خلال هذه الأيام وفي لحظات الحظر تحديدا وعند تصفح منصات السوشيال ميديا يتسرب إلينا شعور الإحباط المتعمد وت

مصر,الإرهاب,بورسعيد,المصري,التاريخ,كورونا

الخميس 16 يوليو 2020 - 02:51
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
روح المقاومة

روح المقاومة

خلال هذه الأيام، وفي لحظات الحظر تحديدًا، وعند تصفح منصات السوشيال ميديا، يتسرب إلينا شعور الإحباط المتعمد، وتضرب بأفكارنا أمواج من المعلومات والبيانات المغلوطة، ونقع تحت ضغط ما يسمى بالهبد والسعي وراء الظهور، فأرجع إلى نفسي قليلًا و أبتعد عن هذه المضاربات وأفتح النافذة لأشم بعض من هواء المحافظة بورسعيد الباسلة، وأسترجع أمجاد أجدادي وأهلي و بطولاتهم ضد المستعمر، وحروبهم التي سطر التاريخ بطولتها في عام 1956، وما بعدها، حتى نصر أكتوبر المجيد، وتعلوا أمامي كلمة المقاومة.



نعم المقاومة؛ فهي من تراثنا المصري وتراث بورسعيد ومدن القناة خاصة، ولكن المقاومة الآن تختلف عما سبق، فسابقًا أجدادنا كانوا يقاومون عدو ظاهر أمامهم واضح المعالم، ولكن قواعد اللعبة الآن تغيرت وأصبح الآن العدو بين طيات ملابسك، وفي يديك بل في عقلك أيضًا وتستسلم له دون مقاومة.

العدو قد يكون فكرة أو حتى محاولة انتصار لرأى أو فكرة. العدو قد يبتعد عن هذا بكثير فقد يدخل إلى عقلك من خلال أحدهم يستغل فكرة نبيلة ظاهريًا لتحقيق أهداف مدمرة، وهو ما يسمى ظاهرة التأثيرات الغير إدراكيةSubliminal Effect ، وهي تتسلل إليك دون أن تدري أنك واقع تحت تأثيرها، أو تحت طائلة أحد أسلحة الحروب النفسية.  

فمن المعلوم أن شعوب العالم تحركها مشاعرها أكثر مما تحركها عقولها، والإنسان دائمًا يميل إلى تصديق ما يميل له هواه سواء كان كذب صادف هواه أو يُكذب صدقًا لا يميل له هواه.

أعلم أنه لا توجد شائعة تطلق دون دراسة نفسية للطرف المستهدف منها، وأن الشائعة المكذوبة لا تبدأ أبدًا بكذبة، إنما تبدأ بحقيقة يسهل التأكد منها، وتبنى عليها تلال وجبال من الأكاذيب التي تستند إلى تلك الحقيقة، بل تستخدم تلك الحقيقة كوسيلة لمنح الأكاذيب سمة الحقيقة، وأحيانًا تبنى الشائعات على استعداد المتلقي لتصديق تلك الشائعة حتى وإن كانت لا تمت إلى الحقيقة بصلة وتخالف المنطق السليم.

فالشائعات هدفها التأثير في المجتمع كله، وتكوين رأي أو وعي  جمعي يتجه نحو الهدف المنشود من نشر هذه الشائعات بشكل تراكمي يهدف إلى توجيه الرأي العام للتأثير على صانع القرار أو دفع المجتمع كله إلى معاداة أو أخذ موقف معين من جهه أو وزارة أو حكومة، أو استخدامها على نطاق أوسع بتضخيم الأخطاء و الهزائم الصغيرة وتسفيه أي عمل أو إنجاز أو حتى انتصار في ظل بيئة نقل جماعي للمعلومات دون أي محاولة للتدقيق أو كشف حقيقتها.  

أعلم أن تعليق بعض من السادة القراء لهذا المقال أن الكاتب متأثرًا بنظرية المؤامرة، وهو المصطلح الذي يتردد من المؤمنين بالتشكيك في كل الأحداث المحلية والعالمية، والذين يصنعون سلسة من الأحداث السياسية والاجتماعية بحيث تبدوا وكأنها سلسة من الأكاذيب التي ينسبونها دائمًا إلى الحكومات على أنها أنظمة متآمرة بشكل منظم، ويرون أن كل حدث ما هو إلا حلقة من سلسلة مؤامرة كبرى تهيمن عليها أنظمة سرية تديرها من وراء ستار.

والمفارقة أو ربما الخدعة الكبرى، أن اللعب بنظرية المؤامرة في الحروب النفسية على الشعوب، هو النظر إليها باعتبارها جزء من نظرية المؤامرة، والتي يقف المتعاملون معها على طرفي النقيض؛ فإما أن يروا المؤامرة في كل شيء، وإما أن يسخروا من فكرة المؤامرة في كل شيء، فأول ما يُفعل لصرف النظر عن فكرة المؤامرة هو نشر السخرية من فكرة المؤامرة على نطاق واسع.

ولكن الانغماس في فكرة نظرية المؤامرة قد يصل بك إلى حد الهوس أو الوسواس القهري، كما أن رفض نظرية المؤامرة بشكل قاطع هو أيضًا هوس قاتل، لأن فكرة المؤامرة قد تكون أوضح من رفضها، ولكن في معظم الأحوال الرافضون لنظرية المؤامرة لا يرفضون النظرية في حد ذاتها، إنما يرفضون أن يسلموا بأنهم واقعون تحت تأثير التلاعب بعقولهم ومشاعرهم ولكن في كتاب "لعبة الأمم، للكاتب المخابراتي الأمريكي مايلز كوبلاند 1969"، أوضح وبين هذا جيدًا، فإذا كانت السخرية من نظرية المؤامرة هي الخطوة الأولى لنجاح تلك المؤامرة لأننا سخرنا منها و استبعدناها، ما يعني معه تصديق أي شائعة دون بحث أو تمحيص أو حتى تدقيق فيها كيف ولماذا أشيعت؟، والهدف منها، وترديد كل الأكاذيب التي تؤدي إلى تخريب وطننا بأيدينا دون أن ندري.  

ولكن ما الغرض من سرد كل ما سبق وتداعياته علينا؟

 فمنذ ثورة 30 يونيه وحتى الآن، وفي ظل إعادة بناء الدولة المصرية فإننا نعيش مرحلة أطلق عليها "مرحلة البناء و المقاومة"، أي إعادة بناء مصر وترتيب البيت المصري، واستعادة مكانة وقدرة الدولة، وقطع دابر الإرهاب الذي يستخدم ضمن وسائل إخضاع الدول مغطى بالحروب النفسية.

فعلى أبناء هذا الوطن مقاومة كل التأثيرات النفسية والشائعات و الحفاظ على هذا الوطن بكل ما أوتينا من قوة، والحفاظ على وحدة هذا الوطن والتصدى لكل المخطاطات، ومجابهة هذه الشائعات، و كل ما يراد به إفشال الدولة المصرية وتحطيم طموحات وأغراض أعداء ظاهرين علنًا أو في الخفاء، متربصين بالشعب والدولة معًيا، و متربصين بكل ما يوحد الشعب المصري، فيجب أن نتحلى بما تعلمناه من أجدادنا من روح المقاومة للأعداء أيًا كان الثمن و إصلاح الأخطاء بعيدًا عن المزايدات، والاستجابة للضغوط النفسية الواقعه علينا كمسببات للانقسام وخدمة طموح وأغراض العدو أيًا كان.

فالمخططات لن تنتهي والخطر لا يزال  قائمًا،  فروح المقاومة يجب ألا تتوقف على شعور وقتي أو تحت تأثير لحظي أو تعاطف، وأن استدعاء روح المقاومة تطلب منا جميعًا اليقظة والانتباه الدائم، وأن نفرق بين من يريد الإصلاح ومن يريد الفساد، وأن النصر في معركة البقاء مرهونًا بقدرتنا على الصمود مثل أجدادنا، وأن تظل روح المقاومة هي الشعار.