حياته رتيبة قاتمة بلا لون أو معنى تنعكس على جدران منزله.. قطار المساء إلى لشبونة.. المزيد

Night Train to Lisbon,مشاهدة فيلم Night Train to Lisbon,فيلم Night Train to Lisbon,قطار المساء إلي لشبونة

الخميس 9 يوليو 2020 - 01:06
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
قطار المساء إلى لشبونة

Night Train to Lisbon

قطار المساء إلى لشبونة

طالما كانت للمحطة أثر بالغ فى لغة السينما، فهى دائماً رمز لمرحلة فاصلة فى رحلات أبطالها.. تلاقٍ وفراق.. وصول وغربة.. عبثية الصدف أو سخاء الأقدار.

عن رواية قطار المساء إلى لشبونة للكاتب «بسكال ميرسيير»، أخرج «بيل أوجست» عام ٢٠١٣ هذا الفيلم المهم حاملاً نفس الاسم من بطولة «جيرمى أيرونز» فى دور (ريموند)، مدرس الفلسفة الذى يعانى الوحدة وحسرة الروح قبل العمر.

 

حياته رتيبة قاتمة بلا لون أو معنى تنعكس على جدران منزله الرمادية ومكتبته المكدسة التى لا يدخلها نور، فتكالبت الكتب بداخلها فى عتمة تشبه يومياته البائسة.

وفى صباحه المعتاد بمشيته المنحنية ونظراته الواجمة متجهاً لعمله، لمح فتاة ترتدى معطفاً أحمر تقف على حافة الجسر على وشك الانتحار، فيهرع لإنقاذها وينجح فى إثنائها عن إنهاء حياتها لكنها تتركه وتنسى معه معطفها الأحمر الحامل بداخله كتاباً وتذكرة قطار المساء إلى لشبونة.

وحينها نجد حياته تتشكل من جديد بعد ثبات عقيم. فبرغم إنقاذ (ريموند) فتاة المعطف الأحمر، لكنها كانت بمثابة طوق نجاة له من موته اليومى فى حياته عديمة الروح والمعنى.

لون المعطف كان أول لون دخيل على حياته الرمادية الكئيبة، كأنه محاولة أخيرة لإنعاش حياته المميتة والتذكرة قادته إلى محطة القطار، وكان لا بد وهو بداخل المحطة أن يختار بين العودة لحياته كما سبق أو المخاطرة بكسر نمطه الأبدى والمغامرة للمجهول.

 

 

ركب القطار رغبة منه فى الوصول للفتاة لكن رغبته العارمة كانت فى الهروب من حياته ذاتها لأى ملاذ آخر حتى لو مجهولاً، ثم بدأ يتصفح الكتاب بشغف كان لشاعر بولندى يروى خواطره ورؤيته لحياته ومعناها.

توحد (ريموند) مع الكاتب؛ لأنه شعر بأنه يروى حياته هو التى لم تكتمل ويعطيه إجابات طالما بحث عنها ولم يجدها. فحياة الكاتب الزاخرة بالأحداث والأوجاع والانتصارات والمحن برغم قصرها فهى سنين تضج بالوهج والحياة أحسسته بضآلة وانعدام المعنى من وجوده، فقرر اللحاق بمعقل رأس الكاتب كى يعرف كل أحداث حياته أو ربما ليعيش من خلاله حياة حقيقية بدلاً من عمره الباهت غير المُجدى.

 منذ وطئت قدماه لشبونة هذا البلد الغريب، وهو فى حالة دهشة كأنه يعيش الحياة لأول مرة، فكان لا بد أن يرتطم فى الشارع مع المارة، ما أدى إلى تهشم زجاج نظارته الثقيلة، وأيضاً نظرته للحياة فى العموم.

مع شرائه نظارة جديدة خفيفة، وكأن الرؤية قد عادت له من جديد بعيون أخرى وإدراك مختلف.

تحسن بصره ولمعت عيناه وبصيرته كمن قد دبت فى أوصاله الحياة مرة أخرى، وعاد الشباب لروحه، اعتدلت هيئته واستقامت مشيته خصوصاً عندما بدأ علاقة الصداقة الجميلة مع طبيبة العيون التى ساعدته فى معرفة مكان الكاتب وتفاصيل حياته المؤثرة.

يسير السيناريو بسلاسة متناهية ويمتد الاسترسال بشكل روائى بحت فى جذب المشاهد إلى الحيوات الأخرى من خلال الراوى (ريموند) ذاته فى تناغم بين لقطات من الماضى لشباب المقاومة الذين كان من ضمنهم الكاتب والذى كانت له رؤية مختلفة للقيم الحقيقية وتحقيقها ضد السلطة الفاشية فى لشبونة ذلك الوقت والغوص فى أحداث الصمود ضد النظام وظلماته.

عالم آخر وأحداث حية متلاحقة بين مجموعة المقاومة وما بينهم من صراعات داخلية والمحاولات لتدمير النظام الفاشى وتبعياته على كل الشخصيات وصولاً بالزمن الحالى.

يتعمد السرد فى الربط دائماً بين حياة (ريموند) والكاتب التى استمد منها (ريموند) بصريته واختياراته واستكمل منها كل نواقصه وإجاباته، لذلك نجده دائماً عند مفترق الطرق يختار بين الاعتياد والشغف الحقيقى لمعنى الحياة.

 

 

امتاز التصوير والإضاءة، وأيضاً اختيار أماكن التصوير بتوجيه إحساس المشاهد بشكل غير مباشر ودون تنويه عن زمن الأحداث والتناقل بين الشخصيات ذاتها فى صباها

وشيخوختها، ما أحدث حالة خاصة من التناغم بين ما يعانى منه الأبطال بين الماضى والحاضر.

يستكمل (ريموند) رحلته للنهاية ويستكمل معه المشاهد رؤية الراوى والكاتب كوجهين لعملة واحدة فى البحث والوصول للمعنى الحقيقى من الوجود.

هل يتحقق فقط بالتواجد ومسايرة الأمور والأحداث على شاكلتها دون الخوض والنزاع فيها؟ هل يكفى هذا الشكل الآمن من الوجود؟ هل يحقق غايته؟ أهكذا نكون أحياء؟

كما بدء الكاتب كلماته بالكتاب، مؤكداً أننا نعيش الآن والآن فقط، وكل ما مضى من العمر فقد رحل ونُسى. فكل الوقت والسنين المتبقية تنتظر أن تصنعها بشكل يخلق كيانك الذى طالما كنت تتمناه.

 

 

تنتهى الرحلة بميلاد روح (ريموند) من جديد ويصبح شغوفاً بالحياة لأول مرة، تطلب منه طبيبة العيون البقاء معها وعدم العودة لحياته القديمة.. فيقع بين مفترق الطرق مرة أخرى..

وتظل المحطة مكان كل بداية ونهاية..