استيقظت فى صباح الخامس من يونيو على صوت انفجارات شديدة وكانت الأصوات تأتى من شرق وغرب القاهرة فأدركت أن إسر

القاهرة,فرنسا,الغربية,الزعيم,انفجارات,الجيش,الأمن,أمريكا,الأصوات,عبد الناصر,نكسة يوليو,هزيمة يوليو,محمود رياض

الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 - 22:44
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

أحداث يونيو "يوم بيوم" من مكتب الخارجية المصرية

محمود رياض وزير الخارجية المصري
محمود رياض وزير الخارجية المصري

«استيقظت فى صباح الخامس من يونيو على صوت انفجارات شديدة، وكانت الأصوات تأتى من شرق وغرب القاهرة، فأدركت أن إسرائيل قد بدأت هجومها، فأسرعت إلى مكتبى بوزارة الخارجية لكى أتابع الموقف منه. وبعد قليل تلقيت الصدمة الأولى؛ فقد اتصل بى جمال عبدالناصر تليفونياً ليخطرنى أن المطارات العسكرية المصرية قد ضربت جميعها، وأن سلاح الطيران المصرى قد أصيب بالشلل».



تلك الكلمات كانت نص ما قاله محمود رياض، وزير الخارجية المصرى آنذاك، مستشار الشئون السياسية للرئيس جمال عبدالناصر، مندوب مصر الدائم فى الأمم المتحدة، مُعبراً عن حالته لحظة تلقيه خبر بدء العدوان الإسرائيلى يونيو من عام 1967.

وبخبرته العسكرية، لم يصدق رياض ما بثّته الإذاعة المصرية، بأن دفاعنا الجوى أسقط 86 طائرة؛ لأنه بحكم خبرته السابقة فى الدفاع الجوى، يستطيع أن يُجزم على الفور باستحالة إسقاط هذا العدد الكبير من الطائرات بوسائل الدفاع المتوفرة لدينا آنذاك، بحسب تعبيره.

ويؤكد "رياض"، فى كتابه: «البحث عن السلام.. والصراع فى الشرق الأوسط»: «ولقد حاولت فى ذلك اليوم أن أتصل بالمشير عبدالحكيم عامر فلم أفلح فى ذلك مرات عديدة».

 ويضيف: «لمست حالة من الاضطراب غير العادية فى القيادة. ولم أجد مسئولاً يمكنه أن يزودنى بأى تفصيلات لحقيقة الموقف. وعندما نجحت أخيراً فى الاتصال بأحد أفراد القيادة طلبت منه أن يعين ضابط اتصال لتزويد وزارة الخارجية بالمعلومات الدقيقة حتى يمكن التحرك سياسياً على ضوء الواقع العسكرى. لكن هذا الطلب لم يُنفذ لعدم وجود من ينفذه!».

حينها، شعر مستشار الرئيس للشئون السياسية بأننا مقبلون على كارثة، على حد تعبيره فى مذكراته، خاصة أن مبادرة إسرائيل بالهجوم، وبالذات الضربة الجوية، لم تكن مفاجئة للقيادة العسكرية؛ حيث يقول رياض: «فقد ذكر لهم رئيس الجمهورية فى اجتماعه بهم يوم 2 يونيو أن معلوماته تفيد باحتمال قيام إسرائيل بالهجوم يوم 5 يونيو، وفى هذه الحالة ستكون ضربتها الأولى موجهة ضد سلاح الطيران المصرى».

ويشير محمود رياض إلى أنه بالرغم من ذلك «فإن القيادة العسكرية لم تتخذ أى إجراء للنزول بالخسائر للحد الأدنى، فلقد كان من الممكن ألا نتجاوز الخسائر 20 بالمائة عن طريق توزيع الطائرات بطريقة أفضل، ووجود مظلة جوية لحماية المطارات يوم 5 يونيو. علماً أن هذه المظلة الجوية ظلت قائمة فى الأيام القليلة السابقة على 5 يونيو».

فى صباح اليوم التالى، اتصل الزعيم جمال عبدالناصر بمحمود رياض فى منزله، بعد أن أمضى الليل بطوله مستيقظاً يفكر فى عواقب العدوان، ومرة أخرى أبلغه ناصر بأن سلاح الطيران المصرى قد أصيب بالشلل الكامل، وأنه لم يعد لديه شك فى تواطؤ الولايات المتحدة مع إسرائيل فى هذا العدوان، لكن الجديد فى المحادثة بين ناصر ورياض، هو أن الأول قد أخبر الثانى بقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا.

كان ناصر يرى أنه يجب على الولايات المتحدة أن تحس بأنها ستدفع ثمن هذا التواطؤ من تعبئة العالم العربى ضدها، وبالتالى فقطع العلاقات مع أمريكا ضرورى، بحسب رأيه آنذاك، وهو ما كان مخالفاً لرأى رياض الذى كان يعتبر أن الأمر لن يُفيد، رغم قناعته الشخصية بتواطؤ الولايات المتحدة مع إسرائيل.

قرار عبدالناصر قطع العلاقات الفورى مع أمريكا، كان مبنياً على معلومات قد وصلته من القيادة العسكرية باشتراك طائرات أمريكية وبريطانية فى الهجوم، وهو ما جعله يعتبر التواطؤ الأمريكى سيدفعه تعزيز التعاون مع الاتحاد السوفييتى.

وبعدها، توجه وزير الخارجية محمود رياض إلى مكتبه، واستدعى السفير الأمريكى ريتشارد نولتى، ليبلغه بقرار قطع العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، بعدما أبلغ من قبله جميع رؤساء الدول العربية.

وكان رياض يعتبر السفير الأمريكى ريشتارد نولتى، واحداً من مئات الأمريكيين الشرفاء، على حد تعبيره، فيقول: «كان من طراز يختلف عن أولئك الذين ظلوا يعملون على تضليلنا».

وفى مساء اليوم نفسه، اتصل السفير محمد عوض القونى بمحمود رياض؛ ليبلغه بالقرار الذى اتخذه مجلس الأمن عقب العدوان، كون القونى كان يعمل آنذاك الممثل الدائم لمصر فى الأمم المتحدة.

وعلم رياض من خلال محادثته التى تمت مع القونى، بأن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون، قد بذل كل ما فى وسعه داخل المجلس وخارجه؛ لمنع المجلس من مطالبة إسرائيل بالانسحاب، بل ومعاونتها فى الاستمرار فى احتلال الأراضى التى استولت عليها.

وفى صباح السابع من يونيو، اتصل محمود رياض بالسفراء الممثلة دولهم فى مجلس الأمن، كما اتصل بالسفير محمود عوض القونى؛ لإبلاغ مجلس الأمن أن مفهوم مصر لقرار المجلس بوقف إطلاق النار، يقضى بتوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحابها خلف خطوط الهدنة، مشيراً إلى أنه: «تبين لنا أنه بالرغم من أن الأردن أعلن قبوله وقف إطلاق النار فإنَّ إسرائيل مازالت مستمرة فى تقدمها لاحتلال الضفة الغربية».

وطالب رياض فى اتصالاته المتشعبة بكل الدول الممثلة فى المجلس، بمسارعة التنديد بالعدوان، ومطالبة إسرائيل بالانسحاب خلف خطوط الهدنة، وكان يؤيد مصر فى ذلك فرنسا والهند والاتحاد السوفييتى، وباقى الدول باستثناء الولايات المتحدة.

وتوالت المحادثات والاتصالات والمقابلات بين محمود رياض فى تلك الأيام العصيبة، حتى فوجئ فى مساء التاسع من يونيو بأن الرئيس جمال عبدالناصر سوف يدلى ببيان عن الموقف الحالى، ولم يكن رياض يعرف ما سيقوله ناصر، فجلس فى مكتبه ليشاهد البيان على التليفزيون.

وكانت المفاجأة؛ حيث كان الخطاب هو الذى أعلن فيه ناصر تحمله للمسئولية كاملة، وأعقبها بقرار التنحى عن الرئاسة، وتكليف زكريا محيى الدين بتولى منصب رئيس الجمهورية.

يقول رياض عن صدمته فور سماعه البيان: «نزلت مسرعاً لكى أتوجه إلى منزل جمال عبدالناصر بمنشية البكري، وكان علىَّ أن أخترق القاهرة من غربها إلى شرقها، فوجدت نفسى أتحرك وسط مئات الألوف من المواطنين الذين تدفقوا من كل حدب إلى الشوارع المتجهة إلى بيت عبدالناصر بصورة عفوية لا يمكن أن تصدر عن غير أعمق مشاعر الحب والوفاء».

واستطرد رياض: «وقت استطعت أخيراً وبصعوبة شديدة أن أقترب من المنزل، وكل من يرانى من المواطنين وأنا فى سيارتى يدق بيديه عليها مُطالباً ببقاء جمال عبدالناصر».

ولم يكن أمام عبدالناصر بد من الاستجابة لهذا المطلب الجماهيرى، فعدل عن الاستقالة برسالة وجهها إلى مجلس الأمة يوم العاشر من يونيو.

يقول رياض فى كتابه، إنَّ جمال عبدالناصر قد تحدث يومى الثالث والرابع من أغسطس عن الأخطاء التى أدت إلى الهزيمة فى اجتماعات اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي، وقام بنقد ذاتى شديد، وخاصة بالنسبة للنظام القائم، وبعد استعراضه الأخطاء التى أدت إلى الهزيمة والصراعات القائمة حول السلطة انتهى إلى أن النظام المطلق القائم على الحزب الواحد قد فشل.

ويضيف: «اقترح ــ ناصر ـ قيام نظام جديد على أساس ديمقراطى بوجود حزب معارض بجانب الاتحاد الاشتراكى يكون له جريدة تعبر عن رأيه وأن يتحرر الجميع من الخوف فى إبداء الرأى».

الغريب أن كل ما ذكره ناصر لم يتم؛ لأنه بعد مناقشات مطولة اشترك فيها جميع أعضاء اللجنة التنفيذية العليا، فقد عارضوا إجراء أى تعديل فى نظام الحكم قبل إزالة آثار العدوان، وهو ما تم بالفعل، حين سعى الجيش المصرى لاسترداد أراضيه فى أكتوبر لعام 1973، ومن قبله نضال واستبسال فى حرب الاستنزاف.