوامات الحزن القاسى الذى لازمها طيلة حياتها، رغم الانطلاق والمرح والدلع التى صاحبت سعاد طيلة حياتها، فقد كانت تعوض غياب الأب بالرمى فى حضن السعادة، وكأنها لم تعرف البؤس يوماً ما.

وفى سن السادسة، حصلت أم سعاد حسنى على الطلاق، للزواج عبدالمنعم حافظ من ناظر مدرسة ابتدائية، الذى كان عاشقاً للفن وحريصاً على حضور محاضرات فى التذوق الموسيقى، وتأخذ الأم بنتها سعاد مع أولادها لتضمهم معها فى زواجها الثانى، ورغم إنجابها الأولاد من الزوج الأول حسنى البابا، لكنها أنجبت مرة أخرى من زوجها عبدالمنعم حافظ، وراحت تلد كل عام مولوداً، ليصلوا إلى سبعة عشر ولداً وبنتاً، وهذا العدد الكبير جعل سعاد حسنى لا تعرف الحب ولا الدفء الأسرى أبداً، فالأب غائب والأم تلد كل عام ولا شىء غير ذلك، وتبحث عن أمها لا تجدها والأب مزواج، كثير الطلاق.

عاشت سعاد وأخواتها بعد انفصال والديها، مع أمها وزوجها الجديد عبدالمنعم حافظ، وتنجب الأم منه ثلاث بنات وثلاثة أبناء وهم جيهان، وجانجاه، وجيلى وجهير وجاسر وجلاء.

وتحكى سعاد حسنى مواقف طريفة مع الكاتب وجدى الحكيم، قائلة: لا أتذكر شيئاً كثيراً عن حياتى فى الطفولة، ولكن من بين ما أذكره عندما كنت أغنى فى برنامج الأطفال الخاص بـ«بابا شارو»، عندما كانت تغنى «طولى شبر ووجهى بدر، صوتى ساحر كلى بشر، وغيرها من الأغانى التى أتذكرها وهى أنا سعاد أخت قمر، وهناك واقعة أتذكرها عندما كان هناك تسجيل للإذاعة وكان على الهواء مباشرة، ونمت تحت البيانو إلى أن جاءت فقرتى فنادوا علىَّ، وصحيت من النوم على الميكرفون».

«فى مرة طلعت على المسرح وغنيت والناس فرحوا قوى بيه وفضلوا يصقفوا ليه، ساعتها رحت بكيت من الفرحة».

 ويصف الممثل سمير صبرى، سعاد حسنى وهى طفلة بأنها كانت طفلة غلبانة، وضائعة، وعاشت طفولة تعيسة وكانت بلا عائلة وتحتاج إلى من يرشدها، وتعذبت جداً فى طفولتها، فلم يكن أحد بجانبها، وهى من اعتمدت على نفسها طيلة حياتها.

وفى لقاء آخر للسندريلا سعاد حسنى عن طفولتها تقول عن الإذاعى بابا شارو، كان لطيفاً جداً مع الأطفال وكان بيحبنا جداً، وبيتعامل معانا برقة ولطف، وفى مرة خرج بابا شارو على الهواء مباشرة فى الإذاعة قائلاً معى ستة من المغنين الصغيرين جداً، وفى كل مرة كنا بنسمع كل طفل لوحده، المرة دى سوف تسمعونهم مرة واحدة، لتقول فى البداية طفلة أنا صباح زى القمر، ومن بعدها يأتى صوت سعاد حسنى وهى تقول أنا سعاد أخت القمر بين العباد حسنى اشتهر، أنا منى، أنا هالة، أنا سما، أنا شروق، أنا ابتسام، لتنهى الأغنية بعد أن تقدم كل واحدة من الأطفال نفسها بشكل منفرد، لينهى البابا شارو البرنامج قائلاً: سمعتوا يا حلوين الستة الأطفال بيغنوا، سمعتوا أولاً صباح وبعدها سعاد، وبعدها منى وبعدها بدور وبعدها ابتسام، وأخيرا ناجى فتى الفتيان، لينتهى البرنامج الإذاعى لبابا شارو، الذى شهد نجومية وسيطرة سندريلا العرب سعاد حسنى أخت القمر التى بدأت حياتها بمأساة وانتهت أيضاً بوقوعها من شرفة شقة فى لندن.

ما بين البداية والنهاية حكايات كثيرة لا بد أن تحكى عن سعاد حسنى التى حيرت وخطفت قلب كل من اقترب منها سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لتكون بحق أعظم ممثلة فى تاريخ السينما العربية، والعالمية بعد أن طورت من نفسها، لتبدأ مرحلة جديدة مع النجومية والشهرة عندما تلتحق بالسينما.