عدى النهار.. والمغربية جاية تتخفى ورا ظهر الشجر.. وعشان نتوه في السكة.. شالت من ليالينا القمر..

مصر,القاهرة,سوريا,جمال عبدالناصر,حراس الهوية,النكسة

السبت 24 أكتوبر 2020 - 19:37
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

وزير الحربية الأسبق

أمين هويدي يكشف: كيف ضيّع المشير خطة عبد الناصر لمنع النكسة؟

"عدى النهار.. والمغربية جاية تتخفى ورا ظهر الشجر.. وعشان نتوه في السكّة.. شالت من ليالينا القمر".. هل تذكرون هذا الوجع؟! في كل عام يحل علينا يوم 5 يونيو طاويا جرحا غائرا؛ حين أفاق المصريون على وقع هزيمة جيشهم وفقدان اغلب مقدراته في ضربة إسرائيلية مدبرة مع قوى الاستعمار.



لم يكن أحد يصدق ما يسمعه، فقد حشدت وسائل الإعلام جموع الشعب قبل النكسة وألقت عليهم سحابة من أوهام باستعدادانا الكامل لدحر أي عدوان.

 

 

لكن لماذا حدثت تلك النكسة؟ وما مدى مسئولية الرئيس جمال عبدالناصر والذي أعلن تنحيه عن السلطة بعدها بأيام، وقبل أن ينزل المصريون للشوارع معلنين التمسك به؟ وما حقيقة الخطايا التي ارتكبها المشير عبدالحكيم عامر نائب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، والتي أدت لتلك النكسة؟.. سيكون الرد من خلال كتاب امين هويدي وزير الحربية الأسبق وأحد أبرز القادة العسكريين والذي يعد كتابه" أضواء على نكسة يونيو وحرب الاستنزاف" سردية هامة لفهم ما دار بالساحة آنذاك وتوثيقها.

يقول أمين هويدي أن ما دفعه لتقديم كتابه، تلك الحملة ضد الزعيم جمال عبدالناصر بمشاركة رفاق الأمس جنبا إلى جنب مع نفس أفراد الفئة التي قامت الثورة لتخليص البلاد من شرورهم، وتنصل المسئولين مما عملوا وإلقاء المسئولية على رجل ظنوا أنه مات.

 

إسرائيل تهدد.. والمسرح يشتعل

يعود الكاتب للفترة التي تلت العدوان الثلاثي على مصر، ليؤكد أن المسرح السياسي في المنطقة كان يوحي بانه قابل للاشتعال؛ وكانت إذاعتا الرياض وعمّان تعيّران القاهرة بانها تعيش تحت حماية قوات الطواريء الدولية وهي القوات التي وضعت في سيناء عقب العدوان.

كانت إسرائيل في عهد رئيس حكومتها ليفي أشكول لا تكف في نفس الوقت عن التهديد باحتلال دمشق ما لم تتدخل مصر لإيقاف أعمال الفدائيين.

وقبل النكسة بشهر واحد، وتحديدا يوم 16 مايو 1967 طلبت مصر سحب قوات الطواريء الدولية، ثم بدأت السلطات تفرض هيمنتها على شرم الشيخ ومباشرة حقوقها الوطنية في الرقابة على الملاحة في مياهنا الإقليمية في خليج العقبة.

عبدالناصر يرفض استقالة المشير رغم خطاياه!

ثم يشير الكاتب إلى احتفاظ المشير عبدالحكيم عامر بمنصبه وزيرا للدفاع سنوات طويلة؛ رغم استحقاقه في باديء الامر برأي المؤلف للمنصب خلال ثورة يوليو 1952 ولكن استمراره كان مثار انتقاد مستمر، وخاصة أنه كان يغلب البعد الإنساني على الانضباط المفروض لمن يتولى منصبه، وكان هو الشخص الأقرب إلى قلب عبدالناصر زعيم الثورة، ولكنه لم يكن مؤهلا لقيادة دور جليل في وقت كانت القاهرة محط أنظار الاستعمار وسياستها تجعلها تنشر قوات الجيش إلى خارج الحدود المصرية أحيانا، ناهيك عن موقف ناصر المعروف من أمريكا وإسرائيل بالجوار، وهو ما جعل الكيان الصهيوني يتحين الفرص لينقض.

احتفظ عبدالناصر بالمشير في منصبه وبرغم فشل "عامر" في مواجهة تجربتي عدوان 1956 والانفصال عن سوريا والذي ساهم فيه بعض رجال مكتبه !

لكن بدأ الصراع - بحسب زكريا محيي الدين - حين تحولت السلطة بعد انفصال مصر وسوريا إلى مجلس رئاسي ليصبح القرار جماعيا،

وظلت هناك محاولات أيدها المجلس لإغلال يد المشير عن التعيين في قيادات الجيش وهو ما رفضه الأخير وقدم استقالته بسببه وتبعه في ذلك قيادات للقوات البرية الجوية والبحرية وبعض كبار القادة، ولكن ناصر أعاده حرصا منه على تماسك الجيش وعدم حدوث هزات في وقت عصيب!.

صعود أهل الثقة بديلا للكفاءات

في هذه الأثناء كان المشير عامر يختار أهل الثقة والولاء له ويضعهم قيادات في الجيش بديلا عن الأكفاء، وقد أغدق على هؤلاء دون حساب وفتح لهم ابوابه وأذنه ولم يعد يرى القوات المسلحة إلا من خلالهم.

يؤكد ذلك قيادي الثورة أحمد حمروش في كتبه "قصة ثورة يوليو" مؤكدا أن المجموعة المحيطة للمشير كانت كافية للإساءة إليه بالإفراط في اللهو واسباب المتعة والزواج بالفنانات.ولقد اشترط عبدالناصر على عامر أن يتخلى عن عدد من هؤلاء القيادات بعدما اثير حولهم وبادله المشير بأن اشترط أن يسرح نفس العدد من مكتبه، وهكذا تجمد الموقف.

هذه الأجواء جعلت عبدالناصر غير قادر على التعامل بسرعة مع التغيرات في القوات المسلحة أو تنفيذ تعليماته ومع ذلك كان يؤجل الصدام، ومن ذلك مثلا إحالة قائد القوات البحرية الفريق سليمان عزت إلى المعاش لإهمال في إحدى الرحلات التي قام بها الرئيس على ظهر إحدى مدمرات الأسطول، فلما اعترض المشير، كان للأخير ما أراد!

كما أن المشير عامر وحسبنا ينقل هويدي عن الفريق صلاح الحديدي في كتابه "شاهد على حرب 67" قد قلل من اختصاصات الفريق محمد فوزي الذي أصر عبدالناصر على تعيينه رئيسا للأركان، فكان من المشير الذي يعرف قرابة فوزي بسامي شرف سكرتير المعلومات للرئيس- أن استحدث منصب قائد القوات الجوية واختار الفريق عبدالمحسن مرتجى ليحدث صراعا بين الاثنين على الصلاحيات.

بل وأصدر المشير عامر بوصفه نائبا للقائد الاعلى للقوات المسلحة، قرارا بتحديد اختصاصات السيد شمس بدران الذي عينه عبدالناصر في صيف 1966 وزيرا للحربية، وهي سابقة غير منصوص عليها بحكم الدستور، وقد تسببت كما يروي المؤلف الذي تقلد وزارة الحربية بعد النكسة، في تركه للمنصب بعد ستة أشهر فقط من تعيينه.

 

 

 

 

طغيان نفوذ عبدالحكيم عامر

ويروي هويدي الذي تولى منصب سفيرا لمصر في بغداد قبل النكسة، أن عبدالحكيم عامر كاد يتسبب بأزمة كبرى بين البلدين بعدما سافر في حفل كبير لاستقباله مصطحبًا أوراقا سرية للغاية تخص العلاقة بين الرئيسين ناصر وعبدالسلام عارف، وكان فيها ما لا يرضاه بل وتركها في غرفته ليعيدها رجال الرئيس العراقي لمصر! ، ثم اصر عبدالحكيم عامر على عدم الخروج للترحيب بنحو ألف دبلوماسي في استقباله بالعراق! وظلت مواقفه غير مبالية في أحيان كثيرة على هذه الشاكلة بحسب "هويدي".

وينقل الكتاب عن أحمد حمروش في كتابه عن ثورة يوليو كذلك أن سلطات المشير ورجاله وصلت حد إسقاط أي اعتبار للوزارات وانتشرت التعيينات في الاجهزة الإدارية والتنفيذية بوساطة منهم وترشيح، بل واحتفظ كثير من المفسدين الذين لديهم تقارير ضدهم من الرقابة الإدارية، احتفظوا بمناصبهم لأنهم كانوا مساندين بقوة للمشير.

حتى بعد النكسة والآلاف من أفراد القوات المسلحة يذبحون في سيناء أو يموتون عطشا أو يقعون في الأسر، لم يقبل المشير أن يتخلى عن منصب قيادة القوات المسحلة، وأعلن العصيان حينما رأى الرئيس عبدالناصر أن يكتفي عامر بمنصب نائب رئيس الجمهورية، فاعتصم في منزله بالجيزة ومعه أعوانه وحرسه الخاص.

هل كانت مصر على علم بالضربة الإسرائيلية؟

يقول أمين هويدي أن المشير عبدالحكيم عامر عقد في 14 مايو 1967 مؤتمرا بحضور كبار القادة وأعلن عن معلومات تؤكد احتشاد كثيف للقوات الإسرائيلية على الحدود السورية بالتوازي مع تصريحات قادتهم المعادية.وقد ذكّر المشير عامر بالتزام مصر ضمن اتفاقية الدفاع المشترك بين القاهرة ودمشق بالتدخل عبر قواتها إن تم الهجوم على سوريا ومطاراتها، وأعطى المشير عامر توجيهاته بحشد قوات في مسرح سيناء تكون قادرة على الدفاع بل على القيام بعمليات هجومية إذا لزم الأمر، وهي الخطة التي تحمل اسما كوديا "قاهر"!.

وبالفعل بدأ الاستعداد وأمر المشير عامر برفع درجة استعداد الدفاع الجوي للقصوى بقيادة الفريق محمد صدقي، والإعداد لسحب قوات الطواريء الدولية، ولم يعترض أحد.

وبالتالي فقد كانت مصر متأهبة بالفعل لتلك الضربة ولم تكن مفاجأة لأحد، وتواكب مع ذلك حملة مبالغات في تصوير مستوى الكفاءة القتالية لقواتنا آنذاك وترديدها للرئيس وللشعب.بل ولقد كان السيد شمس بدران وزير الحربية في مجلس الوزراء وقال ضاحكا أنه إذا تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية فإن قواتنا كفيلة بمواجهة الموقف!!

تأهب عبدالناصر لا ينتقل لقطاعات الجيش!

يؤكد أمين هويدي أن القيادة السياسية لم تكن في حالة استرخاء وإنما آمنت أن الصدام المسلح قادم لا محالة بل هو الحل الوحيد للأزمة السايسية، وقال الرئيس عبدالناصر في 2 يونيو 1967  في جلسة بحضور قيادات الجيش أن : "إسرائيل سوف تبدأ عمليات خلال يومين وتحديدا 5 يونيه، وستبدأ بالضربة الجوية، وتعتمد على المفاجأة والمرونة والمعركة القصيرة!!"

ويعلق الفريق صلاح الحديدي في كتابه "شاهد على حرب 67" ونقلا عن هويدي- بأن هذا المؤتمر قد فتح ولا شك الطريق أمام العسكريين بعد توقعات عبدالناصر وكان من الطبيعي أن تخلى المطارات الأمامية في سيناء من الطائرات حتى لا تكون لقمة سائغة للعدو عند قيامه بالضربة الأولى، ولكن حتى هذا القرار المنطقي لم يُكتب له التنفيذ!

الغريب بحسب "الحديدي" أن الصورة التي رسمها الرئيس لم تخرج عن الغرفة، وفوجيء قائد الجبهة بهجوم العدو يوم 5 يونيو وقيادات العمليات في الاردن، ورجال القوات الجوية رغم أن قائدهم كان حاضرا ومعاونيه لهذا الاجتماع التاريخي!

ويحلو للبعض أن يدعي أنها كانت مفاجأة رغم ان تعليمات الرئيس وصلت للحكومة وقد اتخذت إجراءات لمواجهة العدوان على مستويات الدفاع المدني والتهجير والخدمات الطبية والتموين، ولم يفعل الجيش.

اختلال دفة الدفاع في مصر

صبيحة 5 يونيو المشؤوم؛ كان أفراد المركز الامامي للقيادة برئاسة الفريق مرتجى في مطار بيرتمادا ذاهلين ينظرون لضربات القوات الإسرائيلية بل إن بعض قواتنا الجوية لم يميز أنها طائرات العدو إلا حينما بدأت القنابل تتساقط على المطار لتدمر كل ما فيه! وهو ما جرى لأفراد قيادة المنطقة العسكرية الشرقية بقيادة الفريق صلاح محسن.

فيما القيادة الرئيسية بحضور المشير عبدالحكيم عامر تسعى للحاق بقيادة سيناء في طائرة مخصصة ثم مع بدء الهجمة الإسرائيلية تضطر للعودة في ارتباك تام جعل العدو ينتهي سريعا من ضربته القاضية وحرم مصر من إدارة المعركة وقت بدئها!

وبالطبع كانت هناك مواقف بطولية على الأرض ولكنها تظل فردية ومنها رفض اللواء عبدالحميد الدغيدي قائد الدفاع الجوي في سيناء آنذاك الانسحاب وتدمير مركز القيادة والهرب.

وفي هذا الموقف العصيب كانت الفرقة الرابعة المدرعة هي الاحتياطي الرئيسي للجمهورية كلها لمواجهة المواقف الطارئة.

أزمة الفرقة الرابعة المدرعة

 

ينتقد مؤلف الكتاب ما قام به الفريق عبدالمنعم رياض من حشد أربعة لواءات مدرعة في الجنوب لحماية قواتنا، وأمر بتخصيصها من قوات مخصصة لاحتلال المضايق، وكانت محدودة وتركها لمواقعها فيه خطورة، واخذ يسحب القوات التي كانت ستهاجم إيلات لتعزيز هذه الستارة وبذلك انتقل نشاطنا الأساسي للمحور الجنوبي بعد أن كان في المحور الشمالي تبعا للخطة "القاهر"، وقد أحدث ذلك ارتباكا وخللا في قيادة العمليات.

ومن المؤسف ما ذكره قائد الفرقة الرابعة المدرعة اللواء محمد عوض الغول أمام المحكمة التي شكلت لمحاكمته عقب النكسة، حينما سئل عن الأوامر الصادرة إليه فأجاب أن الأوامر الكتابية الصادرة تقضي بالانسحاب ليلا إلا أن قائد الجيش الميداني أعطى اوامر شفوية الا ينسحب إلا باوامر منه، وكانت الفرقة قد تحركت سريعا للغرب بالفعل ثم جاءها الأمر بأن تعود، كل ذلك والمشير عامر نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة يعتقد ان الفرقة الرابعة تقاتل قتالا عنيفا في خط المضايق!!

حين اتصل المشير عامر صبيحة السادس من يونيو بالفريق مرتجى ليسأله عن الموقف، أجابه الاخير بأن الموقف لا بأس به، وصدق على سحب القوات الامامية إلى الخط الدفاعي الثااني على ان تكون الفرقة الرابعة المدرعة احتياطي، ثم اتجهت الفرقة شرقا لفك حصار القسيمة، ثم ألغى اوامره لها، ثم أمر المشير الوحدات بالانسحاب وبدا قائد المنطقة الشرقية توزيع القوات على اماكنها التي كانت تحتلها وقت السلم علامة على ان الحرب قد انتهت!

لماذا لم يباديء ناصر بالقتال؟

ويبقى تساؤل: إذا كان عبدالناصر على علم باقتراب الضربة العسكرية ضد مصر، لماذا لم يباديء بالقتال، ويجيب المؤلف: كانت جميع الدول العظمى : امريكا والاتحاد السوفيتي وفرنسا تطالب بألا تبدأ مصر بالقتال، بل صرح الرئيس الفرنسي ديجول بأن سياسات بلاده سترسم على ضوء من يكون الباديء ( بمعنى عدائي)، وكانت الاتصالات المتعددة تنصح ناصر بذلك، وبالفعل كانت مصر قد حصلت على اهدافها السياسية بعد عدوان 1956 بسحب القوات الطويلة واستعادة شرم الشيخ وقطاع غزة والسيرة على الملاحة في الخليج، فليس لدينا الدافع للبدء بالقتال.

وقد سأل عبدالناصر الفريق صدقي محمود عن نسبة الخسائر التي يتوقعها إذا ضرب العدو ضربته الأولى فكان رده أنها من 10 إلى 15 %! وهنا اعتقد ناصر أنه سيكون بإمكانه قوة ضخمة يرد بها على العدو، ولو وضع في يده الخسائر التي حدثت فعليا يوم 5 يونيو لوضع ذلك موضع اعتبار.

ورغم ذلك فلقد كانت الاوامر السياسية بتقوية قوات شرم الشيخ وغزة والاستعداد الكامل للضربة ولم يحدث شيئا من ذلك بل ولم تخل المطارات وتم خلخلة الخطة "القاهر" من أساسها!

ولقد حشدت إسرائيل أكبر عدد من طائراتها لتضرب في وقت واحد مطارات متعددة على أبعاد كبيرة عن بعضها وكان صدها يستلزم تخطيطا عميقا وتدريبا كاملا ولم يكن ذلك متوفرا في مصر.

ويؤكد المؤلف أن أرقام الميزانية تؤكد أن ما خصصته الدولة من موارد للقوات المسلحة في الفترة من عام 1956 حتى عام 1967 كانت مبالغ ضخمة للغاية تكفي المطالب الحيوية حتى بعد بداية حرب اليمن، ولكن العلة لم تكن في حجم الموارد بقدر ما كانت في كيفية إنفاقها.

90 دقيقة كانت كافية لمنع النكسة

ليس هذا فحسب، بل إن التراخي وغياب التدريب كان عاملا حاسما فيما تعرضنا له، ويكفي للتدليل على ذلك واقعة "الهجوم على ام بسيس" يقول الفريق صلاح الحديدي في كتابه "شاهد على حرب 1967" أن "90 دقيقة غيرت نتيجة حرب يونيو" فقد سبقت الضربة الجوية صباح 5 يونيو ضربة أخرى برية بنحو 70 دقيقة كاملة، وكان عبارة عن مجس لاستعداد وجاهزية الجيش المصري، ولكنها لم تجد العناية الكافية من القيادات المحلية، ولا تم النظر لذلك بمثابة إعلان حرب بيننا وبين إسرائيل، وبالرغم من ان نقطة المراقبة قد أبلغت عشية 5 يونيو بأنها شاهدت أيضا تحركات وآليات غير طبيعية للعدو وللأسف لم يتم عرضها على القيادة في الجبهة إلا ظهر اليوم التالي ، وبالرغم من كونها اشتباطات أسقطت قتلى وجرحى من الجانبين، وكان من الممكن أن تنتهز القوات الجوية المصرية تلك الفرصة وتنفذ خطتها الهجومية بضرب بعض القواعد الجوية في جنوب إسرائيل، ولكن ذلك لم يحدث ووقعت الكارثة.

كارثة الانسحاب السريع

وتعليقا على ذلك يقول هويدي: من المؤكد أن اوضاع مصر الفعلية يوم 6 يونيو 1967 لم تكن تبرر اصدار قرار الانسحاب بهذه السرعة؛ فقرار الانسحاب ذاته سليم لتقصير خطوط مواصلات القوات المتناثرة بعيدا نحو الشرق والارتداد لمواقع أكثر تحصينا، لكن كما يذكر مؤلف الكتاب، القرار شيء والتصور لطريقة تنفيذه شيء آخر.هناك آلاف الأفراد والمركبات بأنواعها والأطنان من المعدات والمهمات والمواد مع طرق صعبة وعدم صلاحية الأرض في أغلب المناطق للسير ثم العدد المخدد للمعابر على قناة السويس، ومن هنا كان قرار الانسحاب بهذا التعجل وعدم التقدير كارثة كاملة.

أين كان عبدالناصر من هذا القرار؟ يقول الفريق مرتجى نقلا عن الكتاب، أنه أجابه في نوفمبر 1967 حين ساله: "أنا عرفت بالانسحاب بصورة تجعلني مافيش مفر إني أوافق عليه قبل الانسحاب مباشرة".وهو ما أكده مؤلف الكتاب نتيجة حوارات دارت بينه وبين الرئيس وأنه ترك الامور كاملة في أيدي القيادة العامة للقوات المسلحة.

أخذت قواتنا طريقها إلى الغرب وهي محملة على آلاف العربات دون تنظيم او ضبط للتحرك وتصادمت القوات التي تتحرك على الطرق العرضية والطولية، وتوقفت القوات واكتظت الطرق، وطلع صباح يوم 7 وآلاف العربات على طرقات سيناء، كانت طعاما شهيا لطيران العدو، وترك الجنود عرباتهم في سير شاق طويل دون طعام او ماء فقتل منهم من قتل ومات منهم من مات وأسر منهم من اسر وأصبحت مصر لأول مرة في التاريخ بدون جيش لفترة لن تنسى!