أسر القلوب فاستحق الخلود إنه الشاعر الراقي خليل مطران الذي استطاع أن يخلق لذاته مكان.. المزيد

مصر,تركيا,الإسكندرية,حب,النجوم,الثقافة,الهجرة,نتيجة,روما,خليل مطران,شاعر القطرين,الناقد محمد مندور,هجرة مطران,أشعار مطران,سيرة الأخطل الصغير,هل تزوج خليل مطران

الجمعة 18 سبتمبر 2020 - 16:19
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى

في ذكرى رحيل مطران..

شاعر القطرين.. عبقري الأدب الذي هرب من بطش العثمانيين

خليل مطران
خليل مطران

أَسرَ القلوبَ فاستحقَّ الخُلود، إنَّهُ الشاعرُ الراقِي خليل مطران، الذي استَطاعَ أن يَخلُقَ لذاتِهِ مَكانةً مُميَّزةً في تاريخِ الشِّعر العربي المُعاصِر، ولُقِّبَ ﺑشاعرِ القُطرَينِ والأخطَلِ وشاعِرِ الأَقطارِ العَربيَّة. 



وسنرى لمحات مضيئة من حياة هذا الجبل الشعري الفذ في كتاب للناقد الكبير محمد مندور محاضرات عن خليل مطران، وقد صدر عام 1954م، وتناول قبسا من حياته وأشعاره الوجدانية والدرامية وجوانب التصوير في شعره، وقدم دراسة مستفيضة في مميزات شعره الرومانتيكي العصري والذي يحفظ أصالته؛ رومانتيكية شرقية الروح، تأبى إلا أن تُشرِق محرقةً.

مطران يغلق قلبه بعد رحيل حبيبته

يكاد يختفي الضمير أنا من شعر مطران، وعن ذلك يقول الناقد محمد مندور: هذا الشاعر الكاثوليكي ذا الثقافة الفرنسية الواسعة قد تأثر بمن سبقه في تلك النزعة ومنهم باسكال، وقد روى قصةَ غرامه المبرح بضمير الغائب في سلسلة قصائد جمعها تحت عنوان واحد: قصة عاشقين؛ حيث يحدِّثنا عن حب عذري رفيع، جمع بين فتًى وفتاة، ثم ماتت تلك الفتاة بمرض يبدو أنه ذات الصدر. 

ومن الواضح أن هذا الفتى هو الخليل نفسه الذي مات عَزَبًا، مع أن حياته امتدت ثلاثة أرباع قرن، لم ينسَ خلالها تلك الفتاة التي تنكَّرت في ديوانه خلف أسماء عديدة؛ كهند وسلمى وليلى وغيرها؛ بل لقد روى بعضُ معاصريه أنه أنشد عدة قصائد غزلية في ابنة جودت باشا، وزير العدلية التركية، التي التقى بها في الآستانة سنة ١٨٩٣ أثناء مرافقته للخديوي عباس، مندوبًا عن جريدة الأهرام، ولكن الشاعر أنكر. 

مطران مهدد بالطرد بعد مهاجمة العثمانيين

التاريخ يحدِّثنا أن مطران رغم طبيعته المبتعدة عن المناوشات، فقد هاجم في صدر شبابه سياسة العثمانيين، كما يشير مندور، ويحدِّثنا في كتابه أنه كان يرقى هو وأحد أصدقائه إحدى رُبى بيروت؛ حيث يتغنَّى بالمارسلييز نشيد الثورة الفرنسية، الذي كان يُعتبر عندئذٍ نشيد الحرية في جميع بقاع العالم. وذلك عندما كُمِّمت حرية الفكر في مصر وسُلِّط عليها سيف قانون المطبوعات حوالي سنة ١٩٠٩، فقال الشاعر:

كسِّروا الأقلام هل تكسيرها يمنع الأيدي أن تنقش صخرا قطِّعوا الأيدي، هل تقطيعُها يمنع الأعين أن تنظر شذرا.

 

 

وعندما توعَّدته الحكومة المصرية بالنفي على أثر نشر الأبيات السابقة جَابَهَ هذا الوعيد بالأبيات الآتية:

أنا لا أخاف ولا أرجِّي فرسي مأهبة وسرجي فإذا نبا بي متن بر فالمطية بطن لج.

يقول مندور: وأما فيما عدا هاتين المقطوعتين فقد دفعت المعاودة الشاعر إلى تنكير أفكاره وعواطفه في ثياب التاريخ؛ حيث نراه يتحدَّث عن ظلم الحكام وغدرهم واستبدادهم، ووقاحتهم في فتك كسرى ببزرجمهر، أو إحراق نيرون لمدينة روما ليتلهَّى بمنظر الحريق، وما شاكل ذلك من قصائد الملاحم أو الدراما.

مطران .. ثقافة متنوعة وأصل عربي

يشير مندور إلى عروبة الشاعر الأصلية التي كشف عنها الباحثون، ورغم أن الشاعر قد ولد سنة ١٨٧٢ في مدينة بعلبك، الفينيقية الأصل، ونجاحه في الأعمال المالية والتجارية أثناء إقامته في مصر، وتولِّيه منصب السكرتير العام المساعد للجمعية الزراعية الخديوية زمنًا طويلًا، وما كان قد جمعه من ثروة نتيجة المضاربات في سنة ١٩١٢.

وأخيرًا انتماؤه لأسرة كاثوليكية قد يُظَنُّ أنها لم تعتنق الإسلام لانتمائها إلى أصل غير عربي ولكن الحقيقة أنها تتفرَّع من الأزد الذين كانوا يسكنون في الأزمنة البعيدة أرض اليمن، وأما أمه ملكة الصباغ، فكانت من أسرة فلسطينية عريقة، وكانت تتذوَّق الأدب، بل وتقرض الشعر، وكذلك كانت جدته لأمه.

 

ولقد تنوعت ثقافة مطران وأجاد لغات عدة؛ حيث أتم دراسته في المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك، وفيها أجاد اللغة العربية على الشيخين خليل اليازجي وإبراهيم اليازجي، كما تعلَّم الفرنسية على أستاذ من التورين. 

 

جواسيس عبدالحميد وهجرة مطران

في كتاب مندور ينقل ما قد أشيع بقوة عن إن جواسيس السلطان عبد الحميد حاولوا اغتياله فأطلقوا الرصاص على مخدعه في غرفة نومه ظنًّا منهم أنه في فراشه، وعندئذٍ لم ترَ أسرته بدًّا من حمله على المهاجرة إلى باريس خوفًا على حياته، وحرصًا على العلاقة المسالمة التي كانت تربطها بالحكومة العثمانية. 

وفي باريس زادت معرفة الشاعر باللغة الفرنسية وآدابها، ولكن المقام لم يستقر به في باريس؛ وذلك لأنه اتصل فيها بجماعة تركيا الفتاة التي كانت تناوئ الاستبداد العثماني، فلاحقه جواسيس السلطان عبد الحميد حتى اضطر إلى أن يفكِّر في مهجر آخر، فانصرف نحو البرازيل بأمريكا الجنوبية؛ حيث كان يقيم أصهاره، وأخذ يتعلَّم الإسبانية استعدادًا لهذه الهجرة.

كان مطران معجبًا في البداية بشخصية نابليون بونابرت وعبقريته العسكرية، وفي ذلك كتب بمناسبة هزيمة بروسيا:

وكأن نابليون في إشراقه عَلَم على علم الزعامة بادي المجد رهن إشارة بيمينه والنصر بين يديه كالمنقاد والفخر في راياته متمثل وطلائع العقبان في ترداد فتهيَّأ الألمان لاستقباله كالحائط المرصوص من أجساد وعلا هتاف مازجته غماغم من سلِّ أسلحة وركض جياد

لم تتحقق لمطران نيته في الهجرة إلى أمريكا؛ إذ سافر في سنة ١٨٩٢ إلى الإسكندرية؛ حيث اتخذ من مصر وطنه النهائي، وأنفق فيها حياته موزَّعًا بين الأدب والأعمال التجارية والاقتصادية، إلى أن توفَّاه الله في سنة ١٩٤٩ عن سبع وسبعين عامًا تقريبًا.

وجدانية مطران الشفافة

كان مطران يكتب بتصوير درامي نابع من وجدانه الشفاف، ويتجلى ذلك مثلا في رائعته المساء، والتي نَظَمها وهو عليل في مكس الإسكندرية فقال:

ولقد ذكرتُك والنهار مودِّع والقلب بين مهابة ورجاء وخواطري تبدو تجاه نواظري كلمَى كدامية السحاب إزائي والدمع من جفني يسيل مشعشعًا بسنَى الشعاع الغارب المترائي والشمس في شفق يسيل نضاره فوق العقيق على ذُرى سوداء مرَّت خلال غمامتين تحدُّرًا وتقطَّرت كالدمعة الحمراء فكأن آخر دمعة للكون قد مُزِجت بآخر أدمعي لرثائي وكأنني آنست يومي زائلًا فرأيت في المرآة كيف مسائي

يقول مندور: والواقع أنه من الصعب أن نفصل في شعر مطران عناصره الفنية المتداخلة؛ وذلك لأنه يصدر في هذا الشعر عن مَلَكة مركَّبة تجمع بين القصص والدراما والتصوير، حتى لنجده يجمع في القصيدة الواحدة بين اللوحات الواسعة المليئة بالحركة والحياة، وبين الصور الفردية للشخصيات التي يصفها من واقع الحياة أو من تصورات خياله الخالق، بحيث يمكن أن توصف مَلَكته الشعرية في جوهرها بأنها مَلَكة تصوير قصصي.

بل إن بعض مقطوعات مطران توحي بأنه كانت له فلسفة في الطبيعة تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ فلسفة الشاعر الفيلسوف الشهير لوكريشيوس الروماني في قصيدته الخالدة عن طبيعة الأشياء، فهو يفسِّر الكون على أساس الحب الذي يجمع المتفرِّق ويؤلِّف بين العناصر، ومن ذلك قوله:

أليس الهوى روح هذا الوجود كما شاءت الحكمة الفاطرة فيجتمع الجوهر المستدق بآخر بينهما آصرة … ويحتضن الترب حَب البذار … فيُرجعه جنَّة زاهرة … وهذي النجوم أليست كدر طواف على أبحر زاخرة … يقيِّدها الحب بعضًا لبعض … وكلٌّ إلى صنوها صائرة …