تتزايد المخاوف كل يوم من المشهد القاتم الذي يسود أمريكا جراء مقتل الحارس الأسمر ليوبويد أمام.. المزيد

الشرطة,قضية,برامج,الدستور,سيارات,مسيرة,الجيش,واشنطن,جورج فلويد,العنصرية في أمريكا,التمييز ضد السود,تاريخ العنصرية الامريكية,مارتن لوثر كينج,اقفز يا جيم كرو,كونتا كونتي

السبت 26 سبتمبر 2020 - 01:15
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

من لوثر كينج لفلويد.. رواية سطرتها العنصرية في أمريكا

جانب من الاحتجاجات الأمريكية
جانب من الاحتجاجات الأمريكية

تتزايد المخاوف كل يوم من المشهد القاتم الذي يسود أمريكا جرّاء مقتل الحارس الأسمر جورج فلويد أمام الكاميرات بمقاطعة مينيابوليس مختنقًا بضغطة ركبة مميتة من ضابط أمريكي أبيض، قطعت مجرى الهواء في عنقه، فيما كان وجهه ممرغ في الأرض ويداه مصفدتان، ويتوسل "لا أستطيع التنفس"، وهو المشهد العنصري الذي صدم العالم واندلعت لأجله مظاهرات أمريكية غاضبة تتوعد الرئيس دونالد ترامب.



وتوالت الكتابات المحذرة من استعادة ماضي العنف بسبب التمييز المتأصل في أمريكا؛ والذي بدأ منذ استعمار الرجل الأبيض لأرض الهنود الحمر، ودشن وجوده بإبادتهم ممزقًا كتاب التاريخ.

وفي مقال بصحيفة واشنطن تايمز، لمؤلف كتاب “تاريخ انتهاء صلاحية أمريكا: سقوط القوى العظمى"، قال كايل توماس: “أنه لن ينسى أبدًا تلك الليلة بتاريخ 4 أبريل 1968 حين تطايرت أعمدة اللهب فوق مسقط رأسه ممفيس، على إثر اغتيال الدكتور مارتن لوثر كينغ؛ صاحب أكبر دعوة لاستعادة السود حقوقهم المدنية، والتي حاز عنها جائزة نوبل للسلام”.

العنصرية في امريكا- ارشيف من حقبة الستينيات

 

العودة لأجواء اغتيال لوثر كينج

وشهدت أمريكا في الستينات أعمال تمييز متفرقة ضد السود أدت لنشوء موجة غضب كبيرة وأعمال عنف متبادلة، وعلى إثر اغتيال القس مارتن لوثر كينغ،في ممفيس بولاية تينيسي، انفجر العنف في 125 مدينة، ما أدى إلى سقوط 46 قتيلًا على الأقل و2600 جريح.

وفي واشنطن، كان السود يشكلون ثلثي سكان المدينة، ثم امتدت الفوضى والعنف لتصل إلى مقربة من البيت الأبيض، ما أدى لاستدعاء الجيش للتدخل، كما يجري الآن؛ حيث تترقب سيارات عسكرية في الشوارع وتقترب البلاد من حظر تجول شامل في المدن التي يسيطر عليها العنف.

وقال كايل توماس، في مقاله: “كان من المؤسف أنه بالتزامن مع الاحتجاجات عقب مقتل لوثر كينج؛ خروج عمدة ولاية مينيسوتا "تيم والز" ملقيًا باللوم على الإرهابيين المحليين، وربما القوات الدولية التي تحاول زعزعة استقرار البلاد لإثارة العنف وتدمير الممتلكات، وطغت الصور التلفزيونية لأعمال التخريب على القضية العادلة للمتظاهرين السلميين، وساعدت مشاهد مماثلة ريتشارد نيكسون على الفوز بالرئاسة في عام 1968، ربما ذلك ما يتكرر اليوم”.

اعمال الشغب الحالية تذكر بحقبة الستينات

 

وبرغم تأكيد الكاتب أن العنف يعرقل القضية العادلة، فإنه يؤكد أن الجريمة التي حدثت هي الأكبر تشويها لأمريكا منذ العبودية؛ مستدعيًا ما جرى مع الأستاذ بجامعة هارفارد هنري لويس غيتس، الأمريكي من أصل أفريقي، حينما اعتقله ضابط شرطة أبيض في كامبريدج بعد أن أبلغ أحد الجيران عن أن رجلاً أسود كان يحاول اقتحام منزل شخص ما، وثبت أن المنزل هذا كان منزل غيتس ذاته.

جينات العنصرية الأمريكية

وعلق الأستاذ هنري لويس غيتس مؤلف كتاب "حياة الأفارقة الأمريكيين"، و"ابحث عن جذورك"، اليوم، على واقعة مقتل فلويد، قائلًا: "العنصرية كانت جزءًا من الحمض النووي الثقافي الأميركي منذ ما قبل أن يجف الحبر على الدستور، وتهيمن حينًا وتتنحى حينًا؛ إنها الجينات التي تحولت مع مرور الوقت، وحتى الآن لا تزال جزءًا من الميراث الثقيل الذي تتوارثه الأجيال محققة ضررًا وتشوهًا تزداد فداحته بلا نهاية".

تعرض استاذ هارفارد للاعتقال العشوائي ادى لنوبة غضب واسعة 2009

 
 

وأشار إلى أن البيض انخرطوا في سلسلة مروعة من عمليات الإعدام خارج نطاق القانون للضحايا السود الأبرياء بشكل وحشي تم تسميته في 1919 بالصيف الأحمر، وسبقته سلسلة عمليات تزامنت مع وباء الإنفلونزا العالمي 1918، مع عودة الجنود السود من ساحات الحرب العالمية الأولى.

وعاد الديموقراطيون البيض إلى السلطة تدريجيًا في الولايات الجنوبية بداية من 1870، وتم قمع السود ومنعهم من التصويت، ثم أقرت حكومة الحزب الديموقرطي 1877، قانون جيم كرو لعزل السكان السود عن البيض، وتضاءل ظهور ومشاركة السود والفقراء من البيض في الحياة العامة، واستبعدوا من الوصول للهيئات التشريعية والمحليات فلم يجدوا من يمثلهم ويدفع عنهم المأساة التي يعيشونها، وصار فصل الأمريكيين الأفارقة عن باقي السكان رسميًا ومعممًا منذ 1890 وحتى 1920، متحولًا لثقافة لدى الأمريكيين وليس قانونًا فحسب! واستمر الحال هكذا حتى جاء وودر ويلسون رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وكان ديمقراطيًا من الجنوب، وقام بتعيين الجنوبيين في مجلس وزرائه، ولكنه كان يعتقد أن الفصل العنصري في مصلحة الأمريكيين السود والبيض.

اقفز يا جيم كرو

وتحولت عبارة "اقفز يا جيم كرو"، التي تم ترديدها اعتراضًا على قانون أجيم كرو لعزل السود، أغنية ورقصة ساخرة من السود الأمريكيين، أداها الممثل الأبيض رايس توماس، وظهرت للمرة الأولى عام 1832 وتندرج ضمن موجة عنصرية ترفض سياسات الرئيس أندرو جاكسون لمنح الأقليات السود بعض حقوقهم، وخلال فترة إعادة إعمار الولايات المتحدة من 1865: 1877، ظهرت قوانين جديدة تعيد حقوق الأميركيين الأفارقة الذين كانوا عبيدًا في السابق.

وقال الدكتور غيتس، الأستاذ بهارفارد ومؤلف الكتب عن الأفارقة الأمريكيين من بني عرقه: “أعترف بأنه سيكون من الخطأ تجاهل التقدم الكبير الذي أحرزته البلاد، وأولئك الذين يحبون الحرية والعدالة ويؤمنون بأميركا التي تقف إلى جانب المساواة العرقية والمجتمع بكل ألوانه وأطيافه، يجب أن يحتشدوا ويحاربوا نظرية تفوق البيض العنصرية الشنيعة".

وأضاف: “هذه الخطيئة العنصرية الجينية لا يمكن تغييرها من قبل البرامج الحكومية؛ وأنفقنا 22 تريليون دولار على برامج مكافحة الفقر والعدالة العرقية، وفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة التراث في عام 2014 حول نتائج جمعية ليندون جونسون الكبرى، وكانت النتائج ضئيلة في أحسن الأحوال لأنها لم تعالج قط الأسباب الأساسية للفقر، فالإرادة من القلب هي المفتاح، وهذا ما تفتقر إليه حكوماتنا”.

متظاهرة سمراء في امريكا-ارشيف

 

ويعتقد غيتس، أن الفقر وحده ليس المشكلة الوحيدة، والسماح باختيار المدارس على الصعيد الوطني للأطفال الفقراء يساعد على التخفيف من حدته بالنسبة للكثيرين؛ ولكن توجد مشكلات قبلية، حيث يميل البيض إلى أفراد قبيلتهم، ولهذا حتى لو شاهدنا عدالة ناجزة في قضية جورج فلويد، فإن العنصرية وعواقبها الرهيبة سوف تستمر.

صرخة الزنوج

وتنوعت الأعمال الأدبية والأفلام التي جسدت محنة السود تاريخيًا في أمريكا؛ والنظرة الدونية بحقهم، والتي حققت رواجًا هائلًا، وهناك أدباء ومنهم سوينكا، الحائز على جائزة نوبل، استطاعوا تجسيد تلك المأساة بكتابات ترجمت للغات عدة، وتعد رواية الجذور للكاتب إليكس هايلي من الكلاسيكيات الأشهر، وتحولت لمسلسل تليفزيوني ذائع الصيت عام 1976، وترجمت إلى 37 لغة، وبطلها هو الجد الحقيقي لمؤلف العمل؛ والعبد الأفريقي الأشهر كونتا كنتي، وكشفت الرواية عن الطريقة الهمجية التي مارستها أوروبا في اصطياد الأفارقة وبيعهم كعبيد في أوروبا وأمريكا دون أن ينالوا أي حقوق آدمية، وتنتهي الرواية بأحداث واقعية في 1861 حين اندلعت الحرب الأمريكية بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية التي تمسكت بالحق في استعباد الأفارقة، وأسست هذه الولايات ما سمي الولايات الكونفدرالية الأمريكية، وأعلنت انفصالها عن باقي الولايات الشمالية.

وفي 1862، أصدر الرئيس الأمريكي لنكولن، إعلان تحرير العبيد، جاعلاً من تحرير العبيد في الجنوب هدفًا للحرب، وأخيرًا في أبريل 1865 استسلم الجنوب، وخرج الزنوج ينشدون الفرح، وسأل الحفيد كونتا جده عن سبب بقاء هؤلاء عبيدًا فقال: "لقد أصبحوا عبيدًا لأنهم لم يكونوا شجعانًا لدرجة أن يفضلوا الموت عن الأسر"، واستطرد في موضع آخر : “لو أن سيدهم تركهم دون حراسة أو قيود لمدة سنة وعاد لهم لوجدهم يعملون في الحقول كما تركهم بالضبط، وللأسف القيود ليست ظاهرة فيهم لكن نمط الحياة الذي دخلوا فيه قيدهم وجعلهم يبتعدو عن الحقيقة”.

واستلهمت أحداث الرواية مرارًا في أعمال فنية وأدبية، وربما كان من أحدث المحاولات عربيًا ما قدمه الكاتب العراقي أحمد خيري العمري في شيفرة بلال، والتي تقارن بين الصحابي الأسود بلال الحبشي وما لقيه من تعذيب بين سادة قريش في الجاهلية، وصبي عربي يحمل اسمه يواجه أيامه الأخيرة في أمريكا مع مرض السرطان ويستلهم من قصته الشجاعة، وتتقاطع في الرواية معاناة والدته المعلمة السوداء في مدرسة يقطنها مجتمع عنصري ومواجهتها لهذا الواقع بسرد قصة كونتا كنتي لطلابها والنقاش حولها بما يزيح نسبيًا مسلمات العنصرية التي يغرسها البيت في نفوسهم. 

مشهد من المسلسل الدرامي الامريكي عن كونتا كونتي

 

كما صور الشعر كثيرًا معاناة السود في أمريكا، وظهر ذلك في قصيدة للشاعر الأمريكي من أصول أفريقية لانجستون هيوز، وكان أحد زعماء ثورة هارلم الشهيرة، والتي اندلعت دفاعًا عن مقتل السود في الولايات المتحدة، وقال في مواجهة رجل من جمعية أمريكية سرية، نشأت بعد الحرب الأهلية لترسيخ سيطرة البيض بِاسم الكوكلوكس، ونادى السيد الأبيض على عبده الأسود ودعاه لتعظيمه، فرد: 

أسود/أنا أسود:/ أسود كما اللّيل،/ أسود كأعماق موطني إفريقيّة./كنتُ عبدًا:/أخبرني قيصر أن أُبْقي عتبات منزله نظيفة./ لمّعتُ أحذية واشنطون.. كنتُ مغنيًّا: حملتُ طوال الطريق من إفريقيَّة إلى جورجيا أغاني حزني..حمّال/ عليّ أن أقول لك/أجل، سيدي،/طيلة الوقت./أجل، سيدي!طيلة أيَّامي/متسلّقًا جبلاً شاهقًا/من”أجل سيدي”!رجلٌ عجوز أبيض وثري/يملك العالم./أعطني حذاءك/لأُلمعه.

أمريكا تواجه مرض التمييز 

وتقف أمريكا في موقف عصيب بعد تفشي فيروس كورونا، وسقوط مئات الضحايا كل يوم، مع انهيار فرص العمل وتفشي البطالة، وزادت الاضطرابات العرقية الأخيرة من صعوبة الموقف خاصة مع تصعيد الإدارة الأمريكية وتصديها للمظاهرات بوجه خشن عنيف.

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أحد أهم الداعمين للاحتجاجات ضد التمييز في بلاده، واستشهد مؤخرًا بكتابات جيمس بالدوين، وهو روائي وكاتب أفروأمريكي، وناشط تعرض لقسوة العنصرية حتى اضطر لترك البلاد، وله سلسلة كتابات شرحت جذور العنصرية منذ جلب الزنوج للعمل بالمزارع في القرن السابع عشر، وفي ظروف وحشية، وتنبأت تلك الكتابات بما يحدث الآن.

ولا يزال الخوف مسيطرًا على مثقفي أمريكا من عودة أيام التمييز الدموية للبلاد، ومنهم المؤرخ دوغلاس برينكلي، وكذلك المؤرخة باربارا رانسبي من جامعة إلينويز في شيكاغو، والتي رأت أن مشاهد فيروس كورونا كانت قوية لأنها كشفت عن الشرخ العرقي في البلاد، حيث أن أغلب الضحايا سواء من كورونا أو الفقر من السود، وبعدها جاءت مشاهد عنف الشرطة ضد جورج فلويد الذي ينتمي إلى الأمريكيين السود.

مارتن لوثر كينج-ارشيفية

 

وقُتل مارتن لوثر بعد حركة كبيرة قادها للحصول على الحقوق المدنية للأفارقة الأميركيين في المساواة، وحقق لوثر نتائج جيدة، وتم اغتياله ولا يزال عنده حلم، عبر عنه في خطبته التذكارية التي ألقاها عند نصب لنكولن (محرر العبيد) في 28 أغسطس 1963،  خلال مسيرة واشنطن للحرية، وتحول حلمه لأغان يرددها العالم حتى اليوم: 

“لدي حلم أنه في يوم ما على تلال جورجيا الحمراء سيستطيع أبناء العبيد السابقين الجلوس مع أبناء أسياد العبيد السابقين معًا على منضدة الإخاء لدي حلم أنه في يوم ما سيعيش أطفالي الأربعة بين أمة لا يُحكم فيها على الفرد من لون بشرته، إنما مما تحويه شخصيته لدي حلم أنه في يوم ما ستنهض هذه الأمة وتعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها الوطنية بأن كل الناس خُلقوا سواسية.. دعوا الحرية تدق.. أنا لدي حلم".