في زاوية من هذا العالم وتحديدا في دمشق وبتمام الساعة السابعة وقفت في ذات المكان بعد سبع سنوات مريرة منذ ل

اليوم الجديد,فلسطين,النساء,مساحة رأي,قصة قصيرة

الأحد 25 أكتوبر 2020 - 18:28
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
بين الرفض والفرض

قصة قصيرة

بين الرفض والفرض

في زاويةٍ من هذا العالم وتحديداً في دمشق، وبتمام الساعة السابعة، وقفت في ذات المكان بعد سبع سنوات مريرة، منذ لحظة خروجها كان يعتريها هذا الشعور اللعين شعور الألم المتوارث شعور لايبرأ منها أبداً لأنه متعلق بين الذات وموطنها، فكلمة (لاجئ) كلمة محاصرة باللامبلاة تبقيها تائهة ووحيدة، كانت ومازالت تحاصرها، لأنها تعلم أن هذه الكلمة سياسية أكثر منها إنسانية وتشير إلى أسراب من الأبرياء والحائرين الذين يريدون مساعدة دولية محلية ،لاورقة تستخدم لعدة مصالح سياسية.



  بدأت رحلتها من الساحة الشمالية... ذاك الشمال اللئيم الذي كان اتجاه نكبتها الأولى غير المشهودة، وصار اتجاه نكبتها الثانية المشهودة... تمضي في الحارات ورائحة الموت تحيط بها من كل جانب، "مشاهد الفجيعة في حكايات المقدر والمكتوب"، حتى بدأت تتلاشى من ذاكرتها كل صورة من صور الحياة في هذا المكان الذي لايتسع إلى الأمل ولايأتي الغد دونه بلا أمل.

كانت سنين شاقة وهي الآن قد آلت نهايتها، المكان المادي مدمر بشكل أقل من الكامل بقليل، أما الناس هناك... فسيظلون يموتون ويموتون حتى تهزم مؤسسة الموت مؤسسة القتل. 

تمشي في الحارات الضيقة التي يتقارب فيها الصفان المتقابلان بسبب الدمار، يحصران بينهما وهج الشمس والغبار، وعندها (وقفت فجأة !!) ليس لاستيراد أنفاسها الأخيرة من هول المنظر بل وقفت لتتأمل ذاتها، فهي ك لاجئة للمرة الثانية لاتعلم متى تكون ولاتعلم متى لاتكون.

كل شيء أمامها كان رمادياً يميل إلى الأسود، مشهدٌ لم تراه حتى في مسلسل "التغريبة الفلسطينية" التي كانت قد حفظت تفاصيله عن ظهر قلب لأنه يذكرها بذنبٍ ولقبٍ لم تقترفه، النساء في الشوارع يرتدين الأسود، هذا اللون هوالقهر الخانق الذي يندفع بحقدٍ أسود وغلّ مسموم على ما جرى، أما الرجال فكان اليأسُ والصمت سيدهم ،فمن الذي سيفك طلاسم اليأس والصمت المضروبة في وجوههم وذاكرتهم وقلوبهم المشتاقة ؟؟. 

فكم من حكايات الحب دفنت؟. ..كم من اعتذار وانتظار؟. ..كم من حلم قبع تحت الركام؟. ..كم من صرخةٍ لم تُسمع؟. ..وكم من طفلٍ كان ينتظر النور فلم يبصره ؟

كل شىء كانت تنظر إليه كان يُطفي على وجهها ملامحَ جديدة، ليكتسب وجهها في كل نظرة ملامح الإنسان في الزمن، ملامح تدور في دولاب الموت والحياة معاً بلا توقف. 

بعد مشيٍ طويل وصلت إلى ذلك المكان الذي يذهب إليه الجميع، المكان الذي يقبع فيه صديق طفولتها والتي جمعتهم مواقف وذكريات جمّة، فكم من مرةٍ حَمِلَ عنها عقاب تلك المعلمة قاسية الملامح، كم من مرةٍ اقتسم فيها الشطيرة المتبقية لديه لأنها كانت جائعة، وكم من مرة حماها من أذى ذاك الولد المشاغب الفظ في كلماته، تفاصيل كثيرة لاتغادر ذاكرتها أبداً، كانت تتمنى لوأنها استطاعت وداعه كما يجب، فمنذ ذلك اليوم وشعور الندم وتأنيب الضمير لايفارقها، حتى أنها لن يتثنى لها وداعه مرة أخرى فقد رحل. .. رحل إلى العالم الأخر عالمٌ لا ألم فيه، بيدَ أن قبره قد دُمِر بالكامل ولا أثر له ولاشىء يدل على مكانه، لِتُحدِث نفسها:

هل هذا ما كان يعنيه درويش حين قال: نريد أن نحيا قليلاً لا لشيء بل لنحترم القيامة بعد هذا الموت؟ إذا كانت بوابة الدخول للعالم الأخر قدت اندثرت بلا احترام لهيبة الموتى فما الذي سيجعل للقيامة هيبة ورهبة ؟ هل كان درويش يعلم ما قد يحدث في المستقبل ليكسر الحدود في اللغة والكلام وتترجم إلى واقع؟ نعم فالنكبات لم تفارق أجدادها لتفارقها هي. 

بعد برهةٍ من الزمن تستذكر فيها الأيام معه وهي تنظر يمنةً ويسرى لعلها تجد شيء يدل على مرقده، جلست تحت ظلّ ما تبقى من نصب الشهداء التذكاري، تحدثه في سرها عن هذا الندم، لحظة أدركت فيها تمام الإدراك أن لغة الموت لم تكن سريانية لاأحد يفهمها كما كانت تعتقد، بل هي لغة الوجدان والرؤى المعبرة عن كل شىء.

أعادة أدراجها إلى ذاك الشارع وتلك الحارة إلى ذلك البيت الذي لطالما أبكاها أكثر من أن يفرحها، ولكنها الآن لا تفتقد إلا لشعورٍ واحد فقط (الأمان) ذاك الشعور المنسي الآن، الذي كان موجوداً على تلك الوسادة في بيتها، رغم كل ما حدث ورغم كل الخلافات العائلية التي كانت إلا أنها كانت تشعر بالأمان دائماً عليها، جلست في ركن شرقي تطالع إلى ماتبقى لها من هذا الأمان، ليبدأ عمل الذاكرة في استراجع الفصول.

حطت الذاكرة رحالها في أيام الشقاوة الأولى، فتيةٌ وفتيات يظلون يلعبون ويدورون يلحق بعضهم بعضاً حول حجارة التاريخ الشاهدة عليهم باللجوء الذي لم يكن يعني لهم شيئاً سوا أن لديهم بلد أخر يعرفونه عن طريق ما يرددنوه :{فلسطين بلادنا واليهود كلابنا بدقوا ع بوابنا متل الشحادين} حتى يدوخون ويرتمون، لتعود وتحدث نفسها كعادتها : كنا مجرد أطفال يمرحون عاثرون في الدنيا على ما يُحبُ وما يُعاش، كيف كبرنا بهذه السرعة ؟ وما الذنب الذي ارتكبناه حتى نتجرع مرارة هذه الأيام الدنيئة ؟ وإني الآن لأسمع احتضار أرواح هذه المنازل وأنين جدرانها وعتباتها، هيكل غرفتها القابع أمامها، وكأن كل شيء يثبت لها : أن البيوت تموت حقاً إذا غاب سكانها. 

تتوالى الذكريات عليها كرشقات الرصاص على الجدار أمامها لتحط رحالها عند حديثٍ لها مع والدها "عن المنفى واللجوء" الذي كان ذوثقافةٍ واسعة ولكنه ك كثير من أقارنه والسابقين والذين سيأتون، لم يأخذ حقه في مجتمع خالي من التقدير والإيثار مبنيٌ على المصلحة والتسلق "إلا من رحمه ربي"،

الابنة : ترى يا ابتي ما هوالذنب الذي اقترفناه حتى نكون لاجئيين ؟

الأب : ماهذه النبرة يا ابنتي وما هذا اليأس في صوتك ؟

الابنة : ليس يأس يا أبي ولكنه الحنين، حنين إلى بلدٍ لم أراه ولربما لا أحبه إن عدت إليه، أحفظ تفاصيله عن ظهر قلب تاريخه جغرافيته سهوله هضابه أسماء شوارعه التي ربما أموت ولن يتثنى لي زيارتها اوالعودة إليها، اللجوء والمنفى يذبحتي من الوريد إلى الوريد يا أبي.

الأب : هدئي من روعكِ يا ابنتي، ويجب عليكِ أن تعلمي أن الأدب والتاريخ ممتلئ بأمثلةٍ عن اللجوء والمنفى، فاللجوء هوأقوى قوة دافعة لولادةٍ جديدة.

الابنة : هل يمكنني أن اعتبر أن اللجوء نقطة تحول فاصلة ؟

الأب : نعم لأنها تعد بذل جهد للتغلب على أحزان الاغتراب والمنفى المحبطة. 

عم الصمت برهةً ليعاود الأب استكمال حديثه. 

الأب: هل تعلمين يا ابنتي أن الإنسان اللاجئ يقع دائماً أمام خياريين لا ثالث لهما ؟

الابنة: وكيف ذلك يا أبي ؟

الأب: عند قراءة التاريخ سنجد أن هناك من يعود إلى وطنه بصورة لامعة، (وإن شابها لمسة من الإنتقام ) ك ماوولينين وغيرهم الكثير. 

الإبنة: وهذا يعني أنه يمكننا العودة إلى وطننا مع لمسة الإنتقام هذه. 

الأب: نعم ولكن عليكي أن تفرقي بين منفى لينين وماووأمثالهم وبين المنفى الحقيقي !!

الابنة : وكيف ذلك ؟

الأب: المنفي أواللاجئ الحقيقي يا ابنتي وهذا ما يعني أغلبنا "لارجعة منه أبداً لا معنوياً ولا واقعياً لأنه يحتاج إلى تقديم تنازلات كثيرة. 

الابنة : وهل هذا يعني أن منفانا الآن يحمل لمسة من العزلة والحنين واليأس معاً ؟

الأب : نعم إنها كذلك فالعزلة والحنين صورة أساسية من عدة صور للجوء. 

الإبنة تنظر في حيرة وقد تداخلت الأفكار في عقلها بفلسفةٍ مبهمة وتسأل؟

الابنة : أبي هل يمكن أن تخبرني أكثر عن صور اللجوء والمنفى ؟

الأب: أتدري يا ابنتي هناك منفيين يتطلعون إلى غير المنفيين بنظرة يشوبها الحقد. 

الابنة : هل تعني يا أبي بأن الحقد يكمن في أن غير المنفيين ينتمون إلى محيطهم الطبيعي ؟

الأب: نعم لأن الإنسان العادي اللاجئ أوالمنفي لا ينتمي في الغالب. 

بعد صمت وتفكيرٍ وتحليل عادة لتسأل ثانية. 

الابنة: أبي قرأت ذات مرة بأن أميركا في الأصل مكونة من أمم مهجرة منفية، هل هذا ما كنت تقصده بأن المنفيين ينظرون لغير المنفيين بنظرةٍ يشوبها الحقد ؟

الأب: نعم يا ابنتي وهذا ما يثبت قلقها الدائم تجاه كل ما هوأصلي وحقيقي. 

الابنة : أبي هل هذا ما يبرهن دعم أميركا لإسرائيل على احتلال أرضنا ؟ هل هذا هوالحقد الذي دفعها إلى تهجير الأصلي والحقيقي؟

الأب: "وقد زرعت على ملامحهِ ابتسامة تدل على أن وعي ابنته بدأ بالنضوج، وتكوين الفكر والشخصية "، نعم أيتها الثرثارة كثيرة الأسئلة والاستكشاف. 

{ليته يعلم الآن كيف تحولت كثيرة الأسئلة إلى كتلة صمت تخفي بداخلها بركان لا يهدأ }.

الابنة: أبي لقد قلت منذ قليل بأن اللجوء ولادة جديدة للإنسان المنفي، فكيف له أن يعوض خسارته؟

الأب: سؤالٌ ذكي من مراهقةٍ في سنكِ، حسنا.ً سأجيبك : يقضي اللاجئ الجزء الأكبر من حياته للتعويض عن خسارته وغالباً يكون بإنشاء عالمه الخاص الجديد والذي  يفرض عليه نفسه، لذلك نجد أن أغلب الكتاب والروائيين والشعراء والمناضليين والسياسين لاجئيين. 

الابنة وقد صمتت لوقتٍ طويل تفكر في هذا الكلام الذي سيبقى محفوراً في ذاكرتها إلى أبد الأبدين. 

لتعود إلى واقعها الحالي بتلك الفكرة المتبلورة في مخيلتها فكرة تدور حول المنفى لأن النظرة الدينية له تقول : إن الأنبياء لفترة من الزمن كانوا منفيين من ديارهم، هذا المنفى الذي كان تمهيداً لعودتهم حاملين راية النصر والسلام، فالمنفى هنا يثبت الولادة الجديدة لتكون شرطاً للوصول إلى الأفضل. 

ذكريات كثيرة تَمُر أمامها، فمثلما تنقسم الطلقات، تنقسم القصص في ذاكرتها، فأحلامها صغيرة مقابل حزنها الكبير ،لم تعد قادرة على المكوث أكثر في هذا المكان الميت بعد أن كان يضج بالحياة ليلاً نهاراً، وقفت لتستعد للرحيل إلى لجوءها الجديد، قدماها لم يعدان يحملانها من ثقل الأشياء داخل نفسها، فلطالما كانت تشعر دائماً بالوحدة والقلق، وحدة وقلق من نوعٍ أخر، فهي فلسطينيةٌ سورية من أصولٍ جزائرية ولدت في لبنان لا يعتبرها اللبنانيون منهم لأن أصلها فلسطيني، ولا يعتبرها الفلسطينيون منهم لأن أجدادها القادمين من الجزائر الذين مكثوا على أرض فلسطين وأخذوا هويتها، غادروا فلسطين، أما فلسطينيوسوريا ولأنها ولدت في بلدٍ أخر فلا يعتبرونها فلسطينية سورية، كانت تشعر طوال حياتها بأنها مجرد كائن يسكن داخل اللغة.

عادت أدراجها ووقفت في ذاك الشمال من جديد ولكن في هذه المرة كانت قد تكونت نظرة جديدة بداخلها، ألا وهي، {أنه مهما بلغت إنجازات الشخص المنفي الحقيقي فإنه دائماً سيشعر بفقدان شيءٍ ما تركه خلفه}.