كانت الأيام الخمسة التالية للنكسة منذ الاثنين 5 يونيو وحتى الجمعة 9 يونيو كانت تلك أسوأ أيام فى حياة جمال عب

جمال عبد الناصر,النكسة,نكسة يوليو,هزيمة يوليو,تنحي عبد الناصر

الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 02:33
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

هنحارب.. لماذا رفض الشعب المصرى خطاب استقالة عبدالناصر عقب النكسة؟

مظاهرات دعم جمال عبد الناصر ورفض التنحي
مظاهرات دعم جمال عبد الناصر ورفض التنحي

الشعب لم يستسلم مطلقاً، واستوعب الصدمة فأعطى الثقة للجميع!

هكذا كانت الأيام الخمسة التالية للنكسة، منذ الاثنين 5 يونيو وحتى الجمعة 9 يونيو، كانت تلك أسوأ أيام فى حياة جمال عبدالناصر، بل وأكثرها عذاباً، كانت أيام محنة حقيقية لرجل تحمل تبعات مشروع عربى كبير، وكانت بعض الساعات خلال هذه الأيام أشبه ما تكون بكوابيس مُطبَقة على عمر بأكمله، وقد انقضت عليه وقائع ما جرى وكأنها صواعق.

توصل جمال عبدالناصر إلى اقتناع خلاصة ما فيه، إنَّ النظام كله فى يونيو 1967 قد انتهى، وكان أول لقاء له مع عبدالحكيم عامر بعد الهزيمة قال فيه: «إن أى نظام يعجز عن حماية حدود وطنه يفقد شرعيته، وإنه مهما كانت أحزاننا الآن فإنا علينا أن نعرف أن دورنا قد انتهى نهاية مأساوية، ولم يبق أمامنا إلا مهمة أخيرة هى ترتيب أوضاع البلد بما يمكن معه تحقيق الانتقال إلى ظروف تختلف اختلافاً أوضح مما هى عليه الآن».

 وأضاف عبدالناصر لعبد الحكيم عامر، أنه أصبح مقتنعاً بضرورة اعتزاله الحياة العامة، فقد انتهى دوره، وانتهت فى رأيه ثورة 23 يوليو، وما بقى منها من مبادئ أو منجزات أصبح فى أيدى الناس، وليس لنا أن نعطل طريقهم فى تسيير أمورهم على النحو الذى يرونه عندما تخف حدة الظرف العصيب الذى تواجهه الأمة الآن.. فى استدرك بملاحظة بدا أن تفكيره انتقل إليها وهى مشاعر القوات العائدة من سيناء بعد توقف القتال واحتمال وقوع مشاكل بينها وبين الجماهير التى انقضت عليها نتائج المعركة بطريقة قد تكون قابلة للاشتعال والانفجار.

قرر عبدالناصر بشكل نهائى أن يقدم استقالته للأمة، وسوف يقترح فى الوقت نفسه أن يكون السيد شمس بدران رئيساً مؤقتاً للجمهورية إلى أن يمكن ترتيب الأمور، وكان ظنه فى هذا الوقت أن وجود شمس بدران على رأس الدولة، وهو وزير الحربية عامل قادر على تفادى احتمال التصادم بين الشعب والجماهير، وبدا أن عبدالحكيم عامر موافق على هذا الاقتراح، واتصل عبدالناصر بمحمد حسنين هيكل الذى وافق عبدالناصر على قراره بالاستقالة، وطلب منه أن يكتب خطاب استقالته للأمة بحيث يلقيه فى اليوم التالى يوم الجمعة 9 يونيو. وأخبره «هيكل» بأنه سوف يسهر طوال الليل لكى يكتبه، وذهب هيكل إلى عبدالناصر واخبره برفضه ذكر اسم شمس بدران فى الخطاب؛ لأنه أحد المسئولين عن ما حدث ومن الأفضل ذكر زكريا محيى الدين، وهو أحد أقدم أعضاء مجلس قيادة الثورة.. الرئيس عبدالناصر شعر بمسئولية ما حدث لدرجة جعلته يقول لهيكل: «إننى لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس والله لو أنهم أخذونى إلى ميدان التحرير وشنقونى فيه لما اعترضت عليهم.. لهم الحق».

راهن جمال عبدالناصر، على القوة الكامنة فى الشعب المصرى، وأنها هى التى سوف تجعله يقاوم هذه النكسة، وأن الاستقالة طريقه للخروج، وألا يصبح عبئاً على الأمة فى محاولة تضميد الجراح، والعودة مرة أخرى إلى سيادة الصراع، فالأمور تقتضى ضرورة نوع من التعامل مع الولايات المتحدة، وهو لا يشعر أنه قادر عليه؛ لأن قلبه ملىء بالمرارة منهم، وهذا خطر فى العمل السياسى، وأنه يجب تحكيم عامل المصلحة، وذهب عبدالناصر لإلقاء خطابه الذى جاء رد فعل الجمهور عليه حاسماً.

كان رهان جمال فى موضعه، فالشعب فاق مسرعاً، ووثق بقادته، الجماهير خرجت من كل حدب وصوب فى كل شوارع مصر وتحديداً فى العاصمة تنادى باسم ناصر ناصر ناصر، فاتصل شعراوى جمعة بالكاتب محمد حسنين هيكل، وأكد له أنه غير قادر على مسك زمام الأمن؛ بسبب هذه المظاهرات الحاشدة التى وصفها بالطوفان البشرى، وقد طلب عبدالناصر بشكل رسمى ألا تقال كلمة أو تذاع إلا بعد الرجوع إلى هيكل الذى تواصل معه زكريا محيى الدين والذى مرَّ بمرحلة من الدهشة؛ بسبب تعيينه رئيساً مؤقتاً، وأن المظاهرات فى الشارع ترفضه وأنه لا يريد هذا المنصب، وعليه أن يعلن هذا للجمهور بعدما أصبح قرار إذاعة أى خبر عن طريقه، بينما كشف شعراوى جمعة لهيكل، أن القاهرة معرضة لحريق أبشع بمراحل مما تعرضت له فى عام 1952، بينما تواصل عبدالحكيم عامر بمكتب هيكل وطلب منه أن يوافق على خطابه استقالته هو الآخر، واتصل كذلك السيد أنور السادات، رئيس مجلس الأمة الذى حاصره أعضاء المجلس فى مظاهر امتزج فيها الأسى والغضب، طالبين منه أن يفعل شيئاً لتدارك الأوضاع الخطيرة فى كل مكان، وطلب السادات من هيكل إذاعة بيان بأن الرئيس سوف يعيد التفكير فى قراره، لكن هيكل رفض هذا.

تواصل محمد حسنين هيكل مع الرئيس جمال عبدالناصر الذى عرف بحقيقة ما يحدث فى الشارع وسأل مندهشاً: ليه؟ لم يكن عبدالناصر الوحيد الذى يبحث عن إجابة، بل كان العالم يطرح هذا السؤال بشكل عكسى: لماذا ترك عبدالناصر، المنصب لدرجة جعلت بعض المندوبين العرب والأفارقة فى أروقة الأمم المتحدة وقاعاتها يجهشون بالبكاء؛ بسبب قراره، ما جعل الرئيس الفرنسى «ديجول» فى باريس يقول: «أتمنى أن يتمكن عبدالناصر بشجاعته ووطنيته من الاستجابة لمشاعر أمته التى تطالبه بالبقاء فى موقعه»، برقية وصلت لمكتب الرئيس عن بكاء الرئيس اللبنانى شارل حلو عندما تلقى نبأ استقالة ناصر، والطلب المتكرر من عبدالرحمن عارف التواصل مع الرئيس والذى تحدث باكياً له تليفونياً: «إننى أناشدك باسم الشعب العراقى وباسم العروبة أن تبقى»، واتصل الرئيس السودانى إسماعيل الأزهرى، وأبلغ عبدالناصر أن السودان سوف يحترق فى حال لم يعُد عن قراره، وبالفعل قرر الرئيس عبدالناصر أن يصدر بياناً سوف يقرأه رئيس مجلس الأمة أنور السادات ليعود من جديد عبدالناصر لرئاسة مصر.